السبت 23 مارس 2019 آخر تحديث: الجمعة 22 مارس 2019
الجملة الشعرية
في ديوان "سلاماً أيها الفجر" لـ عائشة المحرابي من اليرقة إلى الفراشة - خالد الضبيبي
الساعة 08:33 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

سلاماً أيها الفجر ديوان شعري صدر حديثاً للشاعرة اليمنية عائشة المحرابي .
يحتوي الكتاب على خمسة واربعين نصاً شعرياً مختلفة الرؤية متعددة الاسقاطات وقد احتوى ايضا على مجموعة من النصوص القصيرة جدا في نهاية الكتاب تحمل فكرة الجملة الشعرية القصيرة، بعضها يميل إلى الومضة والبعض الأخر إلى الشذرة وبعضها اقتباسات وفلاشات خالية من الشكل متحررة من القالب ..

في ديوان سلاماً أيها الفجر نرى انضباط في الابعاد التجنيسية الشكلية العامة الداخلية والخارجية والشاعرة اذ تختار عنوان " سلاماً أيها الفجر " تقوم بتلبية هذا العنوان في ما وضعته بالداخل من نصوص بأبعادها التخيلية وبأشكالها المكثفة وبصورها المدهشة وبمجازاتها ورؤاها التى تحمل ابعاد واشتقاقات وصور ومجازات واعية ولا واعية ..ومن خلال نصوص متعددة غير متسقة في البناء العام لعدم تواجدها في مجال زمني متقارب ولكنها تعكس اتفاق ضمني بالبراعة والمقدرة على بناء الجملة المكثفة وخلق الصورة و نسج المفردات التي تتناسب مع الرؤية بشكل حداثي ..

يعد كتاب سلاماً أيها الفجر تجربة إسقاطيه لمفهوم الجملة الشعرية تلك التي يقول عنها د.عزالدين إسماعيل. الذي ابتكر هذا المصطلح - في مسار حديثه عن الشعر ومراحل تكوينه أن الشعر العربي مّر بثلاث مراحل عروضية: مرحلة البيت الشعري وفيها تتمثل القيم الجمالية الشكلية التقليدية التي عرفها الشعر العربي منذ البداية ومرحلة السطر الشعري وهي مرحلة ما يسمى بشعر التفعيلة, ثم أخيرا مرحلة الجملة الشعرية ..

وفي التأصيل لمصطلح الجملة الشعرية ترى الباحثة العراقية ولاء محمد زيدان في بحثها المعنون بناء الجملة الشعرية في شعر محمود البريكان أن علي أحمد باكثير برأي د.عبدالعزيز المقالح ربما يكون أول من نظم الجملة الشعرية. لكنه سماها "الجملة التامة" جاء ذلك في مقدمة باكثير لترجمته مسرحية أخناتون ونفرتيتي* وقد ترجمها شعراً وأوضح عمله بالقول

"البيت الواحد هنا يتألف غالبا من ست تفعيلات وقد ينقص عنها ولايزيد إلا في النادر. كما أن البيت هنا ليس وحدة كما هو الحال في الشعر العربي المألوف وإنما الوحدة هي الجملة التامة ..

واما في ديوان سلاما أيها الفجر فالجملة الشعرية ..هي تلك الجملة التي ولدت حديثا مع انتشار التكنلوجيا و التي تعتبر هامشاً تعبيرياً لغوياً يمارس ارسال ومضات مركبة بشكل سريع وبدون رقابة الضبط الموجودة في المنشورات الورقية والأعمال الخاضعة للضبط الرقابي قبل النشر. وقد وحضرت في زمن الانفجار التكنلوجي مستغلة تراجع النشر الورقي الذي تؤطره الحماية النقدية والمراجعة اللغوية تلك التي تعمل على ضبط اختلال النص وتمنع تجاوز الضبط التقني الكتابية. لهذا نرى الجملة الشعرية الالكترونية تجد بيئة غير مقيدة في الهامش الالكتروني فتنتشر بشكل واسع في مواقع التواصل وعلى سياقات متعددة وفي هوامش مفتوحة.. منها الومضة او الخاطرة أو قصيدة الهايكو.. من هنا بدا مفهوم الجملة الشعرية التي أصبحت تمارس بشكل يومي وتفرض سلطتها وحضورها رغم عشوائيتها وقصورها ..

واعتقد أن الشاعرة في ديوان سلاما أيها الفجر قد استغلت هذا الهامش المفتوح لتدوين جملتها الشعرية بشكل مكثف في فترات مفتوحة اكسبتها حيوية الاطلاق وتقنية التركيب والذي تعكسه جملها الشعرية القصيرة وحتى نصوصها الشعرية الطويلة تلك التي أيضا تحمل منمنمات متسلسلة تجتمع في النهاية على هيئة نص طويل يحمل سمه عامة ورؤية واحدة ..

