الاربعاء 22 مايو 2019 آخر تحديث: الاربعاء 22 مايو 2019
دور الحضارم في النهضة الأدبية في عدن قبل الاستقلال - أ.د. مسعود عمشوش
الساعة 16:50 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

من المسلم له أن تعددية الأعراق والروافد البشرية (أو الكوسموبوليتية) هي السمة الأبرز لسكان مدينة عدن منذ أقدم العصور. (انظر دراستنا: عدن مدينة كوسموبوليتية، في كتابنا عدن في كتابات الرحالة الفرنسية، 2003). ومن المعلوم أيضا أن كثيراً من الحضارم، المشهورين بالترحال والهجرة، قد اضطروا إلى ترك أرضهم (الطاردة) والاستقرار في عدد من المناطق المجاورة أو البعيدة. وساعدتهم أخلاقهم الرفيعة وحسن تعاملهم مع الآخرين، وحرصهم على المشاركة الفاعلة في تطوير تلك المجتمعات التي اختاروا الحياة وسطها، على الانصهار فيها بسهولة وتشكيل جزءٍ مهمٍ من نسيجها الأصيل. ومن هذه المجتمعات: مجتمع عدن الذي ترك العدنيون المنحدرون من أصول حضرمية فيه بصمات واضحة في مختلف أوجه الحياة منذ زمن بعيد. وفي هذه الدراسة سنركز على الدور الريادي الذي قام به عدد من هؤلاء (العدنيين الحضارم) في النهوض بالحركة الثقافية والإبداع الأدبي الذي شهدتها المدينة منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى الاستقلال في 30 نوفمبر سنة 1967. ومن الأهمية بمكان أن نؤكد أن ما نلمسه اليوم من غياب وتغييب أو تناسي للعدنيين من ذوي الأصول الحضرمية في المجالس والهياكل المحلية والإدارية في محافظة عدن يُعد من أبرز العوامل التي دفعتنا إلى التذكير هنا بدورهم الريادي في النهضة الثقافية والأدبية في مدينتهم عدن.
ومن المعلوم كذلك أن عددا من الأدباء العدنيين، لاسيما من بين الذين اختار أهلهم الحضارم أو هم الاستقرار في مدينة عدن قد تمكنوا في تلك الفترة من الجمع بين قراءة كتب التراث العربي والإسلامي والاطلاع على بعض إرهاصات الحداثة العربية التي تحتويها الصحف والمجلات والكتب التي تصلهم من مصر والشام، وسعوا إلى الإسهام في تنشيط الحياة الأدبية والثقافية في المنتديات والمخيمات الأدبية، والمشاركة في المعارك الأدبية التي شهدتها الصحف والمجلات الصادرة في عدن قبل الاستقلال، وذلك دون أن يتبوؤوا مركزا مميزا في مسار الأدب في عدن، من هؤلاء: محمد بركات وحسين الصافي وباسودان وحسين البار.

 

وهناك عدد من الأدباء العدنيين الحضارم الذين عاشوا في عدن في تلك الفترة وسعوا للخروج من أسر القوالب الأدبية التقليدية وتجريب بعض الأجناس الأدبية الحديثة، وتمكنوا بفضل ذلك من اكتساب شهرة أدبية على مستوى بلادنا والساحة العربية بشكل عام. وسنركز في هذه الورقة على خمسة منهم: وأحمد محفوظ عمر مؤلف أول مجموعة قصصية في بلادنا: (الناب الأزرق)، وحسين سالم باصديق أول مؤلف مسرحي في عدن، وعلي عبد الرزاق باذيب، مؤلف (ممنوع الدخول) ورائد الأدب الملتزم في عدن، والقاص عبد الله سالم باوزير رائد كتابة السيرة الذاتية في عدن، وعلي أحمد باكثير أول من كرس ديوان شعر كامل لمدينة عدن التي أقام فيها بين سنة 1932 إلى سنة 1933. 
 

