الجمعة 20 يوليو 2018 آخر تحديث: الجمعة 20 يوليو 2018
بناء الشخصية في مجموعة ( زليخات يوسف ) القصصية للقاص العراقي علي السباعي - سارة فاضل جاسم
الساعة 18:05 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)
 
 
تحليل قصص المجموعة القصصية ( زليخات يوسف ) للقاص العراقي المبدع ( علي السباعي ) يقوم على جزئيين ، حيث يشتمل الجزء الأول على مبحثين :- 
ــــ المبحث الأول : يقدم الراوي الشخصية في القصة من خلال الصفات.
ـــــ المبحث الثاني : الشخصية تقدم الشخصية من خلال إظهار الشخصية وسماتها الرئيسة وذلك يتم من خلال التقديم المباشر الشخصية لشخصية أُخرى أو من خلال التقديم غير المباشر الراوي يقدم الشخصية . 
أما الجزء الثاني تناولت فيه مبحثين :-
    ـــــ المبحث الأول : نموذج شخصية المرأة ، تنقسم الشخصيات من حيث ارتباطها بالأحداث إلى شخصية رئيسة وثانوية ، والرئيسة هي التي تدور عليها الأحداث ، أما الثانوية فهي تضيء الجوانب الخفية أو المجهولة للشخصية الرئيسة . 
      بناء الشخصية / رؤية نقدية
الشخصية ليست إنسانا من الحياة الحقيقية , لكن هي كائن ورقي , كائن خلقة المؤلف وموجود فقط داخل النص التخيلي القصصي , سواء في مستوى الفعل أم في مستوى الوسيط التخيلي القصصي. كما تعرف الشخصية بأنها ( كائن موهوب بصفات بشرية ملتزم بأحداث بشرية ). يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها ( نتاج عمل تأليفي ) كان يقصد أن هويتها موزعة في النص عبر الأوصاف والخصائص التي تستند إلى أسم علم يتكرر ظهوره في الحكي.
 ـــــ المبحث الثاني : تناولتُ فيه نماذج شخصية الرجل من خلال إظهار الشخصية وتحولاتها المفاجئة ووظيفتها إما شخصية رئيسة أو ثانوية أو مكتفية بوظيفة مرحلية . ويـمـكـــن تـعــريـــف الـشـــخــصــيـــة مــن وجـهــة نــظـــر نـفـسـيــة كما يعرفها ( جون واطسون ) بأنها ( مجموعة الأنشطة التي يمكن اكتشافها عن طريق الملاحظة الفعلية للسلوك لـمـــدة كــافــيــة بـــقـــدر الإمكان ). وتكاد تجمع آراء النقاد على الغموض الذي يكتنف مقولة الشخصية . فقد ظل مفهوم الشخصية , فقد ظل مفهوم الشخصية غفلا لمدة طويلة دون تحديد دقيق , مما جعلها من أكثر الجوانب الشعرية غموضا . ولعل ما ذكره شارل بودلير في تسميتها بأخوة الفنون من أبرز عوامل غموض مقولة الشخصية فهي وظفتها فنون مختلفة : الــســيــنــمــا والــمــســـرح والــروايــة والــشعر وفتشتها بين الفنون دون تحديد مفهوم دقيق لها  . ولذلك تباين الدارسون والمنظرون في فهم الـشـخـصـيـة ودراستها وهذا راجع إلى اختلاف الرؤى والمناهج التي اعتمدوا عليها ، ولم تجمع المعجمات على تعريف واحد وهذا يدل على المدلولات التي أفادت من هذا الدال ، فـقـد حـصـرت المعجـمـات الشخصية في الشخص الذي يتخيله كاتب الأثر ويجمعونه على شخوص كـــأنـــهــــم يــريــدون بـه الإنسان الحي مادام الشخص في اللغة ( سواء الإنسان وغيره ) تراه من بعيد وجمعه في القلة ( أشخص ) وفـي الـكـثــرة ( شخـوص وأشخاص ) ، ومـما تجدر الإشارة إليه إن مـفـهــوم الـشـخـصـيــة فـي بـعــض اللغات الأوربية الـمـنـحـدرة مــن أصول لاتــيــنــيــة هــي كـلـمــة (Personality   ) الــمــنــشــقــة مـــن كــلمة لاتينية هي (  Persona ) وتعني : القـنـاع الـذي كان الممثل يضعه على وجهه في المسرح الإغريقي ، لغرض إبـراز شخصيـة البــطــل أو الـــفـــرد الـذي يـقـوم بـتـمـثـيـل دوره علـى المسرح وإخـفـاء مـلامـح الشخص الأصلي وهذه الصفة للقناع صفة مشتركة لجميع الأقنعة عبر التأريخ ، وفي جميع أنحاء العالم إبتداءً من العصر الحجري وحتى العصور الحديثة فالشخصية تعد العنصر الأساس الذي يضطلع بـمـهـمـة الأفعال السردية وتـدفـقـهـا نـحـو نهايتها المحدودة ، وإن جوهر الــعــمل السردي يقوم على خلق الشخصيات الـمـتـخـــيـلـة ، ولأن الـشـخـصية في القصة ( لا يمكن فصلها عن العالم الخيالي الذي ينتمي إليه : ليشروا الأشياء ). ( تعد الشخصية من العناصر التي لا مندوحة  منها للعمل القصصي وتظهر أهمية هذا العنصر من خلال ارتباطها بالأحداث : وتـوجــيـه الشخصيات وهي مهمة القاص الحاذق من خلال سيطرته عليها ) . وهو لا يكتفي بشخصياته من الخارج وإنما يغور إلى داخلها فيصور نفسياتها فيعطينا لمسات إنسانية رقيقة ومشاهدة فنية مؤثر لقد أستقطب مفهوم الشخصية ومفاهيمها الفكرية والنقدية لمدة زمنية طويلة غير إن أهم الانجازات في هذا المضمار تحققت مع بروب  في دراسته للحكاية والتطورات التي تحققت مع السيمياء ولا سيما مع غريماس في نموذجه العالمي . لقد حصر بعض النقاد دراسة الشخصية في الأدب القصصي في رأيين هما : 
الأول / يؤكد ( إن الشخصية تكتسب في أثناء الفعل نوعا من الاستقلالية عن الأحداث التي نعيشها وانه يمكن مناقشتها على نحو مفيد بمعزل عن سياقها ) . أما الرأي الآخر فيستبعد النظر إلى الشخصية جوهراً سلوكيا كما لو أنها كائن بــشــري حقيقي (إنما يجب النظر إليها على أنها سياق من الدلالات تتشكل من خلال الصورة والأحداث التي تحملها وتحركها وبالتالي يجب النظر إليها كرموز تعبر عن رسالة المحتوى الذي يحتويها ) اتجهت الدراسات النقدية للشخصية بوصفها وحدة نفسية تمثل وجهة نظر معينة إزاء العالم النصي والعالم الخارجي ، فالنصي هو المجتمع الذي ينظر إلى الشخصية بوصفها خطين : 
الأول : سكوني ثابت غير متفاعل ، والثاني نامي ومتطور مع تطورات الأحداث ، أما الاتجاه الثاني : فينطلق مع الدراسات البنيوية التي لا يــنــظـــر إلى الأشياء بـــل إلى انساق العلاقات التي تربط بعضها ببعض ، لذا فالشخصية هنا لا تدرس من جهة ميولها النفسية أو الفكرية بل لأنها تقوم بفعل ما ، أي إن الشخصية ما هي إلا أفعال لفعل الحدث القصصي. وقد حقق الناقد المغربي محمد سويرتي مفهومي الشخصية والتشخيص ، إذ يقول بشأنهما :  ( إن الشكل علاقة بمفهوم الشخصية الروائية  للمضمون علاقة بمفهوم الشخص لا يمر حجة ، أي الشخص الواقعي ، إذ يعني الشخص الإنسان الفرد كما هو موجود في الواقع ( Person ) أي ذلك الإنسان الحي الـذي يـعـيـش ويـفـكـر ويـشـعـر.... الـخ إنه إنسان من دو ولحم .أما الشخصية فلا يقصد بها مجموعة الخصائص والمميزات النفسية الخاصة بالشخص الحي التي هي من موضوع المعرفة النفسية ،ولا السلوكيات بل يقصد بالشخصية ( Personality ) ما هو شائع  ومتداول الحديث عن الرواية ونقدها . إنه المكون الذي يحاول به كاتب الرواية عـن طـريـق أسـلبـة اللغة وفقا لشفرة خاصة ونسق مميز مقارنة بـالإنسان الــواقـــعــــي الذي يــشــيـــر إليه بــكــلــمـــة ( Person ) للـدلالة عـلـى الـفـرد الـذي تتضافر فيه عوامل نفسية واقتصادية واجتماعية في تكوين جسمه ونفسيته . يعد ( فيليب هامون ) من أهم المنظرين السيميائيين الذين أولوا اهتماماً خاصاً بهذا المكون الروائي ، فكانت خلاصة لجميع البحوث البنيوية والسيميائية  التي تطرقت إلى هذا العنصر بالدرس والتحليل . حيث قدم وسائل إجرائية وخطوات مـنـهـجـيـة دقـيـقـة والشخصية فينظره ليست مقولة أدبية ولا معطى جماليا مؤسس سلفا ، بل حدودها على وفق متطلبات لسانية بحتة ، وبعدها علاقة تتقاطع في أُمور كثيرة مع الــعــلاقــات اللسانية كــونــهــا دالاً ومــدلــولاً . وسـعـى إلى أبراز وظيـفتها وطريقة بنائها ، ووحد العلاقات التي تعمل على تجلية ميولها . وقد صنف ( فيليب هامون ) الشخصيات إلى فئات متعددة سنتطرق لها . 