ولا اخالها الا رتبت كل هذا في مرحلة لاحقه لإعادة ضبط ايقاعات نصوصها .. وربما هذا ما دعاني للأقدام على محاورة النص لديها من خلال المرور الحياتي أو البعد الزمني في هذه الورقة وتحت هذا العنوان

الجملة الشعرية

في ديوان "سلاماً أيها الفجر" لعائشة المحرابي

من اليرقة إلى الفراشة

علميا تعتبر اليرقة هي طور من أطوار النمو لبعض الكائنات ذلك الطور الذي يحمل مواصفات خاصة تعتبر فيه رخوة غير مكتملة البناء وفي نمط حياة مختلف عن حالتها عند البلوغ. جسمها رخوي عادة، وأحيانا بدون البنيات الحركية للبالغ (أجنحة، أرجل). بعضها غير متحرك. عند المفصليات، يكون النمو عبر انسلاخات متتالية. هكذا، يكون عند بعض الأنواع مراحل يرقية متعددة متتالية.

ومن هنا جاء اطلاقي على الجملة الشعرية الالكترونية بتسمية اليرقة، وهو النص الذي يبدا بالحياة .لكن بشكل غير مكتمل البناء، واعتقد ان ما قامت به الشاعرة في ديوان سلاماً أيها الفجر هو الاشتغال على اطلاق اليرقة- النصوص -

التي اطلقتها الكترونيا والتي هي نوعا من أنواع الجملة الشعري وتحويلها في ما بعد إلى فراشة مكتملة البناء واطلاقها في قالب منضبط مرتب يستطيع المنافسة في توليد الرؤى ويمارس دوره الحي في التواجد كمادة مكتملة نهائية فراشية الشكل بأبعادها الفكرية. وتكويناتها المكثف. بصورها الجمالية ورسائلها المتعددة ..

على مدار عدة سنوات كما هو الواضح من تواريخ النصوص في المجموعة

استغلت الشاعرة الهامش المفتوح في العالم الالكتروني لخلق جملتها الشعرية بتجويد المحتوى وهذا واضح وبارز في اغلب النصوص المنشورة مسبقا على مواقع التواصل. التي تطورت فيما بعد واستطاعت تطويرها من خلال محاورة الواقع العام والذي لم يقلل من براعة الشاعرة، ولكن حملها إلى رفع التقنية الكتابية لديها من فترة إلى أخرى.. واستغلت الشاعرة امتزاجها بعوالم اخرى اثرت بها واخذت منها واستطاعت التقدم على بعضها أيضا..

اما بالنسبة لتأثرها اللاوعي بالمدونة العربية كما يقول د. ابراهيم ابو طالب والذي نجده واضح في تناصتاها مع المدونات العربية استطاعت الشاعرة بشكل عام بطريقة أو بأخرى ترويض تجربتها وتعتيق الصور الجميلة لديها لتوليد الترابط الزمني بين عوالم عاشتها، وعوالم ما تزال تحياها، فخلقت اشتقاقات وتراكيب مفتوحة الدلالات تحمل بعض النفحات التي تحاول حملها في تراكيبها إلى عوالم جديدة ولا اخال كل هذا ايضا الا نتيجة اشتغالها على إعادة هيكلة الجملة الشعرية المولودة في طور اليرقة لاحقا لتمتين النص وتجويده .وهو ايضا يعود إلى التأثر والتأثير الذي اكتسبته من الامتزاج بالعوالم المتعددة التي بدت صبغتها واضحة على الجملة الشعرية لديها رغم حداثية الشكل ..

ختام

يعتبر ديوان سلاماً ايها الفجر أجمل مثال لتحول الجملة الشعري من طور اليرقة إلى مرحلة الفراشة وهي تلك المرحلة التي يقوم الشاعر خلالها بتجويد النص وضبط اختلالاته وتحويله من الهامش المفتوح الحر السرمدي على الشبكة الالكترونية إلى نص ورقي جامد نهائي يحمل انضباطيات ومعايير كثيرة منها التزمه بآليات الجملة الشعرية ..والشاعر إذا يعيد صياغة الجملة الشعرية.. لا تكون تامة ونهائية الا بالتزامه بعدة عوامل منها ..

اعادة توليد الجملة وتجويدها وتمتينها وضبطها وتشذيبها اذا لزما الأمر.. وكما هو الحال مع بعض النصوص المنشورة الكترونيا والتي كان لزاما على الشاعرة عند تحويلها إلى البعد الثابت اخضاعها لمختبر التصويب ولعلائقيات اللغة والتكوين والسبك والتركيب السيلم والمراجعة والتدقيق واعادة البناء وعلامات الترقيم والتشكيل .. و اعادة انتاجها مجددا و اطلاقها بشكل نهائي كاملة جاهزة مكتملة البناء في الواقع الورقي الثابت..

..


م13/3/2019

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24