الأحد 21 ابريل 2019 آخر تحديث: السبت 20 ابريل 2019
قصة قصيرة ..
مليط - وجدي الأهدل
الساعة 13:00 (الرأي برس - أدب وثقافة)



يعج شارع المطاعم بالمجانين الظرفاء، لكن خلف هذا الظُرف ظَرفٌ مأساوي أودى بهم في نهاية المطاف إلى هذا الرحم الحنون لعلهم يولدون من جديد.
رأيتُ مُلَيط أول مرة وهو يتجول بين طاولات المقاهي والمطاعم المفتوحة على بعضها، وقد وضع في الجيب العلوي لمعطفه بدلاً عن المنديل أو الوردة حبة خبز روتي.
مُلَيط يُناهز عمره الثلاثين عاماً، قصير القامة، متين البنيان كعمود إسمنتي، يمكنه التغلب على عشرة رجال دفعة واحدة، ولكنه كان أكثر من عرفت وداعة.
كان ينضم إلى طاولتنا وكأنه واحد منا، وينصتُ باهتمام شديد جداً إلى أحاديثنا، وكانت تظهر على وجهه التعبيرات المناسبة لمجرى الحديث.. البعض حسبه مخبراً، فكان يتضايق من وجوده.
في إحدى جلساتنا دار نقاش سياسي ساخن، فجأة واحد منا وقد ساورته الشكوك بشأنه وجه له سؤالاً مباشراً: "وأنت ما رأيك؟". بُهت مُلَيط ووقع في ورطة فأجاب بعد تأتأة: "بحسب". عاجله صاحبنا مُضيقاً عليه الخناق: "بحسب ماذا؟". رد مليط وهو يسند رأسه الضخم على كتفه: "بحسب الدولة ما إذا كانت تلد أم تبيض".
ضحكنا جميعاً فأنغض رأسه بين كتفيه وهرب! كان إذا رأى أحدنا يدخن فإنه يطلب منه سيجارة، أحياناً كان يدخنها فيعتدل مزاجه وترتخي عضلات وجهه المشدودة المتوترة، ولكن إذا عصفت به الذكريات فإنه يكتفي بوضعها مشتعلة فوق عضوه التناسلي ويشرد بفكره بعيدا.
ما كاد يمضي وقت على ظهوره حتى تسربت حكايته من شقوق الشارع، وعرفنا السر وراء تطاير عقله إلى أشلاء لا يُرجى لحمها مرة أخرى.
إنه أحد ضحايا الحشيش، رغم أنه لم يجرب تعاطيه مطلقاً، ولكن هكذا هي الحياة، هناك خطأ يقع، وهناك ضحية لا علاقة لها بالأمر تدفع الثمن.
*** 
(خ) شابة في أواسط العشرينات، سافرة الوجه، بشرتها فاتحة كخبز لم ينضج، قصيرة القامة، جعلت نفسها نحيلة بقوة الإرادة، جمالها ملحوظ ولكنه مبتذل كحبة طماطم زاهية من الخارج وعفنة من الداخل، دخلتْ وابتلعتني في ذاكرتها بنظرة واحدة، ولم تُلقِ السلام، قعدتْ خلف المكتب وقررت أن تتجاهل وجودي تماما.
فكرتُ هل هي متحفظة أم متكبرة؟ حتى لو كانت مغترة بنفسها فإنه يفترض أن تكون ودودة مع الزوار بوصفها أحد العاملين في المؤسسة.
كانت ترتدي معطفاً عنابياً طويلاً يصل إلى ركبتها وتحته بنطلون جينز أزرق. أخيراً بعد مضي ثلث ساعة تشجعتُ وقلت لها إنني عبَّأتُ الاستمارة. ردت متغابية: "أية استمارة؟". أخرجتُ الورقة من حقيبتي وناولتها، قالت بعجرفة ودون حتى أن تلقي نظرة سريعة على الاستمارة إن طلبي سيرفض. سحبتُ منها الورقة وقلت لها إنني سأعطيها لموظف آخر وعدت إلى مقعدي.