     ويصنف ( فيليب هامون ) الشخصيات إلى ثلاث فئات: 
    1ـ الشخصيات المرجعية ( Perrsnnagesreferentils  ) :  وتحيل على معنى جاهز وثابت تفرضه ثقافة ما ، بحيث إن مقروئيتها تظل دائماً رهينة بدرجة مشاركة القارئ فيها ، وتدخل ضمنها الشخصيات التاريخية ( كنابليون ) والشخصيات الأسطورية ( كـفـيـنـوس ) والــشـخـصـيـات الـمـجـازيـة ( كالحب والكراهية ) والشخصيات الاجتماعية ( كالعامل والفارس ) .
   2ـ الشخصيات الواصلة (  Perrsnnageserbeayus ) : وتـكـون عـلامـات عـلـى حضور المؤلف والقارئ أو من ينوب عنهما في النص ، وهي ناطقة بإسم المؤلف .
    3ـ الشخصيات المتكررة (  Perrsnnagesanaphoriques ) : فالشخصيات تنسج داخل الـمـلفوظ شبكة من الاستدعاءات والاستذكارات  لمقاطع من الـمـلـفــوظ مـنـفـصـلـة وذات طول متفاوت ، فهي ذات وظيفة تنظيمية لاحمة أساساً ، أي إنها علامات مقوية لذاكرة القارئ وتظهر  هذه النماذج من الشخصيات في الحلم المنذر بوقوع حادث ، أو في مشاهد الاعتراف والـبـوح والـتـنـبـؤ والـذكـرى والارتـــداد وذكــر الأسلاف ووضح الـرؤيــة  والـمـشــروع وتـثـبـت البرامج ، إنها جميعا صفات وصور مميزة لهذا النمط من الشخصيات وبواسطتها يعود العمل لـيـسـتـشـهـد بـنـفـسـه ينشـئ طـولـوجـيـتـه الخاصة نلاحظ إن ( فيليب هامون ) قدم مفهوم الشخصية انطلاقاً من الدور النصي الذي تقوم به ، بوصفها عنصراً دلالياً قابلا للتحليل والوصف .   
الشخصية في العمل الروائي / أهميتها : إن للشخصية القصصية أهمية قد تفوق أهمية الحدث ، والزمان ، والمكان ، ولها مهام كبيرة جدا في العمل القصصي فيما نرى ، ومن هذه المهام :
 1ـ أن تعبر عن فكر الكاتب وأيدلوجيته ، فبواسطتها يستطيع القاص التعبير عن آرائـه الـتـي يريد أن يضمنها  في الرواية إلى الحقائق التي يعتقد بها ، ويريد إيصالها إلى قارئيه . ( إن كـافـة الـشـخصيات في القصة العالمية الحقيقية منها والخيالية ، الرئيسة منها والثانوية . ما هي إلا أسلاك لإيصال التيار الكهربائي الذي يؤدي في النهاية إلى الإنارة الكاملة لفكر الكاتب ، والحقائق التي يريد إيصالها لقارئيه ) 
2ـ التعبير عن هموم الكاتب تجاه مجتمعه ، هذه الـهـمـوم الـتـي تؤرقه وتؤلمه كيف يعبر عنها ؟ يعبر عنها بوساطة تصوره لطبقات هذا المجتمع المختلفة ، وشخصياتـه التي تفرق في همومها ومشاكلها ، فإذا أراد التعبير عن مشكلة الجهل والـتـخـلـف صـور طـبـقـات الـجـاهـلـة المتخلفة ، وإذا أراد الـتـعـبـيـر عـن مـشـاكـل الـمـثـقـفـين صور طبقات المجتمع المثقفة وهكذا .  
3ـ ثمة نقطة مهمة أخرى يجري التعبير عنها عبر الشخصية ، وهي هموم الكاتب الذاتية وسيرته التي يـعـبـر عـنـها بواسطة بعض الشخصيات التي تكون انعكاساً لشخصيته ، لذلك وجدت رواية السيرة الذاتية التي استطاعت أن تحقق هذا الغرض بنجاح . 
4ـ إن الشخصية هي التي تبعث الحركة في العمل القصصي والروائي ، وهي التي تسير الحدث وتحركه عبر تفاعلها معه . فلا وجود لتصاعد الحدث في الرواية لولا الشخصيات التي تعمل على ذلك .
5ـ أن تعدد الأصوات في الرواية ( البوليفونية ) ينتج عن تعدد لشخصياتها واختلاف اتجاهاتها المعرفية والأيديولوجية . 
6ـ إن الشخصية القصصية عامل تكويني وبنائي مهم في بنية القصة إذ إنها تمثل حلقة الوصل الأساسية بين جميع عناصرها الأخرى وإنها تمثل العامل المشترك الأكبر . 
 
        أنواع الشخصية :  تبدو الشخوص في القصة على نوعين :  
  1ـ مسطحة :  ويسميها بعضهم الثابتة ، أو الجامدة أو الجاهزة أو النمطية ، وكلها تفيد كون الشخصية لا تتطور ولا تتغير نتيجة الإحداث ، وإنما تبقى ذات سلوك أو فكر واحد أو ذات مشاعر وتصرفات واحدة ، والتغير الذي يجري هو خارجها كأن تتغير العلاقات مع بـاقـي الـشـخـوص ، كـمـا هـو الحال في أبطال قصص المغامرات والقصص البوليسية وهذا النوع أيسر تصويراً وأضعف فناً ، لأن تـفـاعلها مع الأحداث قائم على أساس بسيط ولا يكشف كثيراً عن الأعماق النفسية لها.
2ـ مدورة :  بعضهم يـسـمـيـهـا الـنـامـيـة أو المتطورة ، وهي الشخصيات التي تأخذ بالنمو والتطور والتغير إيجابياً وسلبياً حسب الأحداث ومعها ، ولا تتوقف هذه العملية إلا في نهاية القصة . ومن الـجـديـر بالـذكـر إن الـذوق الـحـديـث يفضل الشخصية النامية على الثابتة .
ــ ومن جهة أخرى تنقسم الشخصيات من حيث ارتباطها بالأحداث إلى شخصية : رئيسة ، ثانوية . 
    الرئيسة :  هي التي تدور حولها أو بها الأحداث ، وتظهر أكثر من الشخصيات الأخرى ، حيث يكون حديث الشخوص الأخرى حولها ،  فلا تطغى أي شخصية عليها ، إنما تهدف جميعاً لإبراز صفاتها ومن ثم تبرز الفكرة التي يريد الكاتب إظهارها .
الثانوية : فهي تضيء الجوانب الحقيقية أو المجهولة للشخصية الرئيسة أو تكون أمينة سرها فتبيح لها بالأسرار التي يطلع عليها القارئ .
طريقة تقديم الشخصيات في القصص والمسرحية
على الكاتب في طريقة تقديم شخصياته إن يصورهم من خلال حركتهم ومواقفهم في حديث بعضهم مع بعض ، في الحوار والحوار المشترك بين القصة والمسرحية وإن كانت المسرحية لا تعتمد على سواه ، للقاص أن يتوسع في الأحاديث النفسية لشخصياته ليصور بها وعيدهم الباطني وليس للكاتب المسرحي أن يستخدم هذه الوسيلة إلا في أضيق الحدود. وإن الشخصية هي منبع الحدث والشعور وكلما كان عدد الشخصيات قليلاً ساعد ذلك على قوة البناء. لأن كثرة الشخصيات في القصة تؤدي إلى انهيار البناء وعدم توزيعه بشكل يجذب النقل في اتجاهها . 
