الخميس 21 مارس 2019 آخر تحديث: الاربعاء 20 مارس 2019
محمود الطاهر
اتفاق ستوكهولم.. نصرٌ للشرعية أم للحوثيين
الساعة 16:10
محمود الطاهر

سيصبح يوم الـ13 من شهر ديسمبر يومًا محفورًا في ذاكرة اليمنيين نتيجة لتسجيل الأطراف المتصارعة في اليمن أول اختراق في جدار الأزمة اليمنية سعيًا منهما لهد الجدار بدعم أممي، وهو تقدم لم يكن متوقعًا بسبب التعنت الحوثي الذي استمر حتى قبل أن يعلن أنطونيو غوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة توصل الأطراف اليمنية إلى اتفاق بشأن الحديدة وتعز وتبادل الأسرى.

وقال غوتيريش في مؤتمر صحفي بالجلسة الختامية لانتهاء مشاورات السلام اليمنية بالسويد التي يرعاها المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، إن الأطراف اليمنية توصلت إلى تخفيف حدة التوتر في مدينة تعز ومواصلة التفاهمات في جولة المشاورات المقبلة يناير المقبل، وذكر بأنه تم الاتفاق بين الأطراف اليمنية على وضع إطار لتنفيذ كل ما تم التوصل إليه وهذا يعني الكثير لليمنيين والعالم بأسره.

لم يكن ليحصل ذلك لولا ضغط التحالف العربي عسكريًا على المليشيات، وضغوط المجتمع الدولي على الطرفين سياسيًا من أجل التوصل إلى اتفاق خصوصًا فيما يتعلق بالوضع في مدينة الحديدة التي يتركز فيها القتال بين القوات الحكومية ومسلحي جماعة الحوثيين المواليين لإيران، والإطار العام للمفاوضات المقبلة الذي كان موضع خلاف في الساعات الأخيرة من المشاورات، ورفض الوفد الحكومة مناقشة ذلك، قبل أن يتدخل الأمين العام للأمم المتحدة، وتمخض عن هذه المشاورات ما بات يعرف اتفاقية ستكوهولم، والتي تتفرع إلى مبادرات الحديدة وتعز والإفراج عن الأسرى والمعتقلين، ولعل أشهرها وأهمها مبادرة الحديدة.

هذه المبادرة قدمها الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح في مطلع العام 2017 ووافق عليها البرلمان اليمني الذي يعقد جلساته في صنعاء، إلا أن المليشيات الحوثية اعتبرت صالح خائنًا للوطن ويريد أن يتنازل عن قطعة من أراضي اليمن لدولة أجنبية، وتلك كانت أول شرارة اختلاف بينهما وانتهت باغتياله من المليشيات الحوثية.

لكن التحالف العربي شكل قوة مشتركة تتكون من أبناء محافظة الحديدة (المقاومة التهامية) ومن مناطق مختلفة في اليمن (المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح) وألوية العمالقة (مقاومة جنوبية موالية للرئيس هادي)، وقادة عملية عسكرية هناك أجبرت المليشيات الحوثية بالتراجع والتقهقر، إلا أن الأمم المتحدة عبر مبعوثها مارتن غريفيث استطاعت وقف تلك العملية قبل سيطرتها على ميناء الحديدة بأيام، وضغطت على الحكومة اليمنية والتحالف العربي بوقفها لمنح فرصة للمشاورات التي قادها المبعوث الأممي مارتن غريفيث.

قبل أن يذهب وفدا الحكومة اليمنية والحوثيين إلى ستوكهولم، أحيت المليشيات الحوثية مبادرة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وقالت إنها على استعداد لتسليمه إلى الأمم المتحدة، وهو ما كان ترفضه ذلك الحكومة اليمنية وتعتبره حقًا سياديًا لا يمكن التنازل عنه، إلا أنها وافقت أخيرًا وتنازلت عن الحق السيادي.

صحيح أن الحوثيين أجبروا على الاستسلام وتسليم ميناء الحديدة لقوة أجنبية، ويبدو أن التحالف العربي سجل نصرًا عسكريًا على الحوثيين في إجبارهم للوصول إلى مثل هذه الاتفاقية التي كانوا يرفضونها في الأساس، لكن سياسيًا وواقعيًا، من خلال قراءة تفاصيل الاتفاق بإمعان يبدو أن هناك هفوات كبيرة وقعت بها الحكومة اليمنية خصوصًا بعض البنود التي تركتها معلقة دون أن تشترط إيجاد اتفاق تكميلي آخر يشرح تلك النقاط التي ستمثل إشكالية في التنفيذ ويفهمها كل طرف بحسب ادعائه إنه من يمثل الحكومة الشرعية.

فالبند رقم 13 من اتفاقية الحديدة يقول: تقع مسؤولية أمن مدينة الحديدة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى على عاتق قوات الأمن المحلية وفقًا للقانون اليمني، ويجب احترام المسارات القانونية للسلطة وإزالة أي عوائق أو عقبات تحول دون قيام المؤسسات المحلية بأداء وظائفها، بما فيها المشرفين. (لا يفهم في هذا البند عن أي مشرفين يتحدث عنهم، هل يقصد مشرفي المليشيات الحوثية أو مشرفين من الدولة اليمنية، مع العلم أن في الوظيفة العامة للدولة اليمنية لا يوجد مسمى وظيفي يحمل هذا المصطلح).

