الاربعاء 14 نوفمبر 2018 آخر تحديث: الاربعاء 14 نوفمبر 2018
ضِحْكَةٌ لا تُشْبِهُ الرِّئَةْ - محمَّد المهدِّي
الساعة 12:38 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)



 

ـ(1)ـ

تُضْحِكُنيْ القصيدةُ التي تقولُ في مطلعها: يا وطني،
والشاعرُ الذي يصحو على مواعيد النشيد الوطني.

ـ(2)ـ

يُضْحِكُنِيْ 
المُحَلِّلُ السِّياسيُّ وآخرُ الأخبار عن حرب البسوسْ،
طعنةٌ بالرُّمح في صحيفة الخيول
ضربةٌ بالسَّيف في إذاعة الطبول
والحاكمُ مسترخٍ على طاولة القانون يقرعُ الكُؤوسْ.

ـ(3)ـ

يُضْحِكُنِيْ المناضلُ الثائرُ المسكينُ عندما يثُور
عندما يدُور حول يومهِ المجهُول
مثل شاعرٍ يَكُفُرُ بالكتاب
وهو يستدلُّ في حديثهِ عن الأيَّام والدُّهُور
بالتوراة والإنجيل والزبورْ.

ـ(4)ـ

تُضْحِكُنيْ في عين هذا الشارع اليمين
دمعةٌ تهمُّ بالسّقوط ثُمَّ لا تفعل.. كالجبانِ.

تُضْحِكُنيْ
في عين هذا الشارع اليسار
دمعةٌ تقفز كالفارس من على الحصانِ.

تُضْحِكُنيْ
مغامراتُ شطرِكَ اليماني.

ـ(5)ـ

يُضْحِكُنِيْ خطيبُ المسجد الكبير؛
المُصحفُ الشريفُ فوق ظهرهِ
وتحت رجلهِ كرامة الضّميرْ.

ـ(6)ـ

تُضْحِكُنيْ في المشهد الحزين حالةُ المفكرين والمثقفين؛
الرُّعبُ والرّصاصُ والدّماءُ والأشلاءُ والأهوالُ تملأُ الدُّنيا
وكُلُّهُمُ مُنشغلٌ بِ (نُكَتِ المُحشّشين).

ـ(7)ـ

يُضحِكُنِيْ ينايرُ الضعيفُ
لا يكفي زمانٌ واحدٌ لمنتهى آمالهِ
آمالهُ طويلةُ العمر كبيرةٌ جدًّا 
لكنه لسُوء الحظِّ لم يعش طويلاً
مات في الصِّغرْ..

يُضحِكُنِيْ فبرايرُ الحزينُ
فوق ظهرهِ كانت مشقاتُ الدروبِ
وهو يمشي
لم تكن قصيرةً خطاهُ
كان القُصْرُ في النظرْ..

يُضحِكُنِيْ مارسُ صاحبُ النشيدِ
مارسُ الذي يُمليْ على أبنائهِ الخريف والخضرةَ الجمالَ
ثُمَّ في أرواحهم يقضي على الشجرْ..

يُضحِكُنِيْ أبريلُ آكلُ الأحلام
قبل لحظةٍ يعلو بقامةِ الصَّبرِ
وبعد لحظةٍ يُلقي على رأس العزيمةِ الحجرْ..

يُضحِكُنِيْ مايو الكسيحُ
مرَّ من أمامِهِ النهارُ ذات ليلةٍ
لكنه أحسّ بالبردِ وبالنعاسِ
مرّ من أمامهِ النهارُ
بعد خطوتين همّ أن يتبعهُ فلم يجدْ له أثرْ..

يُضحِكُنِيْ يونيو البليدُ
أوقدَ الشموعَ لانتصارهِ
ونامَ بين الجمر والدُّخانِ فانصهرْ..

يُضحِكُنِيْ يوليو الضَّرِيْرُ
ارتجلَ الألوانَ كي يرى
وعندما رأى -بالفعل- مَزَّقَ الصُّورْ..

يُضحِكُنِيْ أغسطسُ اللئيمُ
يجلدُ الصحراءَ بالبُكاء
وبالأباريق يُعاتبُ المطرْ..