       ( زليخات يوسف ) : هي المجموعة القصصية الثالثة لـلقاص العراقي المبدع ( علي السباعي ) استطاع فيها تصوير الحياة العراقية ، وقد غدت كابوسيه مخيفة ، وتـخـطـت كل التصورات التي يمكن أن يتفتق ذهن الإنسان وعقله عنها ، وقد تــرســم نــهــج الغرائبية السحرية ، أو الـفــانــــتــازيـــا الفاجعة ، فجاءت أغــلــب قصص مـجـمــوعـتـه ( زليخات يوسف ) الصادرة عـن دار الـشـؤون الـثقافية العامة عام 2005 م  ، إن لم أقُل كلها ، تدور حول فانتازيا الحياة العراقية وفجيعتها . إذا كانت الحياة التي عاشها الكاتب ، قد تخطت سبل العقل والواقع ، بإمكانك أن تصورها بالواقع المنتزع من الحياة ، وإذا كانت قد استحالت إلى فانتازيا رمادية ، إن أقل سوداء ، فما عليك إلا أن تعبر بوصلك نحو بحور السحرية الغرائبية ، تنتزع منها نصك المحمل بالأسى.   
الشخصية من منظور الراوي / المبحث الأول :
الراوي يقدم الشخصية : هي طريقة يقدم بها القاص شخصياته في القصة ، بالنظر إلى تاريخ القصة نرى تعدد في أشكال التقديم ، وذلك أن هذه الأشكال تخضع لمنطق التحول الإبداعي من فترة إلى أُخرى . ترتبط باختيارات من الكتاب الفنية والجمالية ، ومن الكتاب من يحرص على إبراز الشخصية بأدق تفاصيلها فيسهب في وصف طبائعها وتعيين ملامحها مثلما نجد في القصة الواقعية والقصة الاجتماعية . وهناك العكس من يعمد إلى الإيجاز والاختصار فيترك شخصياته بدون ملامح وأوصاف ، وفي أحسن الأحوال يقدم معلومات ضئيلة لا تكفي لرسم صورة واضحة عنها . وهـنــاك كتاب القصة يتعمد أرباك القارئ وتظليله بوضع شـخـصـيـاتــه فـي أوضاع غـامـضـة ومـتـفـرقـة ، مثـلـمـا نجد في بعض أشكال القصة الحديثة ، حيث الشخصية الواحدة تـحـمـل أكـثـر من أسم ، شخصيات مختلفة تحمل الاسم نفسه ، تـغـيـر فـي الـديـمـومـة ، نـفـس الـشـخـصـيـة فــتـكـون تـبـاعـاً ، امرأة أو رجـل ، أشـقـر أو أسـمـر ، ديـمـومـة فـي الـتـحـولات ( شـخـصـيـات مختلفة تقوم بنفس الفعل أو تتلقى نفس الأوصاف ). يختار الكاتب شخوصه من الحياة عادةً الحياة الحاضرة أو الـمـاضـيـة في التأريخ أو المستقبلة في الخيال) كما هو الحال في الأحداث . ويرسم الكاتب الشخصية بإضافة صفات عـلـيـهــا واضحة الابعاد مثل البعد الـجـسـمي ويتمثل في صفات الجسم المختلفة من طول وقصر وبدانة ونحافة ويرسم عيوبه وهـيـئـتـه وذلك يـؤثــر في سلوك الشخصية حسب الفكرة التي يحللها . أما البعد الاجتماعي ويتمثل في انتماء الشخصية إلى طبقة اجتماعية . ونوع العمل الذي يقوم به في المجتمع ، وثقافته ، دينه وجنسه ... أما البعد النفسي ويكون نتيجة لبعدين سابقين في الاستعداد والسلوك في رغبات وأمل وعزيمة وفكر. حيث يكون التقديم بصورة غير مباشرة كون الـسـارد هـو مـصـدر الـمـعلومات عن الشخصية ، يخبرنا عن طبائعها وأوصافها أو يـوكـل ذلك إلى شـخـصـيـة أُخرى من شخصيات القصة . وهذا الحالة يكون الـسـارد وسـيـطـاً بـيـن الـشـخـصـيـة والـقـارئ أو تـكـون أحــدى الشخصيات وسيطاً بين الشخصية والقارئ . ففي القصة الأولى المتميزة بعمارتها الحديثة ( مريم البلقاء ) قدم القاص  الشخصية بضمير المتكلم وأستعار رؤيته للحدث من خلال توصيف المرأة بـقـريـنـتـهـا الدلالية ( البلقاء ) هي كنية لأنثى الفرس .  يقدم السارد معلومات وأوصاف من مظاهر الشخصية وهي شخصية أبهامية ( مريم ) وفق أشارت مشفرة ومفعمة بتوظيفات واضحة ( سقطت عـبـاءتـهـا عــن رأسـهـا سـائـحــة ، مـاطـرة جـسـدهــا الـمـديــــد شــلال دم يـانـع قـرنــفـلي ارجواني ...). امرأة دلالاتها واضحة وعميقة التي واجهت قوتها ، المرأة البطلة الذكية التي لا تهاب الموت ولا الظلم ، الجنس القوي لا الجنس الضعيف والبلقاء هي أُنثى الخليل وهنا يجئ التقارب بين الاثنين ( مريم والبلقاء ) تــلك الــــفـــتــــاة الـــتــي أحبها والذي كان مفتوناً بـجـمــالــهـا منذ الصغر ( بوجهها الأبيض العريض وعينيها الجميلتين ). بــروحــهــا الإنسانية التي كانت تمثل لوحة فنية . بوجهها الأبيض وعيناها الجميلتان وطول قامتها وشعرها كالشلال الطويل وهذه الصفات قد وقف فيها القاص وهي التفاتة جميلة منه حين أعطاها ذات الاسم ، الذي أراد لها الخلود وهي ذكرى متأصلة بين حياة متداخلة شخص الراوي وأرثه العائلي فهي ابنة عمه وزواجه منها مرتبط بقصة ثأر الجد . أما القصة الثانية ( مومياء البهلول) يمثل شفرة مختزلة لخطاب سياسي ، حاول القاص ( علي السباعي ) أن يجرد هذا الرجل من حكمته لأنها لم تعد صالحة فحسب فأراد أن يحول هذه التعويذة إلى حكمة . وهــذه الــشــخــصــيـــة هــــي شخصية رئيسة في القصة قــــدم الــــراوي ( البهلول ممسك بندقية محشوة . أرث أسلافه لكن ! الأصابع تضغط على الزناد ) جاء بإشارات رمزية لكشف حقائق واقعية فيها الكثير من الايحاءات . البهلول تلك الشخصية التاريخية كانت تتسم بالسخرية اللاذعة والموقف الحكيم ... لـقـد وظف القاص لغة شعرية بلغة التكثيف كما في النص التالي : ( تقيأت العربة صراخه الحديدي صديداً سـكن الـعـيـون المنثورة عـلـى أرصفـة المدينة . العيون لينة فاترة تقافزت أجفانها النحاسية .... لقد مللنا من سماع الأباطيل . مللنا . ) .أما القصة الثالثة (وساخات آدم ) تكسرت شخصية آدم أمام كينونة دلالية ... كينونة شخصت تخوم أفعال الإنسان في ظل وظـيـفـتـه الحياتـيـة المنهارة (( أعلني توقف آدم عن السير . طرقات . أيادٍ ملطخة بالأوساخ ... )) . ((صبي متسول يقتلع أسنانه تقطر دما . يرميها بوجه الشمس )). كلها بؤر أستخدمها القاص ليكشف الشعارات الزائفة التي يعيشها هذا الإنسان ( آدم ) ويرصد فيها حالة المجتمع وحالة الضياع بتفشي الجوع والأوساخ والبطالة التي تدفع الاستجداء ، وشخصية آدم تمثل رمزاً لتلك القصة وهي من الشخصيات التاريخية النمطية المسطحة التي تمضي على حال لا تكاد تتغير أو تتبدل بل يوظفها الكاتب لإلقاء الضوء على الشخصية الرئيسة التي تساعده على الكشف عن الشخصية الثانوية . أما القصة الرابعة ( وتبقى قطام ) ثمة استعارة سردية لرمزية المرأة الغاوية في التاريخ ، والتي تكون مثالاً أرضياً . فقطام هي امرأة تضل الطريق إلى المعرفة ( قطام . سيميا ، وزوجة أبي لهب ). أما في النص ( رافضة ، مستقرة ، تردد صداها طويلاً ناصباً خشناً : كانت قاسية ، حادة ، عريضة الـنهايـة اخـتـرقـت مـسـامـع الـنـسـوة ثـقـيـلـة كالـحجر الذي وضع على صدر بلال ) . وهي شخصية إسـتـثـنـائـيـة مـتـمـيـزة ، ففيها رمزٌ للسلطة . فهي المرأة المهيمنة على القصة التي صورت المرأة القوية المكافحة ، فـكـانـت علـى صراع تكويني مع التأثيرات الدينية المهيمنة على أجوائها قاسية ، حادة مستقرة هذه كانت أوصافها . 
