الخميس 14 ديسمبر 2017 آخر تحديث: الخميس 14 ديسمبر 2017
السَّرد من أجل التحرير والتنوير - عبدالسلام الربيدي
الساعة 13:40 (الرأي برس - أدب وثقافة)



في الوطن العربي عامة وفي اليمن خاصة يخوض كُتَّاب الفنون السردية معركتهم من أجل تحرير الإنسان وتنويره. أما الجزء الأول من المهمة فيتمثل في تحرير الإنسان من شبكة الرموز الاجتماعية التي نسجها هو بنفسه وكوَّن منها بنى متحكمة  ذات سلطات مادية ووقع ضحيتها، على حد تعبير عالم الاجتماع الألماني مكس فيبر. و أمَّا الجزء الثاني فيكمن في تنوير الإنسان حتى يعيش حياة جديدة ذات شروط تكفل له السعادة والرخاء وتجعله يحقق الحد الأقصى من امكانياته الإنسانية المتاحة.

وفي اليمن، وبعد سيطرة للشعر دامت أكثر من ألف وخمسمائة عام، ازدهرت الفنون السردية في الأعوام القليلة الماضية. وعلى الرغم من أن بداية االفن الروائي في اليمن ترجع إلى عام 1927 عند إصدار أحمد السقاف لروايته "فتاة قاروت"، فإن هذا النوع الأدبي قد شهد طفرة غير مسبوقة منذ منتصف العقد الماضي.  ويرى بعض الباحثين أن هذا الوفرة في إصدار الروايات تأتي إستجابة لتحوّلات كبرى وصدمات جمعية شهدتها المنطقة العربية ومنها اليمن.

فعلى مستوى المنطقة أثرت الحروب  التي ابتدأت بحرب الخليج عام  1990 والانتفاضة الفلسطينية الثانية أو انتفاضة القدس 2000واحتلال العراق 2003 ولم تنته بعد بحروب الثورات المضادة بعد الربيع العربي الذي اندلع في مطلع العام 2011. خلال هذين العقدين شهدت المنطقة العربية رجَّات سياسية واجتماعية أثَّرت على  وعي ساكن هذه المنطقة وجعلته يتساءل عن حقيقة تصوراته بخصوص الدين والسياسة والتاريخ والعلاقة بالآخر. ووفقا لبعض الباحثين، فإنّ حدث 11 سبتمبر 2011 قد كان محفزا للروائين العرب في الكتابة عن ثنائية الذات والآخر، وفي مساءلة مفهوم الهوية وما يتصل به من معاني تخص موقع العرب في العالم (ماجدة حمود، إشكالية الأنا والآخر.. نماذج روائية عربية) ، ص7
 

أما في اليمن، فقد كان لهذه الأحداث و للحروب الأهلية الداخلية ( كحرب 1994 وحروب الحوثيين الستة مع الحكومة 2004-2010) و الأزمات المحلية المستدامة، أو ما تدعوه شيلا كاربيكو في مقال لها " الأزمة الوجودية في اليمن التي لا مخرج منها" أثر بارز على كتاب القصص والروايات.و من الملاحظ أنَّ بعض الشعراء والصحفيين في اليمن قد انتقلوا إلى كتابة الرواية نظرا لما يوفره لهم هذا النوع السردي من قدرة على تمثيل الأصوات المختلفة في البلد، إلى جانب القدرة على استرجاع الماضي بسهولة ومخاتلة السلطات الحاكمة بالتبرير بأن ما يكتب محض خيال مع أنه شديد الصلة بواقع الحال في اليمن. و بما أن الروائيين في اليمن ينتمون إلى الطبقة المثقفة في البلد، فإنهم يتوخون، بوعي أو شبه واعي، من خلال تجاربهم الأدبية القصصية إرشاد القاريء العام و تنويره بطريقة حوارية خالية من البيداغوية الفوقية، أو نزعة الأستذة.