أولاً- علي أحمد باكثير:
من المعلوم أن علي أحمد باكثير قد وصل عدن بحرا قبيل منتصف سنة 1932، وأقام فيها حتى منتصف 1933 حينما غادرها إلى الصومال والحبشة في طريقه الى الحجاز التي استقر بها قبل أن ينتقل إلى مصر سنة 1934. وكان باكثير خلال إقامته في سيؤن قد مارس الكتابة الشعرية ونظم قصائد ضمنها ديوانه (أزهار الربا في شعر الصبا) وقام بتحرير صحيفة (التهذيب). لهذا خلال إقامته في عدن كان كثير العطاء واستطاع أن يقيم علاقات واسعة مع أدبائها، لا سيما مع الأديب محمد علي لقمان وأحمد محمد العبادي وعمر محمد محيرز الذي ظل يراسله حتى بعد مغادرته لعدن. وتردد باكثير على مختلف النوادي والمخيمات الأدبية التي كانت نشطة في عدن في تلك الفترة. وقام بتأليف أناشيد لفروع نادي الإصلاح العربي الإسلامي بفروعه الثلاثة التي تأسست في التواهي والشيخ عثمان وكريتر. 
 

وقد قام باكثير خلال تلك الفترة بكتابة عددٍ من القصائد بعث ببعض منها للنشر في الصحف والمجلات المصرية مثل مجلة (الفتح) وجريدة (الجهاد)، وفي بعض الصحف الحضرمية في جاوة وسنغافورة مثل جريدة (العرب) و(مجلة الرابطة العلوية). وفي عام 2008 أصدر د. محمد أبوبكر حميد ستا وأربعين قصيدة منها في ديوان بعنوان (سحر عدن وفخر اليمن، مكتبة كنوز المعرفة جدة ودار حضرموت للدراسات والنشر في المكلا).
 

ويتضمن الديوان عددا كبيرا من القصائد التي خصّ بها باكثير مدينة عدن، مثل: (عدن ثغر جميل)، و(عفاف الريح في عدن*، و(في بستان عدن)، و(على شاطئ عدن)، و(مصوّر عدن)، وقصيدة بعنوان (نهضة عدن) ارتجلها باكثير خلال مشاركته في حفل تكريم أقامه نادي (الشيخ عثمان) للشاعر عبدالله بن أحمد بن يحيى الذي تخرج في الأزهر سنة 1932. 
وعندما ركب باكثير السفينة التي غادر بها عدن كتب القصيدة القصيرة الآتية:
(استودع الله عدن)
أستودع الله عدن مسقط رأسي والسكن
أستودع الله أبي والصنوً والظبيَ الأغنْ
وكل من فيها ثوى وكل من فيها سكن
من فوق شمسان إلى مرسى البواخر والسفن. ص161

 

ويتضمن ديوان (سحر عدن) عددا من القصائد خصّ بها علي باكثير صديقه العدني محمد علي لقمان، وتفصح عن ميله للقوالب الشعرية الطليعية؛ فقصيدة (رسم علي لقمان) -مثلا- تذكرنا منها بفن (الكاليقرام الشعري) الذي مارسه الشعراء السرياليين. كما اقترب باكثير في هذه القصيدة التي لم تلتزم بوزن واحد من فن الموشحات الأندلسية، وقد جاء مطلعها على النحو الآتي:
أيها الرسم تكلم! ما الذي يمنعك التكلما؟
ولماذا تبستم؟ ويكَ! من علمك التبسما؟ ص107

 

وقد كتب عن د. محمد أبوبكر حميد عن القصيدة، قائلا: "وقد وضعنا القصيدة بالشكل الذي كتبه الشاعر عليه، وهي من إرهاصاته بالتجديد الذي أحدثه بعد ذلك في الشعر العربي ونال به ريادة الشعر الحر كما هو معروف بترجمته لمسرحية روميو جوليت سنة 1936 ثم تأليفه مسرحية (إخناتون ونفرتيتي) سنة 1938، والتزامه فيها بحرا واحدا هو بحر المتدارك". ص107
 

وآخر قصيدة في ديوان (سحر عدن وفخر اليمن) هي (نشيد دولة الجنوب) التي كتبها بعد رحيل الاستعمار عن الجنوب: يا دولة الجنوب/ يا بلسم الجراح/ في ظلمة الخطوب/ أشرقت كالصباح/..)
 