الحكومة اليمنية لا تمتلك وثائق الوظيفة العامة للدولة، لأن المليشيات الحوثية أخفتها، واستطاعت خلال أربع سنوات من الحرب أن تحوثن الوظيفة العامة، وأصبح غالبية الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرتها مواليين لها، وأما من يدينون بالولاء للحكومة اليمنية أو من كان يمتلك وظيفة عامة قبل عام 2014، معظمهم فقدها بسبب الممارسات الحوثية.

سيعتبر الحوثيون اتفاق الحديدة انتصارًا لهم لعدة عوامل، منها أن الحكومة الشرعية لا تمتلك قوائم بموظفي الدولة اليمنية وبالتالي فإن من سيتحكم بقرار الإدارة المحلية هو من استطاعت المليشيات حوثنته وأجبرته الظروف على أن يكون مواليًا لها بسبب العجز الحكومي.

نجحت المليشيات الحوثية في الإفلات من الهزيمة في الحديدة التي كانت ستنعكس سلبًا على قياداتها ومليشياتها في الجبهات كافة، وكانت ستمثل البداية الحقيقية لإنهاء دور المليشيات الحوثية من أي عمل سياسي أو عسكري مستقبلي في اليمن، وفي نفس الوقت هذا الاتفاق منع قوات طارق محمد عبد الله صالح أو المقاومة الوطنية المشتركة من السيطرة الكاملة على مدينة الحديدة الذي كان يسعى لأن يجعل مطارها متنفسًا لأبناء شمال اليمن.

ربما يكون لهذا الاتفاق أبعاد إستراتيجية وضعتها الحكومة اليمنية في إطار خطة استعادة الدولة والشرعية، وهي أن تضمن تخفيف وطأة الضغط الدولي عليها الناجم من معركة الحديدة بسبب ادعاءات المجتمع الدولي بأن تحرير ميناء الحديدة والمحافظة قد يزيد المعاناة الإنسانية ويخلف مجاعة كبيرة لم يشهدها التاريخ.

قد يكون هذا الأمر جائزًا (أن تلجأ الحكومة اليمنية إلى القوة العسكرية في مناطق أخرى لتضييق الخناق على المليشيات الحوثية والوصول إلى العاصمة اليمنية)، لكن ذلك يتوقف على مدى استمرار بقية الجبهات.

صحيح أن مارتن غريفيث حقق اختراقًا مهمًا في جدار الأزمة اليمنية، وهذا بفضل الضغوط التي مارسها على الأطراف اليمنية، لكن تبقى مهمة التنفيذ من أصعب المراحل خصوصًا أنه وضع إطارًا زمنيًا محددًا أقصاه 21 يومًا من تاريخ الاتفاق، وستكون آخر مهلة لتنفيذ ذلك هو يوم 3 من يناير 2019، بحسب الاتفاق التي وقعت عليه الأطراف اليمنية.

ورغم الخطوة المهمة في عملية بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، فإننا لا نتوقع أن يلتزم الحوثيون بتنفيذ ذلك حرفيًا، لأن بعد وصولهم إلى صنعاء سيتشاورون مع عبد الملك الحوثي، ثم ستأتي الضغوط الإيرانية لإضافة بنود أو التنصل من بعضها التي لا تبدو أنها لصالحهم، وهي قد تشكل عقبة خطيرة في مناورة السلام التي يجريها المبعوث الأممي بين الوفدين، وربما تفشلها.

ما يجعلنا نتحدث بهذا هي التجارب السابقة التي عاشها اليمنيون مع المليشيات الحوثية في جولات المشاورات أو المفاوضات السابقة التي تنصل الحوثيين منها ورفضوا في آخر المطاف التوقيع عليها خصوصًا اتفاق الكويت الذي كان عادلًا بين أطراف الصراع اليمني، إلا أنها رفضت في حينها عندما أدركت أنها لن تنفرد بالسلطة وستكون مثلها مثل بقية المكونات السياسية الأخرى.

لنكن متفائلين هذه المرة، لكون الضغوط الدولية هذه المرة هائلة وهي تلزم الأطراف اليمنية بأن تجنح إلى السلام، ولنكن مؤملين خيرًا بأن الحوثيين قد انسلخوا عن إيران وعن مشروعها التدميري في المنطقة، وسنبقى متفائلين 14 يومًا فقط لنستطيع أن نعلن حكمنا النهائي بشأن هذه المشاورات وتبعاتها، وخصوصًا اتفاق تعز الذي يدعو المليشيات الحوثية لفك الحصار عن أبناء المحافظة.

إجمالًا، الاتفاق يبدو نوعًا ما مذلاً للحكومة اليمنية لكونها وافقت على كل الشروط التي وضعها الحوثيون بما فيها أنها تخلت عن حقها السيادي في إدارة ميناء الحديدة، وتعاملت مع المليشيات الحوثية كطرف سياسي اختلفت معه وليست مليشيات انقلابية انقلبت ضد الرئيس اليمني وعملت وما زالت على تغيير الهوية الإسلامية المعتدلة لليمنيين، لكنه في نفس الوقت يعد انتصارًا للتحالف العربي الذي ضغط على المليشيات الحوثية وأجبرها على الوصول إلى تفاهمات وإن كانت شكلية، لكن قد لا يلتزم الحوثيون بهذا الاتفاق.

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24