أما قصتهِ ( الجذر ألتربيعي للقمر ) فنجد في الشخصية بأنها ذات مدلول معنوي شخصية معنوية قوية كما يقول في المقطع التالي : 
من المرحوم ؟
من أهلهُ ؟
   أين مَن ؟ 
   كيف توفى ؟ 
   هل اصابتهُ شظية نتيجةُ القصف ؟
   أقطفت دارهم ؟ 
   ماذا يشتغل ؟ 
هذه الشخصية استفهامية وهي تسأل عن كل شيء ، وهي شخصية نموذجية لا تهاب أحداً وهي جاءت على عكس الشخصية الضعيفة .  ونـجـد في قصة ( الزاماما ) الفخمة بناءً وأفكاراً والمحتشدة بالرؤى والهموم الكبيرة حيث يحدثنا القاص عن الفترة الزمنية التي تلظى فيها الشعب العراقي تحت حكم العسكر بحروبه التي أكلت الأخضر واليابس وبحصار مقيت جثم على قلوب العراقيين طويلاً في مجموعة من الأسطر رغم طول هذه الفترة إذ تلخص وظـيـفـة تـقـديـم الشخصية ، ونجد القاص قد قدم لنا هذه الشخصية ( زكريا ) وهي شخصية يتداولها الناس من أجل التفاؤل والخير ، حيث يقول (( وأنا أحدثه تذكرتُ عندما كان عمري أربع عـشـرة سـنـة ذهـبـت أُمـي بـرفقةِ جاراتنا وبناتهُنَ إلى ضفة نهر الفرات ، أشعلنَ بنات الجيران شموعهنَ ووضعنها فــوق أصواف خـشـبـيـة صغيرة ، عمدت شمس الغروب إلى إشعالها تضيء الأفق بلهيب برتقالي رفيع باهت )). هنا قد اجتمعت فتيات المدينة من أجل طلب النذور ، فهن لا يطلبن المال وإنما يطلبن فارس الأحلام ، تعد هـذه الـشـخصيات التي قدمها القاص من الشخصيات المرجعية ( التاريخية ) ، و( الزاماما ) الـتــي تعني الحرب في لغة العرب القديمة فجاءت كلها على محمل السخرية إلى حد البكاء المر وتنفرد شخصية القصة بمحتواها الرمزي أمام دلالات واقعية .  أما في قصة ( احتراق مملكة الورق ) فنجد السارد ( علي السباعي ) قدم شخصية ( الحجاج ) وهي من الشخصيات النموذجية المختزلة بصفاتها الفنية واحتلت وجوداً في ذاكرة الحكايات عبر خانات الزمن وهذه الشخصية القوية المتسلطة التي لا تعرف الرحمة ، وتمثل الجبروت والطغيان وذلك على النحو التالي :(( نظر الحجاج ناحية الزمن العائد الى الوراء . شد . دائماً شد ! أدبـرت عـيـون الحيـاة من نوافذِ جفونها تركت العالم زنزانة شُمِعَت بوابتها بالدم ، شعرت الخيول بنبوءة الهلاك التي أطلقتها العرافة بوجه قيصر / ممارسة / أضرمت نيران الحجاج تقول .. الآن الحرق ! )). أما قصة ( عطش ذاكرة النهر ) قدم فيها الحكاء ( علي السباعي ) شخصياتهِ المهيمنة على هذه القصة هي شخصية نسائية مرجعية انبعثت من جذور اجتماعية (( امرأة متسولة ترتدي سروالاً رجالياً أزرق شعرها ذو تـســريـحــة رجالية بلون الكستناء ، تمسك بيدها اليسرى سيكارتهـا ، أفـعـى خـضـراء مـشـوقـة فـوق كـتـفـهـا عـنــــد الإبهام ... )). قدم الراوي عبر منظوره صورة عن تلك المرأة من معلومات وأوصاف عن مظاهرها الشخصية وطبائعها . ففي القصة الفاخرة تكنيكاً ( زليخات يوسف ) التي أعطت تناظراً واضحاً مع ( امرأة العزيز في قصة يوسف في القرآن الكريم ) قدم القاص ( علي السباعي ) الـشـخـصـيـة الـتـي تعد من الشخصيات المناضلة المكافحة القوية ذات مدلول معنوي (( زليخة التي التهمت تفاحة الـخــطـيـئـة الأولى فـتـكـومـت بـيـن خـطـي عـرض ثـلاثـين واثنين وثلاثين )). والـذي قـدم لـنـا فـيـهـا عـوالـم مـضـطـربـة مـن الـقـلـق والـتـوتـر . فإن زليخة تولد لكل العصور لنشر ثقافة الخطيئة غـوايـات مـتـجـددة بـتـجـدد الـمـلوك ، إنـهـا تغلق الأبواب لمحاصرة الشرفاء . الشرفاء لا يـسـقـطـون فـي فـخـهـا عـلـى الـرغـم مـن أنـهـم يـدفـعـون الـثـمـن غاليا . وزليخة تبحث عن أصابع صويحباتها إحدى الشوارع أو القمامة باحثةً عن الأيدي التي تقطف التفاحة (( زليخة بلا فضيحة تبحث في بقايا أسلحة الحرب المحطمة عن أصابع صويحباتها ، زفر الرخ دوامات أنفاسه سحباً ..)) . يقدم القاص المبدع ( علي السباعي ) في قصته ( بكاء الغربان ) شخصية مجهولة لم يعرف أحد من هي لكن هنا أراد بها ( القدر ، الفساد ، الخيانة ، البؤس ... ) ومـضـات سـرديـة مـتـعـددة في القصة مكثفة مختزلة السرد فيها يتدخل مع الخيال . ورمز لها بالغربان في كل مكان . وتـغـيـب الـشـخـصـيـة الـمـهـيمنة ويترتب على ذلك تصورا لـشـخـصـيـة حـــكـــائــيـــة خـــلـف الـمـتـن السـردي .. (( دفعته أيادي قوية ، تفجر نعيب وحشي ، صرخ ( أنا بريء ) أغرقت استغاثته في بـحـار النعيب موجاتها تصفع السكون . دهش )) . وأيضاً في النص التالي يقدم : قال متوجعاً : لا تصفعني ... لا ... صفعة أخرى ، عربد مهدداً  . فهذه الرموز كلها تدل على الـتـعـسـف والـظـلـم ومصادرة حرية الآخرين ((شياطين ، صمت ، عالم محاصرة . هولاكو . رسـم خـارطـة الـعـالـم بحوافر خيوله . هوت كفة الميزان )) هنا هولاكو الغزو الذي لا يبقى شيء من الحياة . القتل وحرق الفكر ومصادرة الأموال وهدم الممتلكات .      
الشخصية تقدم الشخصية :
       نـجـد فـي قصص ( زليخات يوسف ) إن الشخصيات عندما تقدم نفسها تستخدم الحوار وحده وسيلة لذلك ، في حين اتجهت وهي تقدم غيرها إلى الكشف عن جانب خفي فيه يسعى لكتمانه . وإن من أهم الفروق في نصوص هذا التقدم ، قدم الراوي وهناك في بعض القصص الشخصيات الأخرى من أكثر من زاوية ، كاشفاً عن عالمها الكامل ، رغبة في تصوير هذه الشخصية وعرضها للقارئ. كثيراً ما تقدم الشخصيات غيرها بالحوارات والشفيرات النصية داخل المتن الحكائي ، وقد إتسم هذا التقديم في المجموعة القصصية ( زليخات يوسف )  بسمتين أساسيتين : الأولى إنه يتم على الدوام ، في غـيـاب الـشـخـصـيـة الـمـقـدمة ، فحين تستخدم الشفيرات النصية في متونه الحكائية  كوسيلة لتقديمها للقارئ الحصيف. وعندما يستخدم الحوار لا تكون من المتحاورين . أما السمة الثانية فتمثل في إن هذا التقديم يقوم بإظهار الشخصية في سماتها الرئيسة ، بحيث يستطيع القارئ أن يكون هذا التقديم صورة عامة عنها ، أو يـقـوم بإظـهـار جـانـب مـعـيـن مـنهـا فقط.  إنطلاقاً من معيار مصدر المعلومات عن الشخصية ، يتم التمييز بين طريقتين في تقديم الشخصية : 
ــ التقديم المباشر : حين يكون مصدر المعلومات عن الشخصية هو الشخصية نفسها ، بمعنى إن الشخصية تعرف نفسها بذاتها باستعمال ضمير المتكلم ، فتقدم معرفة مباشرة عن ذاتها بدون وسيط ، من خلال جمل تتلفظ بها هي أو من خلال الوصف الذاتي مثلما نجد في المذكرات واليوميات والرسائل .