 

ثانيا- حسين سالم باصديق:
تعود جذور عائلة الأديب حسين سالم باصديق، التي استقرت في عدن في مطلع القرن العشرين إلى وادي حضرموت. وكانت ميلاده في عدن في التاسع من ديسمبر من سنة 1928. ومثل المؤرخ عبد الله محيرز وكثير من أبناء العدنيين، التحق حسين باصديق بالتعليم النظامي الحكومي. وبفضل تميّزه تمكن من الحصول على شهادة كامبريدج العليا التي تعادل الثانوية العامة سنة 1948. واستطاع خلال دراسته أن يطلع على عيون الأدب العربي والإنجليزي، واهتمّ كثيرا بفنون المقالة والمسرح والرواية والقصة القصيرة. وحالما أنهى المرحلة الثانوية شرع في ممارسة الكتابة الأدبية، ونشر بعض المقالات والنصوص المسرحية في الصحف والمجلات. وليكسب رزقه قَبِل العمل في مصلحة الإرصاد الجوي في مطار عدن لمدة عامين. وفي سنة 1951 التحق بسلك التدريس وعُيّن معلما في مدرسة بازرعة الخيرية الإسلامية. وفي فيراير من سنة 1956 تم إخراج مسرحيته (بايع البطيخ) التي تتضمن بعض الملامح الاجتماعية اليسارية التي تعكس انفتاح باصديق منذ ذلك الحين -ومثل كثير من المثقفين العرب-، على آداب أوروبا الشرقية وذلك بسبب رد الفعل ضد الاستعمار الغربي، ودعم الاتحاد السوفييتي لحركات التحرر العربي. وسنجد تلك الملامح في القصص والروايات الكثيرة التي نشرها باصديق بعد الاستقلال مثل مجموعة (الجرة) وروايات (طريق الغيوم) و(عذراء الجبل رواية) و(الابحار على متن حسناء). ومن المؤكد أن العدني الحضرمي حسين سالم باصديق يُعد أحد رواد المسرح والقصة القصيرة والرواية في عدن.

 

ثالثا- علي عبد الرزاق باذيب:
يُعد علي عبد الرزاق باذيب، الذي ولد في الشحر بحضرموت، سياسي وصحفي عدني في المقام الأول؛ فهو في الخمسينيات من القرن الماضي كتب في عدد من الصحف وتولى سكرتارية أكثر من صحيفة عدنية، وعُيّن مديراً لتحرير صحيفة (البعث)، ثم صحيفة (الجنوب العربي) وصحيفة (النهضة). وكتب أيضا في صحيفة (الطليعة) التي صدرت في تعز عام 1959. وقد غلبت الروح الثورية على جميع كتابات علي باذيب، وبسبب ذلك عانى ويلات الاستعمار البريطاني الذي وضعه في السجن في عدن ثم في زنجبار، عام 1963. وبعد خروجه من السجن نشر باذيب مجموعته القصصية (ممنوع الدخول)، التي تعد أحسن نموذج للأدب الملتزم في بلادنا. ومن الوضح أنّ الهدف الرئيس لهذه المجموعة هو الدعوة إلى مقاومة الاستعمار البريطاني وبشكل رئيس من خلال تقديم نموذجي الثورة المصرية والثورة الجزائرية. فالقصة الثانية من مجموعة (ممنوع الدخول)، التي تحمل عنوان (تحيا مصر)، تحكي مشاركة الآلاف من أبناء عدن في مسيرة ضد المستعمر البريطاني خلال فترة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وذلك من خلال رصد مشاعر أحد أبناء عدن -التلميذ محسن الذي كان في الثالثة عشر من عمره - ضد العدوان الثلاثي على مصر، في المدرسة وفي البيت. ففي المدرسة، يقول الراوي: "اشتد صوت معلمه وهو يقول وعيناه تطوفان على جميع تلاميذ الصف: لكن مصر ستنتصر؛ إنها تحارب بشجاعة والعالم كله يقف مع مصر، وكانوا على ثقة من أننا نحن العرب سننتصر.. لازم ننتصر". 
 

