الأحد 18 فبراير 2018 آخر تحديث: الأحد 18 فبراير 2018
دور الترجمة ومكتبة ليك في تحقيق الريادة الأدبية لمدينة عدن - مسعود عمشوش
الساعة 14:18 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 


لقد انتعشت حركة الترجمة في مجالات الأدب والثقافة، في عدن بشكل كبير في عدن أثناء فترة الاستعمار البريطاني، لاسيما بعد افتتاح مكتب النشر والإعلام سنة 1939، وصحيفة (فتاة الجزيرة) عام 1940. ومن الطبيعي أن تكون الترجمة في معظم الحالات من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. فحتى عندما تنتمي النصوص الأصلية إلى لغات أجنبية غير الإنجليزية ففي عدن يتم ترجمتها إلى العربية عبر ترجماتها الإنجليزية. ومن المؤكد أن مكتب النشر والترجمة بعدن قد كلف علي محمد لقمان في عام 1940 بترجمة قصائد الشاعر الإنجليزي الكبير وورد وورث إلى العربية ونشرها في كتاب وُزّعت منه ألفا نسخة في أقل من شهر. وقام المكتب بتشكيل لجنة للتأليف والترجمة برئاسة محمد علي لقمان.
 

وقامت كل من صحيفة (فتاة الجزيرة) بدور متميز في هذا المجال، إذ زخرت صفحاتها بالمقالات المترجمة لمحمد علي لقمان وحمزة لقمان وعبدالرحيم لقمان ومحمد عبده غانم وأحمد محمد بركات وغيرهم. مثلا نشر محمد علي لقمان في العدد 264 الصادر بتاريخ 25 مارس 1945 ترجمة لـ(أطوار الإنسان السبعة) للشاعر وليم شكسبير. وفي العدد 222 الصادر بتاريخ 24 يونيو 1945 نشر ترجمة لمقالة علمية حول (الفئران وأضرارها). وفي الثالث من أبريل 1944، نشرت (فتاة الجزيرة) لحمزة لقمان ترجمة قصة قصيرة لتشارلز ديكنز بعنوان:(أرملة على قبر). وفي العدد 100 من الصحيفة، الصادر بتاريخ 14 ديسمبر 1941، نُشرت ترجمة قام بها أحمد محمد بركات، الذي كان يراسل الصحيفة من حضرموت، لقصيدة ألفها الشاعر الإنجليزي J.G)) في جنوب الجزيرة. كما قامت (فتاة الجزيرة) بنشر ترجمات لنصوص الرحالة فريا ستارك التي عملت نائبة لمدير مكتب النشر والإعلام في عدن خلال عامي 1939-1940. وقام الأستاذ محمد عبد غانم قد نشر ترجمة طويلة للنص الذي كتبه عبد الله يعقوب خان عن تاريخ عدن. وفي نهاية الأربعينيات زخرت صحيفة (النهضة) ومجلة (المستقبل) كذلك بالنصوص الأجنبية المترجمة من الإنجليزية بوصفها الأصلية أو اللغة الوسيطة.
 

ومن الواضح أن عقد الأربعينيات من القرن الماضي قد شهد إقبالا كبيرا على ممارسة الترجمة من اللغة الإنجليزية من قبل أدباء عدن. وقد أكد ذلك أ.د. أحمد علي الهمداني قائلا في كتابه (عدن من الريادة الزمنية إلى الريادة الإبداعية، 160-161): "لابد أن نعرف أن حركة الترجمة عن الآداب الأوروبية قد بلغت مكانا مرموقا في هذه الفترة الزمنية، وكانت اللغة الإنجليزية هي الوسيط المباشر الذي نقل معه ثقافة أوروبا إلى عدن، ولن نجد أديبا واحدا من هؤلاء الذين كانوا يجيدون اللغة الإنجليزية لم يلجأ إلى الترجمة عن هذه اللغة أو الاستفادة منها في الاطلاع على بعض معاني الثقافة الأوروبية، ولعله في هذه الفترة بالذات كان أدباؤنا قد وقفوا على مختلف المدارس الأدبية والاتجاهات المذهبية الفكرية المختلفة ولو في خطوطها العامة، ذلك أن عدن سوقها كان ثقافيا وتجاريا مفتوحا كله دون استثناء بما في ذلك الثقافة والتجارة اليهودية. ويكفي أن نعرف أن عبد الرحيم لقمان في مطلع هذه الفترة كان قد كتب رسالته: أثر الرواية الروسية في الأدب الإنجليزي، وأن علي محمد لقمان ترجم فيما بعد مجموعة من أشعار شاعر الطبيعة، الإنجليزي وليم ووردزورث إلى اللغة العربي حتى نقوم بشكل صائب معنى النهضة الفكرية الحديثة التي نهلت عدن من معينها في كل الاتجاهات". 
 