ــ التقديم غير المباشر : حـيـن يـكـون مـصـدر الـمـعـلومات عن الشخصية هو السارد حيث يخبرنا عن طبائعها وأوصافها ، أو يـوكـل ذلك إلى شـخـصـيـة أُخـرى مـن شخصيات المجموعة القصصية ( زليخات يوسف ) ، في هذه الحالة يكون السارد وسيطاً بين الشخصية والقارئ ، أو تـكـون إحـدى شـخـصـيـات المجموعة القصصية  وسـيـطـاً بـيـن الشخصية والقارئ. ففي قصته الأولى ( مريم البلقاء ) تقدم الشخصية نفسها من خلال التالي : (( كنت متشائماً وتشاؤمي نـابـع مـن إنـنـي مـوسـوم مـنـذ ولادتي بسوء الطالع ، جلبته لي أُمي التي كانت طول فترة حملها بي تبكي فجلبت لي الحظ السيئ والحياة القلقة الـمـتـسـمـمـة ، أذكر جيداً نبوءة مـعـلـم التاريخ في الابتدائية ( طاهر جعفر ) عندما قال هاتفا ورذاذ لعابهِ يمطر بوجوهنا  الشاهقة النائية تسمعهُ : أبنائي إن كل الدروب تؤدي إلى روما )). المتكلم في هذا النص هو الأديب بطل القصة يصف حالته النفسية الحزينة وحظه السيئ الذي يكتنفهُ التشاؤم واليأس بسبب أُمه التي كانت تبكي عـنـدمـا كـانت حامل به ، وتدرج بوصف شخصية أُخرى وهو معلمهُ عندما كان يخبرهم كل الـدروب تـؤدي إلى رومــا ، تلك الشخصية العالمة ، ويصف طريقة كلامه بان : (  لعابهُ كان كالمطر على وجوههم اليائسة المتعبة ) . ومن خلال الوصف الذي قدمه البطل عن نفسه تتعرف على نفسيته وإن البطل هو مصدر نقل المعلومات الى القارئ من منظوره الذاتي . أما في قصة ( مريم البلقاء ) العجيبة والرائعة بناءً وسرداً فقد تناول القاص المبدع ( علي السباعي ) في قصتهِ التي أعتبرها علامته الفارقة وأروع ما كتب حيث يقول : (( أدهـشـتـنـي مـريـم بأنها أكثر شباباً من أن يتخيلها واحد مثلي ، قوام ممشوق مضفورة من طـراوة ونـعـومـة وصـلابـة وقـوة ، دافـئ كـالـعـسـل بارد كالحليب ، مستقيمة رشيقة آه إنها كل ذلك وبلون العسل الحي خاطبتني :    ـ جئتك يا سبعي لأنني أُعـانـي الوحدة )). في هذا المقطع يظهر فيه تقديم غير مباشر من خلال شخصية تقدم شخصية أخرى وهذه الشخصيـة الإيهامية التي قدم الـسـارد صـفاتها ، فهذه المرأة القوية البطلة التي لا تهاب الموت ولا الظلم بوصفها تلك المرأة التي هي بـأبـهـج طـلـة وأكثر شبابا بجسمها الرشيق المضفور نعومة وصلابة وقوة ، بين بأنها دافئة كالعسل باردة كالحليب  وهذه الصفات تظهر من خلال ما يقدمه السارد من معلومات وأوصاف عن مظاهر الشخصية وطـبـائـعـهـا ولـيـس عـبـر الـمـنـظور الذاتي للشخصية وخطابها الشخصي .  وفي قصة ( مومياء البهلول  ) الجريئة جداً ، جاءت الشخصية تقدم الشخصية وكما نشاهد  في هذا النص ((عيناها تشعان صمتاً قديما بارداً هلامياً كمح بيضة اليربوع ،تنظران صوب بلدة الغبار والــزقــوم ، تــدحـرج صوتـهـا مـتـآخـيـا مـع هـرجـهــم :ـ  كـن أول مـن يـجـرب البلسم يـا بـهـلـول )) .  الـمـتـكـلـم في النص هو الأديب يصف هذه المرأة بكبر عيناها التي تتداخل فيها عوالم صامـتـة خـلفها أحاديث كثيرة مبهمة يدخل الرمز فـيـهـا تـشـبـه بـيـاض عينين الفـأر الـتي تكون نظراته قوية حتى في الظلام وصوتها الذي يبدو غير واضحاً . وهـي شـخـصـيـة مـخـتـزلـة لـخـطـاب الـمـرأة ، فهي ذات دلالات صوفية إشارات رمزية تحمل الخلاص وهذه المعلومات قد بينها السارد من خلال منظورهُ الذاتي . أما في قصة ( وسـاخـات آدم ) فـقـد تـنـاول السباعي علي فـيـه (( استحمت عيناه برؤى راقصات الباليه يتسلقن عتبات الظلمة ،  رشـيـقـات ملائـكـيــات ، يـرسـمـن أحـلاماً وآلاماً ، كبرياءً وحزناً ، هـزائـم وضمـائـر مـعـذبـة ، أشـعـلن الـقـمـر بنيران لهيبها دم أحمر / خسف القمر ، صار كبداً )) .  مـصـدر الـمـعـلـومـات عــن هذا المقطع هو السارد الذي يصف عين آدم الشخصية الـمـسـتـعـارة للرمز لتلك القصة برؤية  الراقصات اللاتي يعبرن عن الفساد وتحول المدينة إلى عفونة المواقف وقـرفـهـا وسلبيتهـا ، المدينة التي كساها الحزن والفقر لم تعد هناك ضمائر للبشرية . ومن خلال الوصف الذاتي عن شخصية ( آدم ) التي عدت رمزاً للبشرية وما يخلفه البشر للمجتمع من فساد وانعدام الضمائر .  وهذه المعلومات التي قدمها السارد الغائب العالم بكل شيء . أما ( وتبقى قطام ) قصة تناول فيها القاص السباعي الشخصيات بتقديمها للشخصيات الأخرى من خلال  ((هزت رأسها بنعومة ، رُميت الأقلام ، وسارت كل الأقلام مع التيار ، الأقلام ضد التيار . إذن . الأبيض يفوز ،رأت قطام فوزها ، والـخـاسـرون تـمـاسـيـح تـبـكـي حـظـهـا ، حـظـهـا بـلـون دمـوعـهـا ، دموعها بلون وجوهها ، وجوهها بلون أعمالها ، أعمالها : سود ... سود ... سود . إذن الأسود خاسر ، قالت : مزقنَ جبينه )). الـمـتـكـلـم في هذا النص هو الأديب الذي يصف ( قطام ) تلك الاستعارة الرمزية التاريخية للمرأة التي تـظل إلى المعرفـة ، تلك المرأة أسدلت على وجه الفجر ضلالها القاتم السواد والتي ملأ صدرها الحقد والـبـغـضـاء علـى الآخرين بوجهها المسخ وأعمالها السوداء التي لطختها بالكراهية وتدعو بوقاحة لا مثيل لها . ومـا هـي مـن صـفـاتها إلا الخيانة وإن السارد هو مصدر نقل المعلومات إلى القارئ بدون وسيط من منظوره الذاتي . وأما في نص ( الزاماما )الذي جاء فيه (( جثة أبي باردة كالألمنيوم وجهه يابس مسالم ، ضاقـت في رأسي رؤى بـنـات نـعـشٍ يحملن أبيهنَ الذي أصابه الطاعون الأسود ، سقط رأس أبـــي مـــتـــســـبــبــاً بــارتــفــاع جــفـــن الــعــيــنٌ الــيــمــنـى التي ظلت صامتة مطروحة بجحود داخل قشرة مطاطية )) . في هذا المقطع يظهر لنا التقديم من خلال شخصية تقدم شخصية أخرى فهو يصور حال أبيه وكيف بين أوصافهِ بأنه كالجثة الهامدة الباردة تلك الشخصية بمحتواها الرمزي المفتوح أمام دلالات واقعية للغات الحروب وآثارها الواضحة حيث ظهرت الشخصية بلا أسم وهذا انعكس على أسلوب القاص داخل المتن . وبدوره يعكس المنظور الذاتي موقف الشخصية المنجزة للتقديم من الشخصية الأُخرى .  