ومن الواضح كذلك أن هذه القصة القصيرة تربط بين الإعجاب بمصر وثورة مصر وبين بدء التعبير عن رفض الاستعمار البريطاني في عدن، عن طريق المشاركة في المظاهرات التي تهتف بصوت عالي: (يسقط الاستعمار). فالتلميذ محسن يقف بجوار النافذة، وتطرق سمعه أصوات عالية، ويتجه بعينيه إلى الشارع. و"كانت مظاهرة كبيرة تملأ الشارع وعلى الرغم من تحذيرات أمه، حمل صورة عبد الناصر وهتف مع الهاتفين: تحيا مصر، يسقط الاستعمار. ونصب جسمه وبدأ يخطو بثبات وقوة ويداه ترتفعان وتنخفضان في انسجام مع بقية الأولاد، وصدره يلهث وعيناه تحمران وتتسعان وهو يردد، من كل قلبه وبكل قوته، مع الآخرين، (تحيا مصر! يسقط الاستعمار).
 

وإذا كانت هذه القصة القصيرة تسرد تضامن أبناء عدن مع الشعب المصري وجمال عبد الناصر، فمن الواضح أن القاص علي باذيب- في هذه القصة وفي قصة (واحد منهم) التي تسجل تضامن أبناء عدن مع ثوار الجزائر، كان يمارس التوعية والتحريض الثوري، ويدعو أبناء مدينته عدن إلى مقاومة الاستعمار. ويدلل رفع صور جمال عبد اناصر في تلك المظاهرات على رغبة المتظاهرين في مقاومة الاستعمار في عدن أكثر من التضامن مع ثوار مصر أو الجزائر.
 

أما في قصة (والله قصة يا بو خليل)، أحدى قصص مجموعة (ممنوع الدخول التي صدرت قبل اندلاع ثورة 14 اكتوبر عام 1963)، فلا يتردد باذيب من التلميح بأن الشباب ربما قد شرعوا في مقاومة الاستعمار بوسائل أخرى غير الكلمات والمظاهرات؛ وقد عبّر الراوي عن ذلك بمزيج من اللغة الفصحى واللغة العامية العدنية قائلا: "مرر أبو خليل يده على وجهه، ثم حك مؤخرة رأسه بأصابعه، وعاد يفكر بحيرة واستغراب في عيال هذا الزمان اللي ما يشتوا يسمعوا كلام العقال.. وليتهم يفهمون الحياة من صدق! مش بس جالسين يتعلموا في المدرسة ويتكلموا في السياسة ويسبوا الاستعمار.. والله أعلم إش ثاني... الله يستر... بس". (ممنوع الدخول ص69، منشورات الصبان وشركاه عدن 1963)
 

أما في قصة (ممنوع الدخول) التي أعطت للمجموعة اسمها، فيحكي الراوي كيف فكر الأطفال- أثناء اللعب - في جلب بعض المفرقعات لإشعالها حين مجيء الدورية البريطانية. وعندما نبههم أحد الآباء إلى خطورة النتائج، قرروا التعبير عن رفضهم للاستعمار بإقامة حاجز/متراس عند مدخل الزقاق، علقوا عليه لافتة كتبوا عليها بالفحم "هذي طريق الأحرار ممنوع الدخول "نو أنتري". ونقلوا العبارة الإنجليزية من لوحة إشارات المرور. وتنتهي القصة بفرح الأطفال لهذا المتراس، الذي أقاموه في وجه جنود الاحتلال.
 

