السبت 23 يونيو 2018 آخر تحديث: الخميس 21 يونيو 2018
«هم»... السرد والجنون - عبد الحكيم باقيس
الساعة 15:50 (الرأي برس - أدب وثقافة)



 
صدرت عن «مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر»

عالم الجنون والمجانين من الموضوعات التي قلما يخوض الروائيون مغامرة الكتابة عنها، هذا عالم شديد التعقيد لأنه يتصل باضطراب سلوك الإنسان، وهو بخلاف تجارب أخرى كالسجن أو الاغتراب ـ مثلاً ـ التي يستطيع الكتاب تناولها بالاستناد إلى تجاربهم الشخصية أو تجارب من مرّوا بها وتحدثوا فيها، وكثير من الأعمال التي تناولت موضوع الجنون لم تخرج عن الصورة النمطية المكررة في وصف شخصية المجنون من خارجها، من مظهرها وتصرفاتها الخارجية فحسب، بوصفها ضحية لأوضاع أدت بها إلى الجنون، لكن قلما جاء أحد الكتاب من عالم الجنون وتفاصيله الداخلية إلى علم الكتابة الروائية، ومن هنا أستطيع الجزم بأن رواية «هم»، لوليد دماج، تحتل مكانة مهمة في سرد الجنون في الرواية العربية، فقد استطاع بصورة مذهلة أن يغوص في أدق تفاصيل هذا العالم العجيب، وتخيره أفضل زوايا مقاربة فكرة الجنون، ذلك أن جمال أية رواية لا يكمن في جرأة موضوعاتها بقدر ما يكمن في خبرة الكاتب في اختيار زاوية الرؤية أو المنظور السردي الذي من خلاله تقدم القصة. استطاع الكاتب أن ينقلنا معه في رحلة داخلية في وعي الشخصية الممسوسة وكأنما نحن بعض ذلك المس الذي تلبسها.

وهذا النوع من السرد ينبغي أن يروى من الداخل، من وجهة نظر داخلية تنتمي لصوت سردي يأتي من داخل القصة نفسها، حتى نطمئن لإفشاء أسرار هذا العالم الداخلي، ونظرته للخارج كذلك، من خلال وعي الذات المصابة بالجنون نفسها، فنبصر معها ما تبصره هي لا ما نراه منعكساً على تصرفاتها ومواقفها من الخارج، ونتعرف على ما يجري في دواخلها وانفعالاتها واضطراباتها، وأظن أن أسلوب السرد الذاتي الذي يروي القصة من الداخل بوساطة بضمير المتكلم من أكثر الأساليب السردية إثارة وجمالاً في هذا المجال، نستمع إلى المجنون الذي يفشي لنا التفاصيل رحلته في عالم الخاص. 
وفي هذا الإطار سيكتسب الإهداء الذي استهل به وليد دماج الرواية دلالة خاصة، فهو ليس مجرد تقليد عابر يؤدي فيه الإهداء الوظيفة الاجتماعية في الشعور بأهمية المهدى إليه وفضله على العمل أو الكاتب، كما جرت العادة، فمن خلال الإهداء يمكن التقاط عدة إشارات، أولها أنه يسهم بطريقة ما في الإجابة عن سؤال هذا العنوان المبهم: من هم؟ وما المقصود بـ«هم»؟! فهو إذ يهدي الرواية إلى المفارقين (الذين أصيبوا بحالات من الجنون) واستطاعوا أن يعيشوا حياتهم كما أرادوا هم، لا كما أردها لهم الآخرون، يبدي المؤلف انحيازه إلى هذه الطائفة من الناس الواقعيين حين يذكرهم في البداية بالعموم، ثم يخصص ثلاثة منهم: الأستاذ حسن الذي أقحمه في عالمه (الخيال والجنون) وعمه صاحب الشخبطات، وناجي المهجوس بالقلق من «هم»، فهؤلاء ممن عايشهم المؤلف وشاركهم «شخبطاتهم» وهذا يؤدي إلى استخلاص الإشارة الأخرى، والتي تقرأ في عبارة الإهداء، أن هذه الرواية ثمرة تجربة مباشرة للمؤلف في معايشة فكرة الجنون من خلال تلك الشخصيات التي سنراها تمثيلاتها السردية تحضر بقوة في القصة، ما يعني الوعي المركز بالكتابة وأسرارها في هذا العالم المفارق، وهنا لا يمكن تجاوز وظيفة عبارات التصدير التي تحف بالنص وتدور حول الجنون، لفرويد، كازانتزاكيس، وأنطونيو تابوكي، وهي إلى جانب الإهداء تسهم في خلق أفق خاص من التلقي، ولعلها توجه القارئ إلى مغزى السرد.