 و من المعلوم أنَّ أحد أبرز الأقلام السردية في اليمن، الذين لهم إسهام سردي مهم فيما يخص إشكاليات الوضع في اليمن، الروائي والقاص والكاتب المسرحي وجدي الأهدل (المولود 1973). نشر الأهدل مجموعات قصصية وروايات تتعرض للنفاق الاجتماعي و التدين المغلوط و لوضع المرأة و للإخفاق السياسي الذريع الذي رافق عمل حكومات متتالية في اليمن منذ قيام وحدة الشطرين في العام 1990. في كتابات الأهدل كما في كتابات غيره من الكتاب المعاصرين في اليمن تظهر  آثار الصدمات النفسية الكبرى على الشخصيات التي تشبه في مجملها بطل أرسطو التراجيدي.

 

روايات الأهدل:

و من أجل استخلاص الرؤية الفكرية الأدبية الواقفة وراء إنتاج الأهدل، فإن من المستحسن تقديم إطلالة سريعة على بعض رواياته باعتبارها التعبير الأوسع عن تلك الرؤية وتمثلاتها حوارا وحبكة.

  قوارب جبلية (2002):

حكاية عن فئات مسحوقة من المجتمع اليمني تتمثل في شخصيات من أوساط مجتمع المدينة.  تتسم  الرواية بالتهكم والسخرية و بمرارة مصائر أبطالها. حكاية سعيدة  ذات الخمسة عشر ربيعا التي تمارس الاستجداء لا تختلف عن حكايات الشخصيات المكسورة الأخرى في الرواية. هروب سعيدة من بيتها، بعد حادث قتل أحد أخوتها لأخيه، لم يجدها نفعا بعد أن وجدت نفسها في مغارة مع سيف الذي يلقى هو الآخرمصرعه. تغادر سعيدة إلى مسجد لتتزوج من إمام يفحص سلامتها وصلاحيتها، ثم تنتقل بشكل سحري إلى متاهة لتنتهي نهاية محيرة ومربكة. و بالاستناد إلى الأسماء التأريخية المستلهمة في الرواية، كسعيدة وبلقيس وسيف و الإمام و أسماء مكانية كباب اليمن، يصح لنا أن نقول بأن الحكاية عن أرض السعيدة (اليمن) الضائعة منذ زمن سيف بن ذي يزن حتى
.زمن ما بعد الجمهورية والوحدة

 

فيلسوف الكرنتينة:( 2007):

رواية عن مجتمع الجزيرة العربية النفطي الذي يعاني من أزمة وجود. تقوم الرواية على استعارة كبرى يظهر فيها سكان الجزيرة العربية، أو بعض أجزائها، ديدانا في مقبرة يحكمها القحطاني. يحاول مشعل الحجازي الفيلسوف مساعدة سكان المقبرة دون جدوى. في الرواية إدانة للفكر الديني البدوي المغلوط و إشارة واضحة إلى حالة الموات التي تعيشها الحياة العربية في عصر تُحدِث فيه الحضارة الحديثة  نقلات نوعية في كل المجالات.
 

بلاد بلا سماء (2008):

بطلة هذه الرواية سماء ناشر النعم. و هو أسم تام علم يشير إلى كل فتاة يمنية. سماء تدرس في الجامعة وتتعرض للتحرش والمضايقات كغيرها من آلاف اليمنيات اللاتي يمنعهن خوفهن على شرفهن من الإدلاء بأية شهادة بهذا الخصوص. سماء تختفي في ظروف غامضة في جامعة صنعاء و تنتهي الحكاية بالماح إلى تورط أحد الأساتذة في ذلك.  حكاية سماء أو ياسمين (كما تظهر في النسخة الإنجليزية) التراجيدية حكاية المرأة اليمنية في بلاد  فقد فيها كثير من الناس وازعهم الأخلاقي النازل من السماء بفعل دين  أو المنبثق من الأرض بفعل فلسفة أخلاقية معينة. سماء تشبه الفتيات اللاتي اختفين في جامعة صنعاء ثم اكتشفت جثثهن بنفس الجامعة في مشرحة كلية الطب في العام 2000. قتلت الفتيات بعد اغتصابهن من قبل عصابات تنتمي إلى الجامعة وإلى السلطة الحاكمة. سماء هي الفتاة اليمنية- أي كل فتاة في اليمن- يتم دفنها اليوم بتراب العادات والتقاليد البالية.

