الجمعة 16 نوفمبر 2018 آخر تحديث: الجمعة 16 نوفمبر 2018
أرض المؤامرات السعيدة - عبد الحكيم باقيس
الساعة 14:36 (الرأي برس - أدب وثقافة)



 

 

للروائي اليمني وجدي الأهدل، عبقرية خاصة في التقاط مشاهد الحياة اليومية بألمها ومفارقاتها، وتسريدها وتحويلها إلى مادة روائية تدهش القارئ، من دون أن يقع في فخ التكرار الذي يكتنف بعض الكتابات الروائية.
 

وتأتي روايته الأخيرة، التي تحمل عنوان مفارق حافل بالسخرية «أرض المؤامرات السعيدة» مترعة بأوجاع الواقع اليمني، وتشوهاته المتناسلة، إلى درجة أنها لا تدعي اللعبة الروائية في الإيهام بواقعية أحداثها، وإنما تقفز بالقارئ إلى العمق المأساوي، وتكسر حاجز الإيهام الذي يفصل بين الواقع والفن، تقدم الأحداث في صورة توحي بخيالية ما يروي، أو تخيل الواقعي الأشد عبثية وسوريالية من التخييل، وهنا مكمن المفارقة بالنسبة للمتلقين الذين يمكن أن يجدوا أنفسهم جزءاً من واقع الرواية وفصولها المأساوية، فتصبح عبقرية الكاتب ليس في القدرة على التخيل والطريقة التي يقدم من خلالها حكايات الواقع الذي نعيش فحسب، وإنما في الزاوية التي من خلالها نطلّ على تشوهات واقعنا، ودهشتنا مما نقرأ، وكأننا نتعرف عليه للمرة الأولى.
 

تدور الرواية في أجواء من التداخل بين السلطات السياسية والقبلية والإعلامية والمال والجنس، والمجتمع المدني، وعلى الرغم اهتمامها بتفاصيل هذه العوالم المتداخلة، تبدو أقرب إلى فضح تشوهات الواقع الإعلامي، وتصف بذكاء أثره السلبي في بلد تسوده العلاقات المشبوهة والمؤامرات، ويضرب الفساد في كل زوايا المجتمع، وهي إدانة لمنظومة العلاقات الفاسدة التي تربط رجالات السلطة بالإعلاميين الفاسدين، والانتهازية السياسية في استخدام الصحافيين في تزييف الحقائق والوقائع، وفي تضليل الرأي العام بنشر الأكاذيب، وتلفيق الاتهامات وتدمير الخصوم.
 

بطل الرواية مطهر فضل، شاب صحافي، لامع، نشأ في كنفي شعارات اليسار وواقع القبلية معاً، وتلك المفارقة في تكوينه المتناقض... كُلِّفَ من قبل رئيس التحرير، بالنزول من صنعاء إلى الساحل الشرقي في الحديدة، للتغطية الصحافية بعد انتشار خبر اغتصاب طفلة دون العاشرة، من قبل شيخ قبلي سلطوي، ولأن صحيفة «الأيام» العدنية نشرت تفاصيل حادثة الاغتصاب، وخلقت جواً من التعاطف مع الضحية، تصبح مهمته تقديم الروايات الكاذبة للأحداث والأخبار المفبركة التي تظهر الشيخ المغتصب في صورة الضحية، فيجري حواراً مع الطفلة الضحية (جليلة)، ثم يعكس ما تقوله إلى النقيض لصالح الشيخ، ومن أجل تبرئته وتضليل الرأي العام يرتكب عدداً من المغالطات والأكاذيب وتشويه سمعة الشهود والشرفاء، بفبركة أخبار مزيفة تنال من سمعتهم ليسهل التخلص منهم: تصوير ضابط الشرطة الذي قبض على الشيخ في صورة مغتصب أطفال، واتهام القاضي النزيه الذي ينظر في قضية الاغتصاب بالميول «الغلمانية» والشذوذ الجنسي، وتصوير الناشطة الحقوقية التي تدافع عن حقوق الأطفال وضحايا الاغتصاب في صورة «العهر» و«التهتك» والعمل لصالح منظمات دولية تنال من سمعة الوطن، المساعدة في تلفيق تهمة غير أخلاقية تنال من سمعة الطبيبة الروسية ومهنيتها، بعد أن كتبت التقرير الطبي الذي يؤكد وقوع حادثة اغتصاب الطفلة، تكذيب ما ينشره الصحافيون الشرفاء عن حوادث الاغتصاب وجرائم الشيخ، من أمثال الصحافي سامي قاسم، إيجاد متهم بديل «فتى قاصر» تنسب إليه عملية الاغتصاب، وغير ذلك الفبركات الصحافية، فتكون نتيجته مقالاته الكيدية عزل الشرطي الشريف، واستبداله بشرطي فاسد مغتصب أطفال حقيقي، إحالة القاضي النزيه إلى التحقيق واستبداله بقاض فاسد، ومحاكمة الناشطة الحقوقية، وترحيل الطبيبة الروسية، ونزع اعتراف مزيف من الفتي القاصر بعد تهديده بالاغتصاب، قتل الصحافي سامي قاسم، بصورة بشعة، مصادرة الصحيفة المحلية المستقلة التي كانت تنشر الأخبار الصادقة.
 

