الجمعة 16 نوفمبر 2018 آخر تحديث: الجمعة 16 نوفمبر 2018
قراءة في رواية( عداء الطائرة الورقية) لخالد حسيني - سيرين حسن
الساعة 13:48 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


 

رحلة الحياة في رواية عداء الطائرة الورقية الواقعة في 368 صفحة تحكي صداقة طفلين في أفغانستان.

طفلان أحدهما ابن الخادم والآخر ابن السيد. لا يمكن تسمية علاقتهما بصداقة لأنها لم تستوفي مقومات الصداقة من تضحية وحب إلا من جانب حسان(الخادم)، ولأن هناك فوارق متجذرة بينهما كان أهمها أن حسان هازاري(شيعي) وأمير(سني).

كان ولاء حسان و محبته لأمير خالصة رغم معاملة أمير التي تتسم بالقسوة في بعض المواقف.

كان علي والد حسان طفلاً يتيماً جاء إلى منزل الباشا والد أمير بعد موت والديه في حادث سيارة، تزوج علي من هازارية أسمها صنوبر هي ابنة عمه ليأتي حسان إلى الدنيا و تهرب صنوبر من المنزل.

هكذا تربى حسان مع أمير كما تربي من قبله علي مع والد أمير، لكن رغم أن العلاقات بهذا القدم إلا أن والد أمير ظل محافظا على غرور المكانة الاجتماعية ولم يلغي المسافات بينه و بين علي وحسان رغم معرفته بعمق العلاقة بينه وبين حسان ابن صنوبر.

تشاء الأقدار أن يطعن الذنب في قلب أمير بقوة، عندما يشاهد صديقه الوفي يعتدى عليه جنسياً من ولد أسمه آصف، وهذا لكي يسلم له طيارة ورقية التي كان حسان يطاردها عندما سقطت في مسابقة كي يعطيها لأمير.

كانت تضحية حسان هذه أكبر بكثير من أن يتحملها أمير؛ فجعلت قلبه مضطرباً لا يستطيع إيقاف الجرم قبل يحدث ولا أن يعتذر بعدها؛ لذا راقب بصمت ما فعلوه بحسان ثم عاد إلى المنزل راكضاً.

لم يستطع تحمل وجود حسان معه في نفس البيت بعدها؛ فدبر مكيدة سرقة له كي يتهمه ويطرده والده من المنزل.

لتنتهي قصتهما هنا و تأتي الحرب على أفغانستان ويرحل أمير مع والده إلى أمريكا.

تشاء الأقدار أن يتزوج أمير ولا ينجب رغم محاولات الأطباء، وبعد موت والده يعود لأفغانستان لرؤية صديق والده العزيز المحتضر، فيعترف له بسر خطير يقلب الموازين ويعطي أمير فرصة لنزع خنجر الذنب من صدره بما جرى لحسان بسببه، لكن السر المنكشف يضع في قلبه أشواك موجعة لسر دفن والده طوال حياته.

لطالما قال والد أمير أن السرقة هي أسوأ ذنب وأنك بالكذب على أحدهم تسرق حقه في معرفة الحقيقة، ورغم إيمانه الشديد بهذا الكلام، إلا أنه أخذ حق ابنه أمير في معرفة سر خطير.

عرف أمير من صديق والده المحتضر أن حسان وزوجته قُتلاً ظلما على أيدي جنود طالبان بحجة أنهم هازارا، هنا يثبت الزمن أن القناعات المتحجرة لا تتغير، فما زال هناك قمع وتحقير لهذه الفئة من الناس و لمذهبهم ومعتقداتهم.

مات حسان وترك طفلاً أسمه سوهراب وعلى أمير أن يبحث عنه، كان الوضع سيبدو عادياً لو كان على أمير أن ينقذ سوهراب من الملجأ ويضعه مع أي عائلة أمريكية للتبني، وبهذا ينتهي الإحساس بالذنب، ويستطيع أخيراً أمير أن يتخلص من ذاك القيد الذي يضايق تفكيره، لكن المفاجأة التي جاءت لتضع الجميع على ميزان واحد وتثبت أن الجميع كأسنان المشط، وأن كل الاختلافات صنعها البشر، هي حقيقة أن حسان كان أخاً غير شقيق لأمير.