في رواية «هم» نحن أمام رواية سيكولوجية تصف الاضطرابات النفسية وحالات الهذيان والشيزوفرينيا التي تعاني منها شخصية المجنون، يمضي السرد على لسانها استجابة لطلب من صديقه الصحافي، الذي قرر أن يكتب قصة المجنون، يصبح الصحافي مروياً عليه يتلقى الحكاية من على لسان المجنون نفسه، فيصبح سرد قصة الحياة أشبه بجلسات المريض النفسي على سرير الطبيب المعالج، وهي تذكرنا بالصيغة الطلبية للسرد الذي يأتي استجابة لرغبة طرف آخر في الاستماع إلى القصة، يحكي فيها السارد المجنون قصة حياته من المهد والطفولة (حافة الجنون) إلى السقوط في هاوية الجنون التام، ما يقربها كذلك من طابع الشكل السيِّري، الذي يستقصي مراحل الحياة وتفاصيلها، ويبوح فيها بمشكلاته وهواجس قلقه وارتيابه من الآخرين، نتعرف في أثناء ذلك على مرحلة الطفولة ومغامراتها إلى أن يتعرض للضرب من الأصدقاء والعائلة، ما دفعه إلى اختيار حياة العزلة، ونتعرف على مرحلة الفتوة واضطراباتها وبداية نوبات الهلوسة والاتصال بالعالم الغرائبي الذي يتخيله، حيث الجنيات والسحر والمس والشعوذة، ما يؤثر في مسار حياته حين يصبح عالمه الداخلي متحكماً بتفاصيل علاقاته بالآخرين، ونتعرف عليه في حياته الجامعية ومرحلة الشباب التي تتضاعف فيها توهماته وعزلته وانفصام شخصيته بين عالم الواقع الذي ينفصل عنه، وعالم الخيال والهذيان والهلوسة الذي يتحكم بتصرفاته وإدراكه للواقع الخارجي، وتطور حالة الارتياب من الآخرين الذين ليسوا في نظره غير أدوات بيد قوى خفية تسعي للسيطرة عليه، يعرض السرد تفاصيل هذه الحياة المضطربة إلى أن يصل إلى لحظة الجنون الكلي والهيام في الشوارع والانقطاع التام عن الواقع.

في بنية سردية استذكارية دائرية تعود بالقصة إلى لحظة بدايتها لا يعترف فيها المجنون بجنونه استطاع المؤلف أن يغوص في العوالم الداخلية لهذه الشخصية ويستبطن وعيها وهذياناتها مستفيدا من تقنية المنولوجات وأسلوب رواية تيار الوعي الذي يعنى بتصوير الحياة الداخلية والانفعالات التي يعيشها المجنون، وتؤدي في أثناء ذلك اللغة السردية وظيفتها في تعميق الشعور بمعايشة الأحداث، التي يتداخل فيها الواقعي بالهذياني، والطبيعي بالخرافي، حيث العالم الماورائي الذي تسكنه الأشباح والأرواح والجن. والحركة في الأمكنة التي تتصل بهذه العوالم الماورائية، والأمكنة الواقعية التي تفقد دلالتها الواقعية لصالح دلالتها في إشباع السرد في منظورات وتصورات غرائبية تثير الانفعالات والدهشة والرعب، وينطوي السرد على أيعاد ميثيولوجية يستقطبها موضوع الجنون وما يتصل به من خرافات وحكايات ومرويات ومعتقدات وموروثات الشعبية. يبدو من وجهة نظر المجنون عالم الجن والأرواح والأشباح هو العالم الحقيقي، بينما عالم البشر والواقع هو العالم المفارق، عالم ضبابي يسكنه الأشخاص غير الطبيعيين، وتمعن الرواية في لعبة المنظورات السردية حين تمر على بعض الأحداث من وجهتي نظر، ومن وعي الشخصية الساردة نفسها المتشظي تجاه المروي من تصرفاتها ومشاهداتها. وتقدم في أثناء ذلك قصصاً من الجنون في إطار تاريخ الحنون في عائلة السارد، جنون شقيق الجدة، وجنون العم، وجنون قريبه الأستاذ. وبهذا تتيح الرواية لنا معايشة مستويات من الجنون وأحواله.

يتأسس فعل السرد في رواية «هم» على المفارقة، بداية من مفارقة العنوان المبهم، والذي يستدعي ثنائية المغايرة والمفارقة معاً (نحن / هم) والتي تتيح للقارئ النظر إلى السرد من إحدى هاتين الزاويتين: من خارج النص، يصبح «هم» كامنة في العالم الخاص بالجنون الذي يطل عليه القارئ بمتعة فريدة في المروي بين دفتي الغلاف، ومن داخل النص حين تتماهى عين القارئ بعين السارد، فنرى الخارج من خلال وعيها، وهنا تتحول «هم» إلى «نحن» وهو المعنى الذي تحاول الرواية أن تقدمه بذكاء بالغ، وتجتهد في تمريره في تلك الشذرات من الرؤى الفلسفية التي جرى بعثرة بعضها على لسان السارد (المجنون) في انتقاد الواقع وتناقضاته، أليست الحكمة تؤخذ من أفواه المجانين، أو الجنون فنون كما يذكر في الرواية، وهكذا يصبح الجنون حالة من الاحتماء والرفض والملاذ، وهي بذلك تعيد تشكيل فهمنا للجنون.
 

ــــــــــــــــــــــــ
«هم»... عنوان الرواية الثانية لوليد دماج، صدرت عن «مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر»، وقد صدرت له رواية أولى بعنوان «ظلال الجفر» عن «دار اﻵداب» في بيروت، وطبعة ثانية لها عن «مؤسسة أروقة»، وله رواية جديدة قيد النشر بعنوان «وقش».

منقولة من موقع العربي...

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24