الاثنين 17 يونيو 2019 آخر تحديث: الاثنين 17 يونيو 2019
بين ضفتي الكتابة والنقد..
قراءة في مجموعة " وشاية الليلك" القصصية لفارس البيل - منال عبد الواحد
الساعة 15:11 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


 

ينظر للنقد أنه ديوان الإبداع من حيث تناوله النصوص بشكل ممنهج رغم أنه رديف الفن ويتأثر أيضاً بذوق الناقد نفسه وإحساسه. وتعدد الدلالة والمعنى في الفن هو سبب تطور علم النقد حد التعقيد فهو من جهة يحاول التزام الموضوعية من حيث إخضاع النصوص لمعايير متفق عليها ومن جهة أخرى يحاول كشف مواطن الإبداع والرموز المنثورة فيها، حتى تصبح عملية تضيف للعمل الفني، وكم من استقراءات نقدية أضاءت مواطن مغمورة في النصوص ففاقت النصوص جمالاً

يضاعف العبء على الناقد في التخلي عن أحكامه المسبقة ودرايته بهذا العلم حين يقترف كتابة نص أدبي، وذلك كي لا يقيد الحالة الشعورية التي تكوِّن النص وتؤثر على تدفقه وتتابع الأفكار فيه. وقد تعيق عملية التقمص الوجداني عند خلق النص أمور أخرى، مثل تأثر الكاتب بالذائقة الجمعية أو الخوف من التجربة مثلاً  وما إلى ذلك. لكننا هنا نتناول علم النقد بشكل أساسي كون كاتبنا هنا هو ناقد كذلك. 

بين يدينا مجموعة قصصية بعنوان وشاية الليلك للناقد الثقافي والأدبي الدكتور فارس البيل والتي نال عنها جائزة الشارقة للإبداع الأدبي. 

تقع هذه المجموعة في اثنتي عشرة قصة تصلح كل واحدة منها نواة لعمل سردي أطول. تتفاوت في طولها وموضوعاتها وتقنيات السرد فيها. 

وشاية الليلك عنوان يضاهي بين نقيضين، الجمال والخيانة. وقد يعني التشابه كذلك كون اللون البنفسجي أو الليلكي يرمز للعقلانية والملكية في بعض الثقافات. فأتت الوشاية عن شيء"لاعقلاني". 
وعلى كل، هو عنوان يلح عليك اكتشافه 

 لم يلزم الكاتب نفسه بالخصوصية الزمنية والمكانية بالعموم في نصوصه واعتمد اللغة الفصيحة في الحوار وأمكن القارئ بذلك من مساحة الإسقاط الذاتي. ومن ناحية أخرى قد يكون ضاءل فرصة تعرف القراء على خصوصية البيئة المحلية التي انبثقت منها وإن برزت بعض الخصوصية والرموز لمن يعرف اليمن وبيئتها. 

استهل الكاتب مجموعته بقصة (ما وراء البريق) والمرتبطة بالريف على طبيعته بعيداً عن التمدن المستورد الذي لا يشبهنا. وفي هذه القصة، تجد تصويراً  يعكس ارتباط الكاتب بالريف، ويرمي لسعة الحياة الريفية رغم قساوتها مثل في قوله: " ولا يفقدن قطرة منها طوال الطريق الصاعد والمتعرج إلى الديار" وذلك عند وصفه النسوة يجلبن الماء.
 ولولا رومنسيتها بعض الشيء لكانت من أفضل قصص  المجموعة كونها تطرح تساؤلات حول الهجرة وجدواها وإن كانت تطويراً أم استنزافاً لمقدرات الدول الضعيفة اقتصادياً.
وقد يُرى أن الكاتب أسقط  مافي نفسه في النهاية الرومنسية تلك، كنوع من التفاؤل وأن جذوة الحنين التي لا تنطفئ هو عهدنا مع الأوطان 

نجد بعض الشبه بين قصتي طابور و في انتظار الباص؛ يلقيك الكاتب في الحدث مباشرة عبر افتتاح القصة بالحوار ويشدك بإظهاره صدام أبطالها مع المحيط والأجواء المحبطة للإنسان المستقيم في حياته اليومية. كما أن وصفه الدقيق وتنقله بين حوار الذات والمشهد العام وتسلسل الأحداث بوتيرة مربكة 
جعل القصتين الأقوى حبكة في المجموعة وأكثرها تلقائية في تقديري.

إن نظرنا لوشاية الليلك التي قرر الكاتب استخدام عنوانها للمجموعة، فعلى الرغم من تخلل القصة لمواضع لا منطقية إلا أن جمالها قد يجعلها نواة لفكرة تستحق الإشادة. فالمقدمة الشعرية الرقيقة والتي استخدم فيها مقارنات عدة في وصف أحوال الناس أثناء المطر، في قوله: "هكذا يهرع الناس إلى ظلالهم، يرتعشون تحت أسقف مهترئة تشبه السقوف، تتلقف الماء نيابة عنهم وهم الظامئون إليه" تنطوي على قضايا نفسية واجتماعية عديدة تتبين في القصة فيما بعد. 
كما أن الرمزية التي تتعدى الحب الممنوع إلى الإشارة إلى الوحدة المقتولة بين شطري اليمن من قبل أصحاب المشاريع الصغيرة، تجعلك تعول على إمكانية إعادة صياغتها بحبكة وأسلوب أفضل لإيصال رسالته:
"أن صلاح الأوطان ووحدة النفوس تظل معولة على من لا يزال قادراً على الحب غير المشروط. 

استخدم الكاتب شخصياته لتحريك تساؤلات حول جدوى اللباقة الاجتماعية في حال بقيت صورية في قصة شيطانة الورد،  وكذلك قصة (عقاب الضمير) التي ترك مآل البطل فيها مفتوحاً مشيراً إلى استمرارية الصراع القائم بين الخير والشر.
 كما أنه عقد علاقة - أيًا كان نوعها - مع القارئ وشخصية مد أزرق، الذي يعاني قصور فهم عاطفي واجتماعي. ثم يترك خيار التعاطف معه في إشارة غير مباشرة إلى البيئة الحاضنة لمفاهيمه المغلوطة.  
  
لغة الكاتب متقنة ومؤثرة في كثير من المواضع إلا أنه يُلمس حضور الناقد عند اعتماده الإخبار بدلاً عن الإظهار، وعند تفسيره دوافع الشخصيات أو مسببات الأحداث والتي كان من الأولى تركها لبديهة القارئ وفهمه والاكتفاء بإظهار ما أراد بمشهد أو حوار. 

 يظل ما يثير الانتباه في هذا الكتاب هو تنوع موضوعاته وجمال اللغة وعمقها رغم تفاوت مستويات الحبكة من قصة لأخرى كونها مكتوبة على سبيل التجربة.
عموماً، يبحث القارئ بالمجمل عن أبعاد جديدة تتأتى أثناء القراءة تضفيها تجربة الكاتب وخلفيته. وربما يكون في هذه الحالة في تجارب أخرى إحساساً جديداً ينتج عن نقد واقتراف نابع من الحس الفني ذاته، الأمر الذي
 يزيد من فرص حصولنا على 
نقد شاعري جميل ونص متدفق ضمن بنية سردية محكمة .

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24