 

  أرض المؤامرات السعيدة:( 2018)

حكاية فتاة تغتصب وتبريء السلطة مغتصبها وتتهمها بدلا عنه. في الرواية إدانة بليغة للسط المتحكمة في اليمن: الصحافة الزائفة، النظام السياسي العسكري الديني الجائر، المعارضة السياسية الزائفة. بين تهامة وصنعاء تدور أحداث الرواية، وبين تهامة وصنعاء يتعرض الإنسان اليمني في واقع الحياة اليومية لاغتيال إنسانيته وكرامته. ومن هنا قيام ثورة 2011 . ومن هنا،غضب الناس وشعورهم بأن اليمن أصبحت أرض تعيسة وليست سعيدة كما سميت في قديم الأزمان.
 

الرؤية الأدبية الواقفة وراء المنتج الأدبي للأهدل:
 

من خلال  العرض السابق المختصر للروايات نستطيع القول إنَّ أهم مسرح اجتماعي  لأعمال الأهدل هو اليمن الحديث بالمعنى الجغرافي والسياسي والثقافي للكلمة.  وبالرجوع إلى تفاصيل تلك الروايات و إلى تصريحات الأهدل في مقابلاته مع الصحف والمجلات الأدبية نستطيع أن نستخلص أهم معالم رؤيته الأدبية في النقاط التالية:

 

الأدب من أجل فهم سؤال الوجود:
يقول وجدي الأهدل في سؤال وجهناه له هنا في المدنية عن مغزى الكتابة " الكتابة على ما يبدو هي محاولة لفهم من نحن، ومن أين جئنا، وإلى أين سنمضي. نحن عميان، والكتابة هي وسيلة الأعمى لتلمس الوجود. القارئ أيضاً لديه هذا الفضول المعرفي، ومشاركته تعني أن العمى الذي نعاني منه لن يكون عائقاً أمام الفهم. ينبغي الاعتراف أن معرفتنا ضئيلة بـ"الإنسان". والكتابة هي مساهمة تتفاوت بهذا القدر أو ذاك في تفسير هذا الكائن الغامض جداً". وهنا تبدو الكتابة الأدبية ذات مهمة فلسفية ملخصها " اكتب لتفهم". الكتابة فعل كشف عن الهوية. والهوية
 هنا مفهومة بالمعنى الإنساني العام المتضمن لسؤال حقيقة الإنسان ومبدئه ومصيره والبحث عن ما يخدم سعادته فيالحياة. 

 

الأدب من أجل إيقاظ المتلقي:
يقول وجدي عن روايته الأولى "قوارب جبيلة " إثر تعرضها للمصادرة "أوّل ما تركتْ فيَّ الرواية من أثر هو إدراك القوة الهائلة للأدب. بمعنى أن المجتمع اليمني يبدو لامبالياً بالثقافة والآداب والفنون، أو كما أسمّيه، مجتمع نائم ثقافياً؛ فهو يحتاج أحياناً إلى أعمال فنية وأدبية توقظه من هذا السبات. بالطبع، تختلف ردود الأفعال. هناك مَن سيشكرك على إيقاظه من نومه لأن لديه موعداً مع المستقبل، وهناك من سيلعنك لأنه كسول وخامل وليس لديه "شيء يفعله في الحاضر أو المستقبل.