طلبتْ بالهاتف شطيرة بطاطا مسلوقة؛ ثم اتصلتْ بشخص آخر تشكو له أنها ساقطة في عدة مواد وتريد منه أن يتدخل لأنها واثقة من صحة إجاباتها.
هاتفها النقال أصبح عضواً من أعضاء جسدها، فهي إما تتكلم مع أحدهم أو تلعب ألعاباً إليكترونية. أتت سيدة تسألها عن شركة كذا في أيّ طابق، لم ترفع عينيها عن شاشة هاتفها واكتفت بهزة من رأسها مفادها أنها لا تعرف.
أحسستُ بطاقة المكان السلبية التي تتسربُ إلى الجلد.. البشر هنا يكتسبون طاقة التعالي والغرور، فيتوهمون أنهم أصبحوا أشخاصاً مهمين، أصحاب شركات واعدة ولديهم مكاتب حديثة يديرون منها أعمالهم المزدهرة.
سألتها عن اسم مدير المؤسسة، فردت عليّ وفمها يميل جهة اليمين لثانية ثم يرجع مكانه كباب منزلق: "لا أعرف".
ربما لم أكن نوعها المفضل! وهكذا فضلتُ الانسحاب. عندما خرجتُ قامت بإغلاق الباب خلفي بطريقة مُهينة وكأنها نجحتْ أخيراً في طردي.. لا أدري لماذا شعرتُ بغيظ كقيظ جهنم من صفقها الباب خلفي، غيظ لم أشعر بمثله من قبل في حياتي كلها. خرجتُ أمشي في الشوارع على غير هدى، وغضبي يتفاقم من دقيقة لأخرى.. غضب مُسْتَعِر يشبه انفجار بركان خامد منذ ملايين السنين.. كنت أُفكر بأن أرجع إليها وأقتلها خنقاً وأُنهي المسألة ليكف غضبي عن صهر لحمي. بعد ساعة شعرتُ برغبة لا تقاوم لإشعال حريق في المبنى الذي تقع فيه المؤسسة. ثم راودتني فكرة الترصد في الأيام التالية لعامل البوفيه الذي يجلب لها شطيرة البطاطس المسلوقة ومغافلته برش السم على شطيرتها.
في الليل لم أتمكن من النوم، لم أستطع إخراجها من رأسي، وتوصلتُ إلى خلاصة أن حتى قتلها لم يعد كافياً لأشبع حاجتي للانتقام.. الله أعلم ماذا يُسمى هذا.. لكنها بحماقة غير محسوبة لمستْ في داخلي جرحاً ما كان ينبغي لها أن تمسه.
طلبتُ من صديقة مخلصة أن تُصادقها، فذهبتْ إلى المؤسسة وتقدمتْ باستمارة، وكما هو متوقع تم قبولها. دفعتُ من جيبي كافة التكاليف التي تُؤمن انضمامها بيسر لهذه النخبة المتعالية، وبعد عام تقريباً حققنا هدفنا ونجحتْ صديقي في إغوائها بتدخين الحشيش.
في الشهر الثالث جعلناها تُحلق في الجنة مع الحشيش الأفغاني الفاخر. وانتظرتُ ستة أشهر أخرى. كان يمكنني الانتظار فترة أطول، ولكنها هي التي ألحتْ على صديقتي في التعرف عليّ.. كانت تريد أن تشتري مني الحشيش مباشرة دون وسيط.
حددنا موعداً والتقينا ثلاثتنا في مقهى كوفي كورنر الذي يعد من أرقى مقاهي صنعاء، ولم أتفاجأ أنها لم تتذكرني بالمرة. لاشيء تغيَّر فيها، باستثناء ظهور أرجل الغراب أسفل عينيها. وهذا هو الدليل الوحيد على حضوري المُخاتل في حياتها.
تبادلنا أرقام هواتفنا، ووعدتها أن أُوفر لها احتياجاتها من "الكيف العال" في أيّ وقت تشاء.
