الثلاثاء 16 اكتوبر 2018 آخر تحديث: الثلاثاء 16 اكتوبر 2018
سرد اليهود في "حانوت شوذب" - عبد الحكيم باقيس
الساعة 13:05 (الرأي برس - أدب وثقافة)


  
 
تناول عبدالله عباس الإرياني في الحانوت تفاصيل الحياة الداخلية لليهود اليمنيين الذين رفضوا الهجرة إلى فلسطين المحتلة

في السنوات الأخيرة وجد عديد من الكتاب اليمنيين في موضوع يهود اليمن مادة خصبة للتناول من زوايا مختلفة، بسبب اتساع حرية التعبير، التي أتاحت لهم شهية الكتابة في عديد من القضايا المسكوت عنها سياسيًا واجتماعيًا، ويغذي هذه الشهية طبيعة التحولات السياسية أو ما أطلق عليه الفوضى الخلاقة على المستوى المحلي، وبروز خطابات متقاطعة ومتوازية معًا، تصب في تشجع حرية التناول والكتابة وإثارة القضايا والتساؤلات حول الهويات والأقليات، دون أي قيود أو حدود، ومن ثمرة ذلك إعادة النظر في تفاعلات البنية الداخلية للمجتمع اليمني، والتعبير عن خطاب المهمشين سياسيًا واجتماعيًا، الفئات الاجتماعية والدينية، وكأنما يعيد الأدب اكتشاف مكونات المجتمعات المحلية من جديد، وقد كان لفئة اليهود اليمنيين النصيب الأوفر، ما يجعل المتابع يلحظ تصاعد موجة من الكتابة الجريئة، التي تشكل أحد ظواهر المشهد السردي المحلي في الألفية الجديدة، وقد تعددت دوافع الكتاب وأساليبهم.
«حانوت شوذب» لعبدالله عباس الإرياني حلقة جديدة في موجة من الكتابات التي يمكن أن نطلق عليها «سرد اليهود»
و«حانوت شوذب» لعبدالله عباس الإرياني، التي صدرت مؤخرًا عن مؤسسة أروقة للدراسات والنشر والترجمة في القاهرة، حلقة جديدة في موجة من الكتابات التي يمكن أن نطلق عليها «سرد اليهود»، التي استهلها إرياني سابق منذ نحو ثلاثين سنة هو يحيى علي الإرياني في رسمه لشخصية المعلم سالم اليهودي في «ركام وزهر» بوصفها مثالا للطيبة والحكمة والذكاء، كانت التفاتة مبكرة، ثم توالت دفقات عديدة من موجة السرد التي نقلت اليهودي من هامش المجتمع والسرد معًا، إلى موضع الصدارة والبطولة، مثل «هفوت» لبسام شمس الدين، و«زهافار» لياسر عبدالباقي، و«اليهودي الحالي» لعلي المقري، و«ظلمة يائيل» و«مسارة الموتى» للغربي عمران، وغيرها مما احتلت فيها شخصية اليهودي البطولة المحورية أو الثانوية، بعيدًا عن أسلوب التنميط الذي شُغلت به الرواية العربية في تمثيلها السردي لصورة اليهودي من منطلقات موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، فاليهودي في السرد في اليمني ليس الصهيوني الغاصب أو المستعمر الدخيل، وإنما هو جزء من النسيج الاجتماعي اليمني الضارب في التاريخ القديم، وما انفكت الكتابات نفسها تلمح إلى هذه العلاقة والجذور التاريخية.