ويقول الراوي: "واتجهت الأعين ترمق فاروقاً بغبطة وإعجاب وأخذ هو قطعة الفحم وركع على ركبته، وبدأ يكتب، بدأ يكتب باضطراب وصعد الدم إلى رأسه وأحس برعشة تسري في كيانه وباختلاج في أصابعه.. وصاح سعيد، الذي كان يحس بالسعادة وهو يرى فكرته تتحقق ويقبل عليها جميع الزملاء بحماس ثم بصوت واحد انطلق صوتهم جميعاً يقرأ ما كتبه فاروق على لوحة الخشب. 
)هذي طريق الأحرار ممنوع دخول الاستعمار NO ENTRY! نو أنتري(

 

 

رابعا- أحمد محفوظ عمر:
يُعد أحمد محفوظ عمر، الذي ينحدر من عائلة حضرمية من الشحر، أحد رواد كتابة القصة القصيرة في اليمن؛ ففي عام 1956 منحته صحيفة (النهضة)، التي كان علي باذيب يدير تحريرها، جائزة لفوزه في مسابقة للقصة القصيرة نظمتها الصحيفة. وقد نشر أحمد محفوظ عمر عددا من المجموعات القصصية هي (الإنذار الممزق) التي صدرت سنة 1960، ويعدها النقاد اول مجموعة قصصية في بلادنا، و(الأجراس الصامتة 1974)، و(يا أهل هذا الجبل 1978) و(الناب الأزرق).
تتضمن مجموعة (الناب الأزرق)، التي تعد المجموعة الرابعة لأحمد محفوظ عمر من حيث النشر، خمس قصص قصيرة تمزج بين الاتجاه الواقعي التسجيلي والاتجاه الواقعي النقدي، وكلها كـُتِبت ونشرت في الصحف المحلية، خلال فترة الاستعمار البريطاني أي خلال فترة المقاومة. وقد حرص أحمد محفوظ عمر على توثيق تاريخ النشر الأول ومكانه تحت عنوان كل واحدة منها، لكي يؤكد ريادته للقصة القصيرة في بلادنا.


وكما هي الحال في فصص باذيب تجسد قصتان من قصص هذه المجموعة مقاومة الاستعمار في عدن: (حساب الشعب) و(الناب الأزرق)، أما الثلاث الأخريات فتتناول بالنقد بعض الظواهر الاجتماعية في عدن.
 

وتتضمن القصة الأولى من المجموعة: (حساب الشعب)، التي نشرت في 20 نوفمبر عام 1956 في صحيفة (الجنوب العربي)، نقدا مستحيا، ليس موجها ضد الاستعمار البريطاني مباشرة، بل ضد أحد أعوانه الذي انتخِبَ نائبا في المجلس التشريعي بفضل وعوده البراقة والكاذبة لأفراد المجتمع العدني. وعند قرب موعد الانتخابات التالية، بعد خمس سنوات من توليه منصبه، "عدل عن ترشيح نفسه في بادئ الأمر، لكنه وافق عندما سمع سماسرته وأذنابه المقربين إليه يزعمون أنه لم يزل يتمتع بحب الشعب وعطفه وثقته، وصدّق زملاءه مصاصي الدماء، خاصة عندما رأى أكداس الذهب بين يديه، العمارات الشاهقة أمام عينيه، وأخذ كعادته ينثر نقوده هنا وهناك لغرض الدعاية.. وظن أن الشعب ستغره النقود، وما درى أنه أعدّ العدة لليوم المنشود. وعند فرز الأصوات أغمي عليه عندما رأى اسمه في مؤخرة الفاشلين، وخرج يجر أذيال الهزيمة بينما أفراد الشعب يلاحقونه بالشماتة... وتناهى صوت الأرملة الحزينة إلى أذنيه كالرعد القاصف: يا ويلك من حساب الشعب!"ص16
 