وأيضاً في قصة ( الزاماما ) تــظــهـــر الــشــخــصـيـــة الـتي تقدم نفسها كما ورد في هذا الــنـــص ((أحسستُ بأنني مثل نيكيتا خروشوف عندما ألغى خطابه في هيئة الأمم المتحدة سنة 1960 وادعى ( أن مصانع بلاده الحربية أخذت تنتج الصواريخ العابرة للقارات كما تنتج مصانع أُخرى عندهُ السجق والنقانق ) كان يكذب ، مثله كنت كاذباً . إذاً . نجحت مرتهنون في أكاذيبنا مثل آدم محتجز في تابوته )). يظهر في هذا النص مصدر المعلومات الشخصية تتحدث عن نفسها وتمثلها بشخصية معروفة ( نيكيتا خروشوف ) . فالشخصية الـــرمـــزيـــة الــمــوجـــودة في القصة أشترك مع شخصية ( نيكيتا ) في الحدث نفسه عندما صرخ في خطابهِ إن الصواريخ الحربية أخذت تنتشر في القارات مدعياً التعايش السلمي لكن هذا يدل على إنه كان يكذب مثله مثل شخصية القصة الــكــاذبــة فــهــــم مـــرتـــهـــنـــون مــثـــل أكـــاذيــــب آدم . وهذا التقديم من الشخصية الرئيسة ( السارد ) في القصة . أما في قصة ( الــجـــذر ألتربيعي للــقــمـــر ) فــتــظهـــر فيه شخصية تقدم شخصية كما في النــص الــتــالــي : (( أظهروا جثمان المرحوم : أربـعـةُ قـوائـم بـيـض رشـيـقـة ، أُذنـان بـيـضـاوان كبيرتان)) يبرز هنا تصوير وتقديم شخصية لشخصية يتبين من خلالها الصفات التي يــقـــدمــهــا الشخص عـــن غــيــــره بامتلاكه أربع قوائم رشيقة وأُذنان بيضاوان كبيرتان وهذا الوصف الدقيق يجعل من الشخصية ملازمة للحدث وعينان سوداوان ... الخ . كل هذا الوصف هـو من ذات الشخصية التي عبر بها عن شخصية أُخرى فهي شخصية مجردة وهي قريبة من مدلول الشخصية المعنوية . وهذا التقديم من خلال ما يقدمه السارد من معلومات وأوصاف من منظوره وليس من خلال المنظور الذاتي للشخصية . أما في قصة ( احتراق مملكة الورق ) الذي تناول فيه القاص المبدع ( علي السباعي )  شخصية رئيسة من خلال النص التالي : ((فتح سمسم الأبواب الموصدة ، سقط الصمت متكسراً متهشماً بإنفجارات راحت تكبر ، صارت زمناً ملوثاً بالوجع وآلمها ، الألم نوطة موسيقية كسر سلمها أرتد لسان الحجاج قائلاً : خاسر من ترك عضوه الذكري يقطع )). مـصـدر الـمـعـلـومـات عـن شـخـصـيـة ( الحجاج ) هو السارد الـعـالـم بـكـل شـيء فهـذا الحجاج الـشـخـصـيـة الذكرية المختزلة النموذجية بصفاتها الفنية الشخصية المتسلطة القويـة التي لا تعرف الرحمة وتــمـثـل الـجـبـروت والـطـغـيـان . كـرمـز للأحـداث التي يعيشها المجتمع والتسلط عليه من قبل شخصية قوية متسلطة قامت بـقـطـع الـعـضو الــذكــري لكل رجـل والحجاج هو علامة لغوية يضعها القاص . فان تـقـديـم الـشـخـصيـة من طرف شـخـصـيـة أُخـرى مـشـاركـة لـهـا فـي الـحـدث نفسه يعكس منظوراً ذاتياً عن موقف الشخصية الأُخرى . أما في قصة ( عطش ذاكرة النهر  ) المبهرة فقد ذكر القاص ( علي السباعي ) في القصة: ((صخور مهشمة .. أسماك يابسة .. جثث وحيوانات مائية .. نخيل متيبس .. أوانٍ صدئة .. بـقـايـا هياكـل عظميـة لحيوانات نافقة .. نفايات ..أحذية عسكرية  تقطنها سرطانات مخيفة .. أيادٍ مفجوعة تمسك بعدد الحفر وزوارق خـشـبـيـة مـحـطـمـة . تـرى كم مرة عبرت ؟ ومن حملت عند غرقها ؟ كلها أَضرحة تؤكد موت النهر )) هـنـا جـاء الـتـقـديـم بـوصف حـالـة الـنـهـر وكيف أصبح حاله وهو الحياة لهذه المدينة ، فهنا مصدر الـمـعـلـومات الـتـي يقدمها السارد كلها لتقديم النهر ووصفه كيف أنه جف وأصبحت الحياة فيها على وشك الـسـقـوط فـي الـهـاويـة وإن الحياة بدون هذا النهر الذي دنسوه وأهانوه وغيبوه ، فإن هذا الحدث يدل على الحياة أو الموت . أما في الحوار التالي فان الشخصية تقدم الشخصية (( عشت حياتك كلها في الشحاذة .. واليوم تستجدين قبراً .. أبتعدي . يرافقه دخان خـرج صوتـهـا سيكارتها ساحباً كلماتها بصديدٍ موجع كمن يسحب سريراً حديدياً على بلاط )) . (( أَشعلت سيكارة جديدة من عقب سيكارتها المنتهية مجت دخانها نفساً طويلاً من غيوم رصاصةٍ مشعثةٍ قالت وهي تواصل نفث عباراتها الغامضة : مساكين أهل الأوهام يحفرون قبورهم )) . هنا مـصـدر الـمـعـلومات من تقديم شخصية لشخصية أُخرى وهذه الشخصية التي قدمها السارد هي شخصية نـسـائـيـة مـرجعيـة فيصف حياتها بأنها قد أمضتها كلها في الشحاذة والآن تتخذ القبر ، فيصرفها بعيداً عنهُ تشترك هذه الشخصية مع الواقع الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع وهذه صورة المرأة التي قدمها الراوي هي شـخـصـيـة تـمـلأ الـحـيـز الـذي تـتـحـرك فيـه فإنها رمزاً للواقع وهذا الذي يحدد العلاقة التي تجمع بينها . لــقــــد جاءت في قصة زليخات يوسف شـخـصـيـة نـسـويـة مـــن خـــلال الــنــص الــتــالــي :  (( ارتمت زليخة بإرتعاشات زلزالية ملتقطة بـيـسـراها كفهـا المفقود / تفاحة الخطيئة/ يزينها خاتم ذهبي مرصع بفص كبير من حجــــر كـــريــــم ، وضعــــــت كــفــهـــا الــمــبــتـــور تحت نعلها المتسخ برماد الدم )).   هذه المعلومات مصدرها السارد الذي قدم هذه الشخصية الـنـسـوية المهيمنة والـتـي قدم من خلالها عوالم مضطربة من الـقـلـق والـتـوتـر ، فإن زلـيـخـة الـتـي أخــذت تـبحـث عن أصابع وصويحباتها اللاتي قطعن أيديهن ، فيها إيحاءات تلامس الواقع المعيش وتعقيداته الإنسانية والأخلاقية من خلال وعي السارد ، فـفـيـهـا رمـز للـدم المهدور وكفها المتسخ برماد الدم  . وهذا كله من خلال ما قدمه السارد من معلومات عن الشخصية وأوصافها وطبائعها .  أما في قصة ( بكاء الـغـربـان ) فـإن الـمتكلم هو الأديب الذي يظهر من خلال هذا النص :  ((إذا صفعتمونـي صرت أمامكم مثل عبد الناصر !!  صفعة  ، صفعة ، ثم صفعة ، علا طنين كلماته ! الـشـمـعـيـة مثل طنين ذباب المزابل ))  . . . ((أنا من كتب عن فكتور هيجو ... أنا بائس... أنا ... تـوالـت الـصـفـعـات كمتتالية عددية )). المتكلم في هذا النص هو الأديب الذي يتكلم بضمير ( الأنا )  يصف حالته النفسية الحزينة الضعـيـفـة الذي تأتيه الصفعات من كل جهة رمزاً للـمـجـتـمـع الـمـضـطهد والمحصور المعدوم وكـل هـذه الـصـفـات والمعلومات قدمتها الشخصية الــرمـزيـة للـمـجـتـمـع . فـإن الأديب هو مصدر المعلومات التي يقدمها من منظوره الذاتي وليس المنظور الآخر .    