وهكذا، ينجح هذا الصحافي الانتهازي مطهر فضل، من استغلال سمعته الصحفية السابقة التي تحصلها في أثناء انتمائه لليسار السياسي من الإيقاع بالخصوم والانخراط في سلسلة من المؤامرات والأباطيل، من أجل الحصول على المال والتقرب من السلطات، وفي النهاية، يكتشف أنه قد أصبح هو نفسه ضحية للتأمر، بعد أن غاص في سلسلة من الجرائم الصحافية، والعلاقات الجنسية مع فتيات قاصرات. 
 

وتنتهي الرواية بموت تراجيدي، موت الصحافي مطهر، في حادثة سير بعد أن قرر اعتزال الصحافة والعودة إلى قريته من أجل استعادة مكانته القبلية، والرغبة في التحول إلى نسخة أخرى من الشيخ المغتصب، ومقتل الطفلة جليلة على يد مغتصبها الذي برأته المحاكمة الفاسدة. وتلمح أحداث الرواية إلى ظواهر انتهاك حقوق الإنسان والاتجار بالبشر، وإلى أن الوطن بأكمله في حالة الاغتصاب وتضلله الأكاذيب. 
 

يتخذ السرد شكل يوميات يكتبها الصحافي مطهر، في أثناء مهمته الصحافية في الحديدة في أربعة وستين يوماً، وكل يومية وحدة سردية قائمة بذاتها تروي تفاصيل اليوم، تتفاوت في سعتها تبعاً لأحداث اليوم، ومن اللافت أنها تخلو من تسجيل التواريخ، مكتفياً بتعيين الأيام فقط، تبدأ بيوم ثلاثاء وتنتهي بيوم ثلاثاء، وتتخذ ترقيماً عكسياً تنازلياً، من الثلاثاء (64) إلى الثلاثاء (1) دلالة على الانحدار نحو النهاية المأسوية أو الهاوية التي يلقى فيها مصيره المأسوي في يوم صفري خارج حدود التعيين أو الزمن الطبيعي.
 

وغني عن البيان أن اليوميات تُعدُّ توثيقًا ذاتياً حميمياً يكتبه المرء لنفسه قبل أن يُقدم على نشره ومشاركة الآخرين، ومن هنا يكتسب تخير الرواية شكل اليوميات دلالة فعل «التلصص» وإفشاء العوالم الخاصة المسكوت عنها، والتي تسودها المؤامرات والفضائحية، وفضلاً عن ذلك أكتسب شكل اليوميات طابعا اعترافياً تبريرياً للأخطاء التي ارتكبها مطهر، وتفسير انتقاله من المعارضة إلى السلطة، بحثاً عن بطولة بمقاييس عصرية، كما يقول: فـ«في الماضي كان أي شخص يريد أن يظهر بمظهر البطل يذهب إلى المعارضة، وكان المجتمع يتواطأ معه ويحوله إلى نجم، وأما اليوم فإن المجتمع قد ملَّ من هذه اللعبة السمجة، وأصبحت هناك قناعة عامة يرددها الجميع مفادها: إلحق نفسك واعثر على موطئ قدم لك في السلطة، لقد نضج المجتمع، والبطولة تتغير من عصر لآخر، لذا أنا بطل بمقاييس هذا العصر» أو البوح بانفعالاته الداخلية التي لا يجرؤ البعض على البوح بها، فيكون هذا اللون من السرد الحميمي الذاتي مناسباً لتمرير الانفعالات والشعور الداخلي، يقول: «كنت أشعر وكأنني في مستنقع، وكل خطوة تجعلني أتورط في الصراع المميت بين السلطة والمعارضة».
تحفل الرواية بالمفارقة بداية من العنوان وترقيم الفصول، وعلى مستوى الشخصيات والتسمية، واللغة السردية، التي تميل إلى السخرية من الذات ومن الآخرين، والاحتفاء بالرموز والشفرات، والتهجين اللغوي، وغير من العناصر التي يمكن أن نفرد لكل واحدة منها مقالة خاصة.

منقولة من موقع العربي..

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24