يُضحِكُنِيْ سبتمبرُ اليتيمُ
أُمُّهُ تزوَّجتْ خلف الحدود
وأبوهُ في بدايةِ الخريطةِ انتحرْ..

يُضحِكُنِيْ أكتوبرُ المؤمنُ
غنَّى ثُمَّ غنَّى ثُمَّ غنَّى
حتى قالتِ الأعراسُ: ليتهُ كفرْ..

يُضحِكُنِيْ نوفمبرُ الكاهنُ
ليلُهُ مع البخور والنار وصُبحُهُ مع القدَرْ..

يُضحِكُنِيْ ديسمبرُ المُلقى على الرصيفِ
عن يمينهِ تمثالُ أُمنياتِهِ
وعن يسارهِ جنازةُ السَّفرْ..

يُضحِكُنِيْ تعاقبُ الثّوْرات حول الشمس والقمرْ..
لم يبقَ وقتٌ لم أثُرْ فيهِ على الأشباح والأرواح والبشرْ..

كبرتُ ملء الوقت ثائرًا 
كبرت ملء الحلم ثائرًا 
كبرت حتى صارت الثورةُ في عينيْ صغيييرةً جدًّا 
كبرتُ حتى صرت هكذا: إحدى الكُبَرْ.

ـ(8)ـ

يُضْحِكُنِيْ بأنّ في يدي مسبحةً
وفي فمي قصيدةً خضراءَ كالقاتِ،
وذلك التلفازُ مُمعنٌ فيَّ،
وحلقةُ الأطفال تستعيدُ ذكريات قلبيَ اللَّطيف
كُلُّ هذا وأنا أُردِّدُ الأورادَ في نفسيْ
وأنفاسي تُطاردُ الرَّغيفْ.

ـ(9)ـ

تُضْحِكُنيْ
هذي التفاصيلُ الصَّغيرةُ التي لها علاقةٌ حميمةٌ بِنَزَقِيْ/
هذي التي أكشفُ عن أبعادها بجدولِ الضَّرْبِ الخطيرِ/ بالمُعادلِ المكنُوْنْ..
مُذ أتعبتُها بحكمةِ التأويل أشعرَتني أنني مُشاكسٌ
وحرَّضتْ رأسي على الجنونْ.

ـ(10)ـ

تُضْحِكُنيْ دفاترُ الرَّسمِ القديمةُ.. القديمةْ، 
والرِّيشةُ الجافَّةُ في زاويةِ الصُّورةِ
والدِّيكورُ قبل عرض مسرح الجريمةْ..
تُضْحِكُنيْ الفنونُ
والمدائنُ الرَّمادُ كالقصيدةِ اليتيمةْ..

ـ(11)ـ

يُضْحِكُنيْ المُلُوكُ والعبيدُ في الزمانِ والمكانِ،
يركُضُون في الطبائعِ الأربعِ
يركُضُون في الطّعامِ خارجَ الكلامِ،
والكلامُ في الكواكبِ التي تبيضُ كالدّجاجِ..
جالسٌ يُقشّرُ الأسرارَ للبعيدْ.

ـ(12)ـ

يُضْحِكُنِيْ بأنني أغُضَّ الطّرْفَ
عن أحاديث القُرُون حول الأزل اليتيمْ..
هل أرى سوى طريقتي بين حقيقتين؟!
كم أنا مُغفَّلٌ وكم أنا عظيمْ.

ـ(13)ـ

يُضْحِكُنِيْ الزّحامُ والفراغُ والجُغرافيا
قبل انتحار فكرةِ السَّديمِ بين اللَّوحِ والقلمْ..
لم يضحكوا معي على قوقعةِ التاريخِ؛
حاوَلوا أن يستفزُّوا الأسفَ الشَّديدَ بالعدمْ.

ـ(14)ـ

تُضْحِكُنيْ العوالمُ التي
تزعُمُ أنها تدري لماذا أضحكُ الآن..
من الذي يضحكُ غيري ملء هذا المسرح الكونيِّ؟
من يدري لماذا أضحكُ الآن
وهذا المهرجانُ البشريُّ 
ضِحْكَةٌ لا تُشْبِهُ الرِّئَة؟.

____________ـ 

 


 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24