الجمعة 19 اكتوبر 2018 آخر تحديث: الجمعة 19 اكتوبر 2018
البائع - ريان الشيباني
الساعة 15:40 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 


كانت ظهيرة ماطرة، من أيام تموز.. حيث تصير المدينة مستنقعا كبيرا، وكنت أنا على أريكة صالون "النخبة" للحلاقة أتابع أخبار العالم من الصحف التي يشتريها صاحب المحل لإلهاء الزبائن أثناء الأنتظار.
ومن الخارج، وسط ذؤوبة السماء، فتح الباب، على عجلة، رجل يستكن بكرتون بسكويت، ويلبس بدلة "سفاري" رمادية، تأوه وقعد إلى جواري.. لقد بدا في نهاية الخمسينات، بوجه أسمر متورد، وشفة سفلية متهدلة، يحفها شارب كثيف..
قال الرجل أن وجهي ليس غريبا عليه، مدعيا أننا تقابلنا قبل هذا: أعرف أنك لن تتذكرني، لقد كنت طفلا عندما أشرفت على بناء داركم بالقرية.. أنا مقاول.
مد يده المتجمدة، فصافحته، برغم يقيني أنه ليست لدينا دار، وراقتني قدرته العجيبة على حياكة المشتركات في وقت قصير ومرتبك ومبتل كهذا.
كنت -حينها- طالبا في الصف الثاني ثانوي، ومدرج ضمن برنامج الإعاشة الحكومي، وأسكن غرفة من (البلك) الخرسانة المجوفة، مساحتها مترين مربع في الطابق الثاني لبناية، وسط سوق الخياطين، وبالأسفل مني، في الطابق الأول تعمل ورشة لحام صاخبة ليل نهار، وبسببها أنهض كل صباح لأغادر إلى مدرستي مشيا على الأقدام.
واصل الرجل بتصميم وحماسة منقطعة، نسج خيوط جديدة للصداقة معي، بحيث قال في منتصف هذره إن لديه صورة تجمعه بوالدي، وكإثبات حسن نية؛ سيحضرها لي قريبا.
وبعد تعرفه على غرفتي، جاء وفي يده كيس بلاستيكي فيه بزة "سفاري"، مستخدمة، وبالرغم من أن مقاسها يناسب هيئته، أرغمني على ارتدائها، وقال: 
-هدية من الخال سعد. 
وفي اليوم الثاني، قدم مع شخص آخر ليطالبني بقيمتها، وعندما أدرك أنني لا أملك فلسا، طلب مني خلعها، وباعها للرجل الواقف بجانبه.
ومع إن الرجل يمر كل يوم على أحذيتي الممزقة، وكومة ملابسي المتسخة، في الممر إلى الغرفة، أصر -بعد أيام- أن يواصل عروض مقتنياته..
ففي مساء كئيب لا يرى فيه غير الوميض المؤذي لورشة التلحيم، والمنعكس على جدار الجامع المقابل، جلب الخال سعد معه منظارا عسكريا، وقال في حملته الترويجية: 
-أنت تحتاجه كشاب مراهق، فالتلصص على النوافذ بعينيك المجردتين، يعرضك لخطر أن تكون من تتلصص عليها، هو أبو الفتاة، وليست الفتاة نفسها. 
وعندما أدرك أن نافذتي الوحيدة لا تطل إلا على منارة المسجد.. رد متذمرا: أعذارك لا تريد أن تمنحني جزء مما فتح الله عليك. 
في صباح آخر، أحضر الخال أدوات بناء في كيس أبيض.. كنت نائما، وبلا أحلام ويملأ قلبي يأس ثقيل.. فتح الكيس، وأخرج ميزان مائي وضعه في الجدار، وشرح لي، وأنا أفرك عيني:
-ميزان الماء هذا لن تجد له مثيل.. هل ترى دقته؟ أنظر إلى عين الماء هنا.. اللعنة هذا ليس جدار، أي معتوه بناه. طيب.. ما رأيك بهذي المطرقة، هل أجربها؟ بالمناسبة أنا لم أكن لأبيعها لك إن لم أكن محتاج. 
وعندما لم يرى مني أي ردة فعل، أردف:
-أحذرك! ستطير هذه الأشياء الثمينة من بين يديك.
أنتابتني نوبة من الضحك المفاجيء، لم استطع أن أكتمها، فطارت الأشياء الثمينة من بين يدي.
وفي الفترة بين الفصلين الدراسيين، جاء يحمل ارنبا هزيلا من أذنيه، واشار لي:
-لقد كانت لديك عائلة تحب الأرانب.. أشتريته هدية لأبيك، إنه يحب لحمها كما أتذكر.. 
قلت له إن أبي مات.
ألتقط أرنبه، وكان قد تركه يتشمم جواربي:
-لديك قلبا قاسيا. كيف تجرؤ على أن تميت أعز أقربائك كي تتنصل من دفع قيمة أرنب.
وبعد أشهر من يأس معتدل، عاد لعرض بضائع متفرقة: قمقما يعمل بالزيت مصنوعا من علبة حليب وبلا فتيل، نصف أسطوانة فونوجراف، سماعة هاتف مكتبي محشوة بتراب ناعم، مقبض حديدي لبالدي، فردة حذاء بساق طويلة من التي يستخدمها عمال الخرسانة، ورتبة عسكرية لبزة أطفال فيها نجمتان صدئتان، وإطار خشبي مكسور للوحة فنية، وثعلب نافق قال إنه بالإمكان تحنيطه، ودفتر هاتف مجلد ممتلئ بيوميات رجل يعتزم الانتحار، وصنبورا ذهبيا مخلوع الرأس وتختبئ بداخله وزغة حية.
ومع إنه لم أكن لأشتري أي من معروضاته، لم يكن هو أيضا ليخفض من سقف توقعاته تجاه أشيائه، وعلى العكس من ذلك رفع الأمر دفعة واحدة.. لقد جاء، عند التاسعة صباحا، وأنا منكب على امتحاناتي النهائية، رفعت رأسي، وحييته:
-كيف الخال؟ 
أبدى امتعاضا كاذبا:
-لا تعجبني كلمة خال، هل ترى أن قرنا نبت في رأسي، لتعذبني بهذه الكلمة. من الآن يجب عليك أن تناديني يا عم، لقد قررت أن أزوجك أبنتي الصغرى.. لا تخف. لن أطلبك الكثير.. إذا قبلت.
-أقبل.
-هل نستطيع أن نقول أننا بعد كل هذا التوجس صرنا أقرباء؟
-نعم يا عمي.
-إذن إشتري أرنبي!

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24