الثلاثاء 18 يونيو 2019 آخر تحديث: الثلاثاء 18 يونيو 2019
“بخور عدني” لـ علي المقري… سؤال الوطن ومعنى الهوية - نزار غالب فليحان
الساعة 10:11 (الرأي برس - أدب وثقافة)



يَرْتَبِكُ سؤال الوطن وتهتز الهوية في رواية “بخور عدني” لـ “علي المقري“، حين يقرر “ميشيل” الأعرج الالتحاق بجيش بلاده في الجبهة للدفاع عن الوطن تعبيراً عن انتمائه ووطنيته أو ربما انتصاراً على عرجه مستخدماً بطاقة “فرانسوا” الدراسية التي تدل على أنه سليم وصالح للقتال، “فرانسوا” الذي لم يَعْنِ له القتال والدفاع عن الوطن شيئاً رغم دفع وإصرار والده تحت شعارات كبيرة، ليتبادل الصديقان الأدوار، فيعطي “ميشيل” شهادة ميلاده إلى “فرانسوا” ويتنازل الأخير عن بطاقته الدراسة لـ “ميشيل”، كانت أم “ميشيل” قد حصلت لابنها على شهادة تعفيه من ذلك.

يفر “فرانسوا” إلى عدن بهوية “ميشيل”، حيث زوج خالة الأخير يدير شركة هناك، كانت أم “ميشيل” قد طلبت من “فرانسوا” يوماً أن يقنع صديقه “ميشيل” بالعدول عن قرار الالتحاق بالحرب والسفر إلى عدن للعمل فيها.

عدن (كريتر)، فوهة البركان الخامد في مياه خليج عدن، كانت حينها ملاذاً آمناً للهاربين من جحيم الحروب، من كل الأعراق والأديان والجنسيات، احتضنت إبان الحرب العالمية الثانية في من احتضنتهم “ميشيل” أو “فرانسوا” الذي غادر فرنسا هارباً من الموت قاصداً إياها ليلتقي “ماما” التي حلمت يوماً أنها ستلتقي شاباً هارباً من الرصاص فتحتضنه وتبخره وتمشي معه في ذات الشارع الذي كانت قد التقته فيه وصارت ملجأه الحقيقي وملاذه كلما اجتاحه شعور بالغربة أو الضيق، كانت “ماما” دليله منذ اللحظة الأولى وعرابته في بلد يؤوي الجميع دون أن يقرأ تفاصيل هوياتهم أو يعيرها اهتماماً، البلد الذي ارتَجَّ و استثير بركانه حين ثار الشعب على الاحتلال البريطاني وبدأ يتصدع ويتمزق في منحى قومي وآخر ديني طال أول ما طال الأغراب وعلى وجه الخصوص اليهود الذين كان ساستهم قد بدأوا للتو في مكان آخر من الأرض بسط سيطرتهم على فلسطين العربية كما يراها القوميون والمسلمة كما يراها التيار الديني.

وبخور عدن الذي أحدث أول تغيير في هوية “ميشيل” أو “فرانسوا” حين بخرته “ماما” قبل الخروج الأول إلى مقهىً في عدن، بخور عدن “البوابة من البحر إلى البحر التي لا يمكن لأحد أن يغلقها” كان عتبة الرواية، وكان ختامها تغيير وجه وتاريخ عدن بعد الحرب.

بعد الحرب ظلَّ البخور بخوراً، لكن بنكهة حزينة، وظَلَّتْ عدن عدن، لكن بتفاصيل بائسة، شوهتها الحرب وبعثرتها الإيديولوجيا، فاحترق دكان اليهودي، وهاجرت المغينة اليهودية الجميلة “براخا كوهين” “شمعة” في الرواية وفي ذاكرة العدنيين، وماتت أحلام “ماما”، وظل سؤال “ميشيل” أو “فرانسوا” مُلِحّاً: (هل الوطن كذبة سيبحث كل منا يوماً عن بديل له؟ أليس اللا وطن وهماً أيضاً؟)

أجل… بقي سؤال الهوية مفتوحاً كجرح نازف تثخنه استحالة الإجابة بسكينها المثلمة كل حين، ويرش عليه الاغتراب القسري ملحه كل حنين.

في “بخور عدني” تبدو عدن بحلة خاصة تميزها، ثمة طابع مختلف للمدينة، هي فضاء للحب والفن والتلاقح الثقافي والحوار السياسي والبخور، في هذه الأجواء حكى “ميشيل” أو “فرانسوا” الهارب من الحرب في وطنه يومياته و انطباعاته ورؤاه، وأحب في عدن “ماما” وتعلق بها دون أن يطفو هذا الحب على السطح، هو الذي يوماً ما عشق في فرنسا “شانتيل” ابنة حيه ورفيقته ورفيقة رفاقه وما أينع عشقة هناك.

رواية “بخور عدني” رواية أجواء ساحرة غير مُتَكَلَّفٍ في رصدها، تستمد طغيان حضورها من بساطة لغتها ورشاقة سردها، ما يأسرك ويشوقك أن تنهي قراءتها ربما بجلسة واحدة.

في ختام نصه الدافئ حَدَّ الثَّمَل بعبق عدن، برقَّةِ “ماما”، بعذوبة “شمعة”، يقول “علي المقري” على لسان “ماما” بطلة روايته : (كأنَّ الحياة بركان، يهدأ حين نتوزع منه، لكنه يصبح ثائراً متفجراً ولا يخمد، وإن بدا لنا خامداً، إذا ما تلاقت براكيننا الخاصة في بركان واحد.)

أجل… كأنَّ المكانَ سحابةٌ من دخانٍ، تخشى أن تطأَهُ لحظةَ تألفُهُ وتأنسُ به، وكأنَّ الناسَ سرابٌ ذاتَ تَشَظٍّ، تحتضنُ إن احتضنتَهُمْ وهماً أو خيالاً، وكأنَّ الدَّعَةَ التي كنْتَ فيها جحيمٌ حين اختبرَها القدرُ، وكأنَّ الهويةَ قبضُ ريحٍ، ضربٌ من عَبَثٍ، وكأنَّ الوطنَ يبابٌ في يباب.

منقولة من منصة Re الثقافية .

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24