الخميس 20 سبتمبر 2018 آخر تحديث: الخميس 20 سبتمبر 2018
المتنِّك * - سهير السمان
الساعة 12:16 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)
 
 
تتداخل في أحلامي الأمكنة. من شمس هنا أبحث عن ظلها فأراه يمتد على تلك الأرض  الموجوعة، وحين كنت أبحث عن ناقلة لاسم مكان لا أعرفه، أجد الناقلة تتوقف بي عند رحم المكان الأول، المليء بالعشب الأخضر أجد أن مكاني هناك في بيت يحوي عظام  الأجداد وأواني الأمهات، وأعشاب القات. أراني أمضغه بفرحة  من عاد إلى أمه، بفرحة قدسية، لمآذن الفجر، لصوت المراعي وسنابل الذرة والقمح.  قرباني لك أيتها الشمس صحو جفني، فلا تتأخري  عني، أدرك أنك الآن تلملمين  غفوات الليل المتقطعة،   لتفصحي  لي عن سرك الذهبي، فلماذا هنا  تتأخرين عني هنا ساعة، ولماذا يختلف ملمسك؟ هل تتذكرين حين كنت أمر كل صباح من شارعنا فأرى تلك العجوز  تعبئ عظامها الهشة من أشعتك الصباحية، وتلك النوافذ تنفتح لقلبك الغض، وصوت صالح "المتنك" وهويفتح دكانه و يغني زوامله الشعبية، كان دكانه قديما جدا، يمتلئ بصفائح المعدن التي يعيد تشكيلها للاستخدمات المنزلية، تنظر إليه العجوز بطرف عينيها، وهو يغني صباحاته المعتادة، ويتغزل في البنات اللائي يمشين من جانبه، ويقول جملته المشهورة" الله يرضى عليكن يا بنات" أين كنتين من زمان؟ ويبدأ بإلقاء الشتائم على زوجته تقية، ويدعوها من أسفل المنزل قائلا:
- يا تقياااااااااااااه.....  أين كانين هولا البنات حين تزوجتك؟ أو ما كان معي نظر؟
يخرج رأس تقية من النافذة رابطة رأسها ومغطية وجهها وهي تشتمه
- عليك لعنة الله.. اهجع يا شايب يا عايب. هو انا اللي صبرت عليك وقد شبعتني غلب.
يعود بترقيع وجهه أمام شتائمها المتوالية وهي تقذف بيمينها "" حرام ما أدي لك صبوح"
- أنت روحي يا تقية من لي غيرش. ما بلا قلت أدعي للبنات الصغار بالستر " الله يستر عليهن"
تنزل تقية من الدار وفي يدها صحن يحوي " الملوج"* ومغرف من الفول، وقهوة القشر. تقف أمامه وهي تبربر بالحديث المتشنج وتقول
- أنت هكذا كل يوم تسمم بدني بخبرك من الصباح ما تشتيني أفعل يا شايب؟.. ادعي لنفسك بحسن الخاتمة. أمانة عليك من أحسن أنا ولا بنات آخر زمن هولا اللي "يلبسين" البراقع على الموضة، والعبايات المحزقة*، والجزم الكعب ويمشين يتفصعين* في الشارع.
تظل واقفة وقد لبست  ستارتها  ومغمقها* الصنعاني وتخطو خطوات للأمام والخلف وتقول" – هيا ما رأيك ما هو الأحلى لبسي هذا أو لبسهن. 
الزنة* حقي الملونة والستارة  أو حقهن العبايات السود اللي بتسد النفس.
- والله أنت أحسن وأحلى. من قال إنهن حاليات؟. خليني اصطبح*
 واخرجي ابسري* عملك.
تخرج تقية بعد أن تُسمعهُ قليلا من الشتائم المعتادة وهي تتمايل بمشيتها أمامه.  واللقمة في فمه ويقول. " جني شلوش*"
تخرج تقية  بستارتها الجميلة، ومن خطواتها الصباحية التي أبقت تعابير الجمال الماضية، تتمشى في الشارع وتسلم على تلك العجوز التي  تضحك من هذا  الموقف المتكرر يوميا .
وما زالتٍ تعب من  الشمس على جسدها لتشعر بقليل من العافية. وتقول لتقية: "ما عليك أنتِ، أتركيه في حاله ، خليه يتحاكى على راحته، قد هو الخرف، لكن  ما يحبش* إلا أنت. أعقلي."
تجلس تقية إلى جانبها لتعيد عليها قصة حياتها الزوجية التي بدأت معه وهي طفلة، وكيف أنها كانت تختبئ منه في بدايات زواجهما في تنور المطبخ، خوفا من أن يأخذها إلى الفراش، ومرت أيام كثيرة وهي تختبئ كذلك إلى أن يغلبها النوم وهي في التنور، لقد اعترف لها أنه كان يعلم بمكان اختبائها، ولكنه فضل أن يتركها على راحتها حتى لا تكره العيش معه. 
يتشعب الحديث بينهما، ويمر الوقت والسيدة العجوز ترفدها بالنصائح. ويعلو صوت المتنك في الشارع مرة أخرى: الله يرضى عليكن يابنااااات ..يووووو "جعل لي مكسر"* أين سرتي* ياتقية.. أو عاد أنت في التنور.؟
 
___________________________ 
المتنك : من يصنع الأدوات المعدنية
الملوج: نوع من أنواع الخبز اليمني
المُحزق:  الضيق
يتفصعين:  يتمايلن
المغمق:  غطاء الوجه التقليدي في صنعاء
الزنة: الفستان التقليدي
اصطبح :أتناول الإفطار
يحبش:  يحب
 "جعل لي مكسر   " صيغة داء محلية بمعنى " كسرني الله"
سرتي: ذهبتي.
 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24