 

الأدب للناطقين باللغة وليس من أجل الترجمة والشهرة:
يرى الأهدل أن "التقدير الحقيقي لأي كاتب يبدأ من مجتمعه، وعليه أن يضع في حسبانه فقط الأمة التي يكتب بلغتها. في ما يتعلق بأعمالي التي تُرجمتْ، فإنني أراها غريبة عني، وأنها تنتسب للمترجم أكثر ممّا تنتسب إليّ. بمعنى أن الأسلوب لم يعد يخصني، وإنما يخص المترجم". هذه الرؤية  بخصوص ترجمة الأدب العربي عبَّر عنها الروائي العربي الراحل عبدالرحمن منيف ( ت.2004) الذي رأى أنَّ حرص بعض الكُتَّاب العرب على ترجمة أعمالهم وطمعهم في الشهرة قد جعلاهم يميلون إلى تمثيل مواطنيهم من بني جلدتهم في صورة غرائبية تهريجية.

 

تأويل الحياة:
كتب وجدي الأهدل في مقالة نشرت له  مؤخرا تحت عنوان تأويل الحياة: "إنَّ الأدب ليس أداة تنبؤ، ولكنه أداة تأويل. وإذا فهمناه على هذا النحو، فإنه من المحتم أن يكون عامل إنقاذ لملايين الأرواح، بشرط أن نأخذ الأدب على محمل الجد، وأن نعده بمثابة صيحة تحذير، إنذار أخير، كلمة حق قيلت في توقيت صحيح، قبل فوات الأوان، وقبل حدوث الكارثة التي كان بالإمكان العمل على تفاديها، أو الحد من أضرارها إلى الحد الأدنى". وفي هذا خروج عن المعاني المضافة إلى الأديب التي تمنحه صبغة تنبؤية غير عقلانية. وهي ذات الرؤية التي عبر عنها محمود درويش حين نسب الشعر إلى " الموهبة حين تجتهد". فالسرد لدى الأهدل يشبه عمل الانثروبولوجي المجتهد؛ من حيث كونه ذهابا إلى الناس ثم عودة إلى طاولة الكتابة ثم العمل على تأويل المدرك من تصرفات الإنسان في الوجود. غير أنَّ الأمر لا يقف عند ذلك؛ فللأدب، لديه، رسالة أخلاقية وهي منع وقوع الكوارث الإنسانية وإيقاف تهورات الإنسان الناتجة عن أنانيته.

 

كسر الثنائيات:
في روايته الأخيرة، كما في سرده الدائم، يمنح وجدي وجهات النظر المختلفة الحق في العيش في رواياته. في هذا السرد تغيب الثنائيات التبسيطية ويظهر تعقيد الموقف في أرض المؤامرات السعيدة. وفي هذه المفارقة التي ينطوي عليها عنوان روايته يظهر الوعي الروائي الشقي بأزمة اليمن الوجودية التي أسهم فيها الجميع. ومن أهم المسهمين في الأزمة المثقفون و أهل الرأي الذين خانوا مواطنيهم و احتقروهم بدلا عن الدفاع عنهم وعن حقهم في العيش الكريم.

من هذه النقاط نستطيع أن نستخلص أن الأدب في نظر الأهدل انشغال وجودي مهم وجوهري، و أنَّ اختياره لمهنة الأدب أو " حرفة الأدب"، كما كان يطلق عليها في التراث العربي بما تتضمنه من معاني الشقاء والفقر، هو اختيار واع  عليم غير مفروض بعوامل وظيفية نفعية و ليس فيه تطلبٌ للمتعة. كتابة الأدب، هنا، مهمة فلسفية يُنتظر منها أن تحرر الإنسان و أن تنوره. وفي اليمن، البلد المكلوم بجراح الحرب  والجوع والمرض والجهل، يكتب الأهدل ورفاقه من كتَّاب السرد والمقالة الصحفية والشعر من أجل الخلاص. وما دام أن الأمر يتعلق بالخلاص، فلا مفر، إذن، من الكتابة.

منقولة من موقع المدنية..

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
عبد الرحمن الراشد
خيرالله خيرالله
د/ياسين سعيد نعمان
محمد جميح
اختيارات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر
عدن الغد