ونتيجة للنشاط الترجمي الكبير في عدن تردد الدكتور عبد العزيز المقالح في تصنيف ما كتبه نقاد عدن في الأربعينيات من القرن الماضي، وتساءل عن مدى حجم الأبعاد الترجمية فيما يكتب من نقد أدبي في تلك المجلات والصحف التي كانت تنشر في عدن حينذاك، وكتب في (أوليات النقد الأدبي في اليمن 1939-1948، دار العودة بيروت 1984) ص86-87): "منذ بدأت في رصد المعطيات الأولى في النقد الأدبي في جنوب الوطن وجدتني أعاني من حيرة عظيمة تمنعني من الاقتراب من تلك المحاولات النقدية التي تتناول بالتفسير والتحليل أعمال بعض كبار الكتاب والشعراء العالميين أمثال تولستوي وشكسبير ووردزورث وبايرون وكييتس وشلي والأخوات برونتي وطاغور وغيرهم، فهي وإن كانت مكتوبة بأقلام يمنية وتشكل جهدا نقديا في تقييم آداب الأمم الأخرى، إلا أن أسئلة كثيرة تراود الباحث لا عن القيمة النقدية لهذه المحاولات في حد ذاتها، وإنما عن المدى الذي لعبته الترجمة والنقل الحرفي مما قد يجعلها جزءا من حركة الترجمة وليس جزءا من الحركة النقدية اليمنية في بداية تكوينها".
 

ونتيجة لذلك اضطر الأستاذ عبد العزيز المقالح أن يقف أمام بعض ملامح العناصر المكونة لثقافة الأديب اليمني في جنوب اليمن في تلك الفترة رأى أنها "ثقافة أسهمت اللغة الإنجليزية فيها بدور واضح سواء على مستوى الإبداع أو على مستوى توصيف الإبداع. وهي لذلك ثقافة مزيج من التأثر بالأدب الإنجليزي والأدب العربي القديم والحديث. وذلك ما كان يخالف عليه الحال في شمال الوطن حيث كانت الثقافة العربية التقليدية هي حجر الزاوية وإلى حد ما الثقافة العربية المعاصرة". (المرجع نفسه، ص87)
ومن الطبيعي أن يساعد ذلك النشاط الترجمي في عدن على النهوض بالأدب والثقافة في المدينة، وأن يمكن أدباء عدن ومحمياتها من اقتحام التيارات الأدبية الحديثة قبل زملائهم في شمال اليمن، وبيّن ذلك أ.د. أحمد علي الهمداني في كتابة (عدن من الريادة الزمنية إلى الريادة الإبداعية، ص143) قائلا: "لعل أهم مميزات الشعر في هذه الفترة في عدن من الناحية الفنية أن مجموعة كبيرة من الشعراء كانوا يحاولون الخروج عن أطر المدرسة الكلاسيكية سواء القديمة أم الجديدة، وقد استطاع بعضهم أن يحقق نجاحا كبيرا في هذا الجانب. وكان يقف في مقدمة هؤلاء محمد عبده غانم وعلي محمد لقمان وصالح الحامد وحسين البار وغيرهم من شعراء عدن وحضرموت، في الوقت الذي ظل الشعر في صنعاء يجري في دائرة الرؤية الكلاسيكية قديمها وجديدها، وهو لا يتعداها إلا في النادر الذي لا يقاس عليه، ذلك أن كثيرا من شعراء عدن أو الجنوب في تلك الفترة كانوا على اتصال بالتيارات الفكرية الجديدة، والمذاهب الأدبية القائمة في الشرق والغرب على السواء، يأخذ كل منهم بقدر ما تؤهله لذلك ثقافته الخاصة وقدرته على إجادة لغة أجنبية ما".

 

ولا شك أن النصوص الأدبية، الإبداعية والنقدية، التي تركها لنا الرواد محمد علي لقمان ولطفي أمان، -صاحب من الشعر المنثور- وعلي باذيب والطيب أرسلان ومحمد عبد غام وغيرهم، تبيّن بجلاء الريادة الأدبية لعدن على مستوى الجزيرة العربية.
 

ومن المعلوم كذلك أن السلطات البريطانية في عدن قد قامت في مطلع خمسينيات القرن الماضي قامت بتأسيس أداة ثانية لزيادة عدد القراء في عدن؛ إنها (مكتبة ليك Lake Library) أول مكتبة عامة مهمة في عدن، التي أطلق عليها اسم أول مشرف عام للمجلس الثقافي البريطاني بعدن: موريس ليك. وكانت تضم، عندما افتتحت في مدينة كريتر سنة 1951، 18000 عنوانا في قسم الإعارة، و500 عنوانا في قسم المراجع و2500 عنوانا متنوعا، و2300 عنوانا في قسم الأطفال. وكانت هناك ثلاث نسخ من كل عنوان. وتصل نسبة الكتب باللغة الإنجليزية إلى 92%، وهناك عدد محدود من الكتب باللغة العربية واللغة الأردية. وقد استخدم في المكتبة نظام فهرسة حديث جدا، وتم وضع بطاقة خاصة في جميع كتب قسم الإعارة، ووزعت بطاقات عضوية للقراء المنتظمين الذين كان عددهم مرتفعا منذ الشهر الأولى للتأسيس. وحينما طالب أبناء المناطق الأخرى في عدن (الشيخ عثمان والتواهي وخورمكسر والمعلا والمنصورة) بفتح فروع للمكتبة في أحيائهم قامت إدارة المكتبة بإنشاء قسم متنقل يقع في حافلة تتنقل أسبوعيا في تلك المناطق لإعارة الكتب. وكان لها أمين مكتبة ومواقف محددة في كل حي سكني. ومن المعلوم أن (مكتبة ليك) قد سميت (مكتبة مسواط) منذ عام 1963. وفي السنوات العشر الأولى من عمرها تولى إدارتها الأستاذ حامد محمد الصافي، وفي العشر السنوات التالية الأستاذ عبدالله باحشوان....

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24