الفصل الثاني / المبحث الأول / إنموذج شخصية المرأة :  تنقسم الشخصيات من حيث ارتباطها بالأحداث إلى شخصية رئيسة وثانوية . والرئيسة هي التي تدور حولها أو بها الأحداث  وتظهر أكثر من الـشـخـصـيـات الأُخـرى ويـكـون حديث الشخوص الأُخرى حولها ، فلا تطغى أي شخصية عليها ، وإنما تـهدف جـمـيـعها إلى إبراز صفاتها ومن ثم تبرز الفكرة التي يريد الكاتب إظهارها . قد تكون الـشـخـصـيـة رمـز الـجـمـاعة أو أحداث يمكن فهمها من القرائن الملفوظة والملحوظة ... وحياة الـشـخـصـيـات تـكـمـن فـي قدرة الكاتب على ربــطــهـــا بــالــحــــدث وتــفــاعــلها معه ، وجـــعـــلـــهــــا مــعــبــــرة عــــن الـــمـــوقــــف دون تــصــنــــع ( أي مقنعة ). أما الثانوية فهي تضيء الجوانب الخفية أو المجهولة للشخصية الرئيسة أو تكون أمينة سرها فتح لها بالأسرار. وتصف الشخصيات على وفق عدد من الـتـحـديــات إلى نـمـاذج شخصيـة المرأة والرجل وسنأتي بالحديث عن أنموذج شخصية المرأة . في إنـمـوذج شـخـصـيـة الـمـرأة فـي الـقـصة الأولى ( مـريـم البلقاء ) للقاص ( علي السباعي ) يسرد البطل ـ ضمير المتكلم ـ عن حبه لإبـنـة عـمـهِ ثـم مـوتها المفاجئ بعد أن صدمها القطار وهي في طريقهم لزيارة مقامـ الخضر ـ حيث تغير حـادثـة الـمـوت الـمـفـجـعـة غـيـر المتوقعة مجريات الواقع المتصور(الزيارة في عيد نوروز مما تجلبه من أفراح ومسرات للمتنزهين ).  لتشكل حبكة مــتــيــنــة لــهـا مقبولية تعززها تلاحق الــتــوصــيـــفـــات ووجـــه مــريــم الملائكي الذي تغتاله الغفلة ، ومريم امرأة معشوقة تحب الخيول ، وتتقن فن  التشريح الذي سمح لها أن تعشق خيول فائق حسن وهي أُنثى لها دلالتها النقاء والصفاء والبلقاء هي أُنثى الخيل التي يندرس في تكوينها اللون الأبيض والأسود وتعتبر الشخصية مريم من الشخصيات الرئيسة في القصة والتي تتمحور عليها الأحداث . أما القصة الثانية للقاص العراقي المبدع ( علي السباعي ) المولع بإغواء النساء يجد في ( قطام ) هذه الفتاة العصرية الـمـتـمـردة صـورة بـاهــرة للأُم ! فــي عـصـرهـا الـذهـبـي ونـكـايـة بـالـعـهـد ( الأبوي ) الـذي مـا زال يـمـارس سـوءاتـه حـتـى يومنا هذا . فـهـي تـطـالـب الـنساء بالسفر تحرراً من الـقـيود وتـدعـو الـى وادي الـذكـور وعـنـدما يسألها إمام الجمعة : من أنتِ ؟  ستتعثــر فـاتـــحـة ملحمة كلكامش ـ هو الذي رأى كل شيء ـ لتهتف أنا التي رأت كل شيء ، فـقـطـام رمـزاً لـسـلـطـة صدام ، وسيميا زوجة النبي هي التي وشت بزوجها وبالمؤمنين من أتباعه لحاكم المدينة والشيخ الذي يحاور قطام يمثل الشعب العراقي المظلوم وتتوعد قطام للقادمين والذين لم يولدوا  بعد : أين ستهرب من ماضيك يا من ستولد فيها بعد ؟ وكان من سيولد يحمل وزر الآباء وهذا أقرب إلى مـفـهـوم الـخـطاب النسوي وتغر من الشخصيات أيضاً الرئيسة وهي شخصية محورية . أما في قصته الباهية ( عطش ذاكرة النهر ) ، والتي يقدم فيها القاص المبدع ( علي السباعي ) إنموذج المرأة والذي أختصره بخطاب سياسي بجملة واحدة ( ولى زمـن الـغـربـة وعاد نـهـرنـا يـجـري ... يجري ) وبذلك  قــطــع خــطــواتـه بهذه المسافة من الألم والحزن والضياع التي أجترعها أبنـاء المديـنـة التي جـف نـهـرهـا فـأخـذوا يـــحـفــرون فـي بـطـن الـنـهـر آباراً لم تنجب !!! إلا بعد أن منحوا لحياتهم قبر دم .. ! أخذ الـقـاص هنا شخصية المرأة للتعبير عن الواقع الاجتماعي . أما قصة ( زليخات يوسف ) المبدعة بناءً وأفكاراً فهي شخصية نسائية أعطت تناظراً واضحاً مع ( امرأة العزيز في قصة يوسف في القرآن الكريم ) حصار ودمار ورؤوس بلا أجـسـاد وامرأة تـعـرض يدها المبتورة في السوق ومعلم لا يجد غير عبارة ( الحبوبي ) لـيـخـيـط مـنـهـا كـفـناً وزليخة  تبحث عـن أصابـع صويحبـاتـها في إحدى الشوارع باحثة عن الأيدي التي قطفت التفاحة المحرمة تجد جوابها بعد أن يرمي مـعـلم التأريخ حبل المشنقة بعيداً.
المبحث الثاني / إنموذج شخصية الرجل :  تـصـنـف الشخصيات على وفق عدد من التحديدات الدقيقة المرتبطة بكيفية بنائها ووظيفتها داخل السرد ومن تلك الـتـحـديـدات خـاصـيـة الـثـبـات أو الـتـغـيـر الـتـي تـتـمـيز بها الشخصية والتي تسمح لنا بتوزيع الشخصيات إلى سكونية وهـي الـتـي تـظـل ثــابـتـة لا تـتـغـيـر طـوال الـسـرد ودينامكيته تمتاز بالتحولات المفاجئة التي تطرأ عليها داخل البنية المكانية الواحدة . كـمـا يـجـري النظر إلى أهمية الدور الذي تقوم به الشخصية في السرد والذي يجعلها إما شخصية رئـيـســة ( محورية ) ، وإمـا شـخـصـيـة ثانوية أو مكتفية بوظيفة مرحلية. أما في قصة ( وساخات آدم ) يستظهر القاص ( علي السباعي )التطهير كفعل بدائي لعلاج الداء بواسطة ـ النار ـ مستقدماً ـ آدم ـ واسـتـعـارتـه الـذكـيـة هـذه تـفـتـح داخل مهيمنات النص مسارب تأويله ممكنة للمتلقي .  وآدم هذا الجوال الذي يطوي دلتا الـشـرق بـصـحـراء الـغـرب لا يـجـد إلا وأقدامه غـارقـة فـي الـوساخات ( القمامة ) التي هي من صنعه هو ! مادام هو الـوحـيـد ـ الـكـل ـ الموجود على ظـهـر الأرض إنـها أشارة إلى البربرية عندما كان الإنسان مدمراً للـطـبـيـعـة . فـهـي إقـرار بـان الإنسان بـاق لا محالة علـى وجــه البسـيـطـة وإن التخلص من مـثـالـبـه وخـطـايـاه وآثـامـه لابـد أن تحدث يوماً ما . ـ مرحبا بكم في مجتمع النفايات. وتعد شخصية آدم من الشخصيات التاريخية التي استعبرت للعمل الإبداعي وهنا يقصد بها الشخصية النمطية المسطحة التي تمضي على حال لا تكاد تتغير ولا تـتـبـدل  بل يستخدمها الكاتب لإلقاء الضوء على الشخصية الرئيسة عن طريق إبراز تطورها وتفاعلها مع الحياة أو لتساعد البطل في آرائه وميوله للكشف عن الشخصية الثانوية . ففي قصة ( مومياء البهلول ) المائزة  والشجاعة جداً يحاول السباعي علي أن يعد يجرد هذا الرجل من حكمته لا لأنها لم تعد صالحة فحسب بل إن ( البهلول )أراد أن يحول هذه الحكمة إلى ( تعويذة ) تستهل فعل الموت من خلال البندقية . لذا لم يجد الرجل من يغويه ليسمعها ويزيل عن كاهله عبئها . وعندما ترعد به أُم الحصار قل كلمتك وأمض فهو لا يجد من سبيل غير أن يصرخ : وحكمتي ماذا أصنع بها ؟.  فلا يجد لصراخه غير الصدى إذا لا توجد حكمة في الحرب . حيث تقيم نموذج هذه الشخصية من أفعالها وتوافقها مع ما نفهم عنها فإذا تحولت الشخصية الرئيسة خائنة لسبب تافه ، مع إن سير القصة تدل على إحداث مفعمة بالرموز والحُزن وشخصية الرجل فيها هي شخصية رئيسة . كما يتناول القاص المبدع ( علي السباعي ) في قصته الجميلة ( احتراق مملكة الورق ) مسألة قضت مضاجع الطغاة على مر العصور ألا وهي الثقافة من خلال حكاية فنتازية يبدأها بلعبة من الموروث الشعبي ـ الشمطيرة هتف الممسك بـعـصـا أشـبـه بـالصولجان :ـ حياة الحجاج . الـتـي يـمـارسهـا الكثير من أطفال المناطق الـجـنـوبـيـة فـي الـعــراق ومن ثم يستعير من التاريخ شخصية الحجاج ـ لـيـصنعه في عصر غير عصره ليمارس امتداده الأخلاقي والفكري فيباشر الرجل وظيفته وذلك يأمر بقطع الأعضاء الذكرية للرجل ولكننا سرعان ما نجد أن الرجل أراد بعمله هذا الوصول إلى قضية أكبر غير ـــ قطع النسل ـــ يفصح عنها  يعلـن : كل مـن يـريـد أعضاءه الـذكـريـة يـجـلـب مـقـابـل وزنه كـتـبــاً ؟ لأن وقــت المنـطـق الأرسطي إن الإنسان حـيــوان عـقـلاني فـإن هـذه العقلانية تنجلـي حينما يعيد البعض كتبهِ ليقوم الطاغية بحـرقـهـا وهـذا هـو بـيـت الـقـصـيـد وهـذه لـشـخـصـيـة الـمرهوبة الجانب المتسلط والتي يقصد بها الشخصية التي تتصرف من موقع ما . وتـعـطـي لـنـفـسـهـن حق التدخل في تقرير مصير الفرد أو الأفراد الذين تطالبـهـم سلطاتها. ومـن شـخـصـيـات هـذا الـنـمـوذج هـو الـحـجاج في هذه القصة فإنها مختزلة بصفاتها الفنية واحتلت وجوداً في ذاكرة الحكايات عـبـر خـانـات الـزمـن وهـذه الشخصية المتسلطة القوية التي لا تعرف الرحمة وتمثل الجبروت والطغيان وذلك على النحو الآتي : ( نظـر الحجاج ناحية الزمن العائد إلى الوراء شر دائماً شر ! دبرت عيون الحياة من نوافذ جنونها ). أما في قصة ( الـجـذر ألتربيعي للـقـمـر ) التي نحى فيها القاص ( علي السباعي ) منحى آخر فرائحة الموت تستشري بين ثنايا القصة لتكون مظلتها التي تفضي كامل الأحشاء تبدأ بـ: (الإعلان عن وجود درجة شاغرة لنجار خبير بصنع التوابيت) ومن ثم ( الدعوة للــدفـانـيـــن والنواحـيـن والمرددين وقارئي الأدعية إلى الحضور إلى موكب جنازة )  وهـو إيـذان بـأن فـعـل الـمـوت داخـل الإطار الـفـتـازي وهـو الـواقع المهيمن والحقيقي وليس المفترض . أما القصة الفخمة بناءً وأفكاراً ( الزا ... ماما ) والتي تعني : الحرب لغة العرب القديمة فيبدو نصه مفتوح غير قابل للتأويل ـ فهو استهجان لدعاوي الحرب ودعـوة لإشـاعة السلام واعتبار الدخول إلى الألفية الثالثة ميلاد عصر جديد من الألفة والمحبة بـيـن الـشـعـوب والسباعـي كـقـاص مبدع يتحول من نصه المفتوح إلى نص مغلق ( ملكنا يصافح عدوه ) والملك يـصـافـح الـعــدو وكـل الاحـتـمـالات تـنـفـتـح بـمـنـاسـبـة هذه الألفية بينما ملكة جمال المدينة ترفض مصافحة ملكة جمال العدو . أما نصه الأخير ( بكاء الغربان ) فـيـكـاد يـكـون مواصلة لما بدأه في معظم قصص المجموعة الإغواء والحصار وقد جاء على شكل مـقـاطـع وجـمـل تـقتـرب كثيراً من الإعلان ـ فأفتقد إلى الخصوصية هيمنت عليه اللغة الشعرية حتى كادت أن تــأســره لـــو لا مـقـطـعـه الأخـيـر ـ الـــــبـــلــيـــغ ـ( فوضى. ذبح آخر الغربان ، كبرت أفاعي النار . صارت شلالات ضوئية نـثـرت الـرماد فوق دم البؤس) وفي هذا النص مكمل للنصوص السابقة بالحديث عن الواقع الاجتماعي .
 
 
ختاماً :
بعد رحلة بحثية نقدية في مجموعة ( زليخات يوسف )القصصية استطعت الوقوف على النتائج الآتية:
1ـ من ناحية تقديم الراوي للشخصيات نجد تقديم الراوي للشخصيات كثيرة وهذا يدل على توجيه القاص لسردهِ .
2ـ أستخدم القاص اللغة المكثفة في النصوص وجعل كل نص يحمل معانٍ عميقة .
3ـ أستخدم القاص بؤر ليكشف الشعارات الزائفة التي يعيشها هذا الإنسان ويرصد فيها حالات المجتمع من ضياع وتفشي الجوع وغيرها .
4ـ أستخدم الرموز في كل قصة ليكشف الحقائق الواقعية مثل شخصية زليخة رمزاً للقصة .
5ـ وكذلك نجد في تقديم الشخصية لغيرها أو لذاتها قليل من حيث يتنحى القاص جانباً ويجعل الشخصية هي من تقدم نفسها أو غيرها . 
6ـ من خلال تقديم الشخصية لنفسها نجد إن الشخصية تصف حالتها النفسية .
7ـ أستخدم الأديب بعض الاستعارات التاريخية مثل شخصية الحجاج .  
8ـ في نماذج شخصية المرأة استعارات مثلاً استعار نموذج المرأة للخطاب السياسي .
9ـ توثيق شخصية المرأة من القرآن الكريم ، امرأة العزيز في قصة يوسف في القرآن الكريم التي أعطت تناظراً واضحاً في هذه القصة .
10ـ نماذج شخصية الرجل ، أستعار القاص نماذج تاريخية لشخصية الرجل منها شخصية الحجاج ، فضلاً النماذج الأخرى التي أستعار القاص شخصية الرجل للتعبير عن الواقع الاجتماعي . 
 
المصادر
1ـ الابداع في الفن ، قاسم حسين صالح ، النفس إنفعالاتها وأمراضها وعلاجها ، د . علي كمال عــن الـبـنـى  السردية في روايات نبيل سليمان ، أُطروحة تـقـدمـت بـهـا الـطـالـبـة سـاجـدة زرارعـزيــز
2ـ أُسس علم النفس العام ، د . طلعت منصور وآخرون مكتبة الانجلوا المصرية.
3ـ أُطروحة تقدمت بها الباحثة ساجدة زرار عزيز ئاودةلي، ربيع الاول 1431 هـ  ــــ 2010 م.
4ـ بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ ، بدري عثمان .
5ـ تحليل الخطاب السردي والشعري ، بشير عبد العالي ، منشورات مخبر عادات وأشكال التعبير الشعبي بالجزائر ، دار الغرب والنشر والتوزيع .
6ـ تحليل النص السردي تقنيات ومفاهيم ، محمد بو عزة ، دار الأمان _ الرباط .
7 . التفسير النفسي للأدب ، د. عز الدين إسماعيل ، الطبعة الرابعة 1981 م .  
8ـ تقنيات تقديم الشخصية في الرواية العراقية، أثير عادل شواي، دار الشؤون الثقافية _ بغداد   1991 م .
9ـ تقنيات السرد ، أشواق عدنان شاكر علم الرواية : رولان بورونوف  ورويال اوئلية ، ترجمة نهاد التكريتي ، دار شؤون الثقافة العامة بغداد 1991
10ـ الخطاب السردي عند أحلام مستغانمي ، أحلام معمري ، دار السياب للطباعة والنشر والتوزيع ( لندن ) .
11ـ زليخات يوسف ، على السباعي ، دار الشؤون الثقافية العامة _ بغداد 2005 م . 
12ـ السرد في مشغل النقد الإبداع ناظرا ... الإبداع منظورا دراسة نشرت في جريدة (الزمان ) ـ لندن ـ الخميس 12/ت1/ 2006  العدد 2524 شكيب بن كاظم
13ـ السرد القصصي في الشعر الجاهلي ، حاكم حبيب ، تموز للطباعة والنشر ، 2011 .
14ـ السردية في حدود المفهوم : بول بيروت ، ترجمة عبد الله إبراهيم ، مجلة الثقافة الأجنبية ، بغداد ،   ع 2 ، 1992 .
15ـ سيميا زوجة النبي ، زليخات يوسف ، علي السباعي ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 2005 م .
 
16ـ الشخصية في عالم غائب طعمة فرمان الروائي ، د . طلال خليفة سلمان، الطبعة الأولى ، بغداد 2012 م .
17ـ فن كتابة القصة   د. فؤاد قنديل ، الدار المصرية اللبنانية ، الطبعة الاولى والطبعة الثانية ، يناير 2008 م . 
18ـ في نظرية الرواية ( بحث في تقنيات السرد ) ، دار الجواهر ، بغداد 2014 م .
19ـ لسان العرب ( مادة شخص ) ، ابن منظور ، بيروت – لبنان ، 2003 م – 1424 ه .
20ـلقاء مع القاص علي السباعي عبر الهاتف .
21ـمدخل إلى تحليل النص الأدبي ، د . عبد القادر أبو شريفة ، د. حسن لافي قزق ، دار الفكر ، الطبعة الرابعة 2008 م _ 1428 هـ .   
22ـ المصطلح السردي ، نقلاً عن تقنيات السرد ،  د. أشواق عدنان النعيمي ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد 1991 م . 
23ـ النقد الأدبي الحديث د . علي عبد الرزاق حمود ، بغداد 1990 م _ 1411 هـ .
24ـ النقد البنيوي والنص الروائي : محمد سويرتي ، أفريقيا الشرق 1994 م . 
 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24