والدة أمير توفيت عند ولادته، وبعدها بفترة أصبحت صنوبر زوجة علي حامل من والد أمير؛ وعندما وضعت حسان فرت هاربة إلى مكان آخر، تزوجت وأنجبت بينما كان علي عقيماً.

هل عرف علي بأنه عقيم؟ لا ندري، لكننا نعرف بأن القدر وضع أمير أمام الحقيقة المرة شاء أم أبى.

هذا الهازاري الشيعي أخ غير شقيق، ومن تعرض للاغتصاب أمام عينيه ليس الخادم أو الصديق أنه الأخ، ومن اتهمه بالسرقة ليطرد من المنزل ليس الصديق الذي جبُن عن إنقاذه بل الأخ، ومن كان يريد أن يأخذ ابنه ليرميه لأي عائلة لتربيه هو ابن أخيه.

هكذا نعود لقصة البداية هابيل و قابيل لم يكونا مختلفين، هما من نطفة واحدة من أصل واحد، لكن اختلفت القلوب، ولعبت الغيرة بالعقل؛ فجعلت أحدهما قاتلاً لأخيه.

وأمير وحسان أخوان من الأب الذي استطاع ببراعة كتمان السر وسرقة حق أمير في معرفة الحقيقة، أخوان كان هناك فارق بينهما في الملامح والمعتقد لكن ذات الدم يجري فيهما.

كل المسميات التي نضعها لأنفسنا، المذاهب، المعتقدات، اللغة، الملبس، طريقه العيش و...الخ تعطينا هاجس الأفضلية على الآخر خصوصا إذا اقترنت بالمال، في النهاية نحن لسنا إلا بشر من طينة واحدة، كلنا يحلم، يحب، يكره، يطمح، يطمع، ويقسو، كلنا يظن بأنه الأفضل وأن له الأحقية ويدافع عن حقه في الحصول على السعادة والنجاح بكل ما قوته، والبعض قد يرضخ للذل ويركن للضعف بسبب الظروف وتسلط فئة على أخرى بالمال أو السلطان أو القوة فيقبل بوضع أقل مما قد يستحقه مقارنة بمجهوده أو عمله.

آصف الشخصية التي مثلت الشرفي الرواية.

هذا الشاذ المعتدي على حسان في طفولته هو المعتدي على ولده سوهراب أيضاً في الملجأ الذي وضع فيه الطفل اليتيم.

دارت معركة بين آصف و"أمير للحصول على سوهراب، وكي ينقذ سوهراب أمير من الموت بين يدي آصف رمى بمقلاعه عين آصف فأتلفها و فرا هاربين.

أعاد القدر نفسه لقد أصبح الابن كأبيه الذي دافع عن أمير مراراً وكان خادماً مخلصاً ورفيقاً للعب حينما يستدعي الأمر.

أصبح دين أمير مضاعفاً؛ فأخذ أمير على عاتقه تبني ابن أخيه، ليس لان الأمر يعتبر تخليصا له من الشعور بالذنب، بل لأن تربية سوهراب أصبحت واجبا عليه .

رواية جميلة لا تمل من قراءتها رغم طولها، تشدك حبالها المحبوكة بجمال ومتانة لتكتشف أننا في النهاية جميعا مسافرون على متن طائراتنا الورقية، نهبط، نرتفع، نفشل ونعيد الكرة، ونعيد الفشل مراراً، ونعيد الأخطاء أيضاً، نتقاتل للفوز، لكن على سطح الأرض حيث بكرات الطائرات وخيوطها المربوطة لا تجد غير أيادي متشابهه وإن اختلفت ألوانها وجيناتها، كلها أيدي تسعى للحصول على حياة ، كلنا كائن واحد اسمه إنسان.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24