فتحتُ لها حساباً لتتمادى في إدمان الحشيش، وحين وصل دينها إلى رقم كبير أدرك أنها ستعجز عن سداده مهما حاولت، هددتها بأنني سأكشف أمرها لزوجها وأطالبه بتسديد ما عليها. قدمتُ لها عرضاً مغريا: أن تُسدد دينها بأن تُطعمني من عسلها. رفضتْ بشدة، وتوقفتْ عن الرد على مكالماتي. لكن الإدمان حطم مقاومتها، وهكذا سلَّمتْ نفسها لي.
ضاجعتها كغازٍ تتري وقعت في يده أسيرة كافرة. أفرغتُ في أحشائها غضبي وغليّ وحقدي، ولكن من كل ذاك تبقى نصفٌ لم يتبدد. بعد عام مللتُ منها، ورأيتُ أن قد حان الوقت للإجهاز عليها.
***
كنت أمتلك حافلة صغيرة – 7 ركاب- وأعمل على خط حدة- التحرير. في الصباح كنت جالساً داخل حافلتي أنتظر دوري في الفرزة كالعادة، فأتى رجل وامرأة وطلبا أن آخذهما في مشوار. قعدا في الخلف متقابلين. الرجل أربعيني أسمر، وسيم، جسده رياضي، حليق الوجه والرأس، يشبه الممثل الأمريكي دنزل واشنطن، يضع على عنقه سلسلة حديدية، ويلف مسبحتين بنيتين على معصمه الأيمن لهما حبال متدلية لونها أسود.
ثم راحا يتكلمان بالرموز. فهمتُ أن المرأة المنقبة التي تخفي كفيها بداخل قفازين أسودين هي قوادة، وأن الرجل الأنيق الذي ستر عينيه بنظارة سوداء هو الزبون. كانا يتكلمان في الظاهر عن موديلات السيارات، ومعروف عندنا أن بعضاً من هذه الموديلات قد سُمِّيت بأسماء ممثلات مصريات. خمنتُ عندما تحدثت القوادة عن امتلاكها سيارة "إلهام شاهين" مُسْتَخْدَم نظيف، أنها تُشير إلى عاهرة متميزة. ثم فجأة خاطبتني القوادة إن كنت أرغب في التمتع بركوب سياراتها؟ ضحكت وقلت لها شكرا.
صففتُ الحافلة قرب بوابة المطعم الهندي، فنزلتْ القوادة وقالت إنها ستحضر الموديل الجديد. وظل الزبون قابعاً في مكانه. بعد خمس دقائق خرجتْ من بوابة المطعم تلك القوادة وهي تمسك بيد زوجتي!
حين رأت زوجتي الحافلة عرفتها فامتقع وجهها وتخشبت في مكانها. بعد زوال أثر المفاجأة اندفعتُ نحوها وقد أشهرت جنبيتي، هرعتْ عائدة المطعم فلحقتُ بها، ولكن تمكن العمال الهنود من إنقاذها. كنت هائجاً، حطمتُ زجاج النوافذ والأبواب وطاولات الطعام والكراسي والثريات والمصابيح وكل ما طالته يدي، وحين حضرتْ الشرطة تعاركتُ معهم، فضربوني بأعقاب البنادق على رأسي حتى سالت الدماء بغزارة على وجهي وثيابي، وأخرجوني بالقوة من المطعم، وهم يقتادونني إلى سيارة جيب الشرطة، حانت مني التفاتة فلم أُبصر حافلتي في مكانها.
خرجتُ من السجن بعد عدة أشهر، زوجتي اختفتْ كأن عالم الجن قد ابتلعها، وحافلتي لم أعثر عليها مطلقاً. 
يقولون عني إنني مجنون، فأقول لهم: "بحسب". فيسألونني: "بحسب ماذا؟". فأجيبهم: "بحسب الشعب ما إذا كان يلد أم يبيض".

 

منقولة من صحيفة اليمني الأمريكي ..

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24