تناول عبدالله عباس الإرياني في الحانوت تفاصيل الحياة الداخلية لليهود اليمنيين الذين رفضوا الهجرة إلى فلسطين المحتلة، وكيف تحول بعضهم إلى «مهتدين» بدخولهم الإسلام، شوذب التي تحولت إلى خديجة، يعقوب الذي تحول إلى عبدالصمد، وحاييم الذي تحول إلى عبدالواسع، وسلسلة الإغراءات والدوافع التي جعلتهم يدينون بالإسلام، مقاومة فكرة الهجرة دفعت بشوذب إلى البقاء في مجتمعها، وحب «نعايم» المسلمة دفع يعقوب إلى ترك يهوديته، ورغبة حاييم في البحث عن مخطوط التوراة وجمع الثروة وشراء بيوت ذي شوذب المحرم بيعها على اليهود جعله يعقد صفقة التحول الديني، كاشفة في أثناء ذلك عن الصراع الداخلي في إطار البنية الاجتماعية القبلية السلبية التي تعتمد في سلمها على ترسيخ فكرة القبلية والطائفة المهنية والدينية، ابن الأصول يحوز كل شيء حتى إذا انتهك الأعراف، والرعوي يبقى رعويًا مهما توفرت له شروط الانسلاخ عن طبقته أو فئته، واليهودي يبقى كذلك يهوديًا مهتديًا حتى إن تحول إلى الإسلام، وبهذا تقدم «حانوت شوذب» تصويرا دقيقا للحياة الاجتماعية لليهود المتحولين، وتقدم نقدًا مباشرًا للواقع القبلي الذي يستند على موروثات سلبية، وعلى الرغم من أن هذا النقد المجتمعي بات تقليدًا، فإنه لم يخل من جرأة التناول في إطار وضعية اليهود في هذا السلم الاجتماعي.
أراد الراوي أن يقدم مسحًا تتابعيًا بانوراميًا لحياة سكان قرية «ذي شوذب» وتحولاتها
اعتمدت «حانوت شوذب» على العديد من الخيوط السردية والتفاصيل في استقصاء الشخوص ومصائرها، إلى درجة توحي بتشظي السرد؛ لأن الراوي أراد أن يقدم مسحًا تتابعيًا بانوراميًا لحياة سكان قرية «ذي شوذب» وتحولاتها في مدة زمنية طويلة تستمر لجيلين: الآباء والأبناء، ومشكلات الهوية والتمييز الذي يشعر به الأبناء الذين ينتمي آباؤهم إلى فئة اليهود، تبدأ المشكلة بالنسبة إلى اليهودي من تغيير اسمه الحقيقي واجتثاثه التام عن ماضيه العائلي، تكتب (أشواق) ابنة يعقوب اليهودي الذي تحول إلى الإسلام، وتسمى عبد الصمد بن ثابت في رسائلها لأبيها لماذا على اليهودي المهتدي أن يترك اسمه الأصلي: «والدي العزيز عبدالصمد بن ثابت، ابنه (تقصد اسم ثابت) لأنك أسلمت على يديه، سلب منك اسم والدك، غير أنه لم يمنحك شيئًا من ميراثه، وأنا يا أبي أجد نفسي بدون تاريخ، إلا تاريخ أبي منذ أسلم، أفقدنا إسلامك تاريخنا الضارب في القدم، لن يكون تاريخ أجداد ثابت تاريخنا أبدًا، أكتب جدي المزعوم ثابت، الأب الروحي لأبي، أسأل نفسي أحيانًا: لماذا أخجل؟!، هل لأن أبي كان يهوديًا؟، أم أن الإسلام أرغمه على أن يتنازل عن اسم أبيه حتى لا يكون قد ارتد عن دين ثابت؟». أما شقيقها (نصر) فقد تجاوز مأزق الاسم بتخيره النسبة إلى قريته «ذي شوذب» نصر عبدالصمد الشوذبي، ولم يعد يحتاج لاسم آل ثابت الأسرة التي مارست طغيانها القبلي على الجميع.
المعروف أن المؤلف عبد الله عباس الإرياني صاحب تجربة متعددة في الكتابة السردية التي تعنى بشؤون الواقع المحلي، وقد سبق أن أصدر ست روايات منذ 2006، هي على التوالي: «بدون ملل، الصعود إلى نافع، الغرم، مائة عام من الفوضى، سم الأتراك، وجولة كنتاكي»، بالإضافة إلى ثلاث مجموعات قصصية، وأربع مسرحيات.

 

منقولة من موقع العربي...

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24