أما قصة (الناب الأزرق)، التي نشرت لأول مرة في صحيفة الأيام بتاريخ 15 مارس 1964)، والتي تحمل المجموعة اسمها، فتصور بطريقة رمزية بعض أحداث ثورة 26 سبتمبر، وتدعو أبناء الجنوب إلى دعم هذه الثورة والمحافظة على مكتسباتها. كما أنها تتضمن دعوة مبطنة إلى أبناء الجنوب إلى نبذ الثورة بالكلام والفلسفة والبدء في مقاومة الاستعمار بالسلاح. نلمس ذلك من تجربة الحاج سعيد، أحد أبناء الشمال الذين هربوا من حكم الناب الزرق (الإمام)، واكتفوا في البداية بسبه وشتمه من عدن، وعندما قيل له (ص40-41): "لماذا لا تذهب وتحطم الناب الزرق بيدك؟ وشعر الحاج سعيد بالصفعة تملأ وجهه، وبأن كل كلمة هي بمثابة خنجر ينغرس في لحمه. ونكس رأسه إلى الأرض وأبت لسانه الحراك، وشعر أن السهم المنطلق قد أصاب منه مقتلا.. فلماذا لا يذهب إلى قلب المعركة وقد ذهب إليها من يقلون منه طول لسان وفهما لحقيقة المعركة وطبيعتها؟ وقد أصبحت الآن الفرصة سانحة له لكي يحطم الناب الازرق ويشارك في تحطيمه. إنه يشعر تماما أن الكلام وحده لا يجدي، بل على العكس يضاعف الجراح ويخلق له أراجوزا للتسلية والسخرية. العمل الجاد هو الذي يضع حدا للإشكال، وعليه أن يلجأ إلى فلسفة أخرى: هي فلسفة السلاح، وأن يودع الكلام والتكهنات السياسية .. وإلا فليصمت.. وذلك خير له وأسلم".
 

ويرى فيصل الصوفي أن مجموعة (الناب الأزرق): "تشير إلى طبيعة الدور النضالي الذي اضطلعت به القصة اليمنية القصيرة في حشد الهمم وإيقاظ الوعي الجماهيري، وإلهاب الضمائر الوطنية، للنضال ضد القوى الرجعية والاستعمار في اليمن".
 

وفي هذه المجموعة (الإنذار الممزق) يصور أحمد محفوظ عمر كذلك مقاومة الاستعمار في عدن؛ فالقصة الرابعة منها (الإنذار المبكر)، التي أعطت للمجموعة عنوانها، تتميز عن القصص القصيرة الأخرى بأنها تتضمن تصويرا لتمرد الشعب اليمني في الريف ضد الاستعمار وأذنابه، وذلك من خلال رفض أحد زعماء القبائل الانصياع لأوامر سلطات الحماية البريطانية، وتمزيق الإنذار الذي وجهته له بتسليم اثنين من المعارضين لسلطتهم. "وقبل أن يبت الشيخ في الأمر نقَّلَ عينيه بين وجوه جلسائه أو بالأحرى برلمانه الشعبي، فقرأ على وجوههم الشاحبة آيات الاستنكار والإصرار على رفضه، فالتقط الشيخُ الرسالة بحركة آلية ومزقها نصفين، ثم أعادها إلى الرسول ثانية، وقال بصوت يخنقه الغيظ: نحن في الانتظار للترحيب بكم، وعاد الرسول إلى حكومته".(ص13)
 

 

خامسا- القاص عبد الله سالم باوزير:
ولد القاص المبدع عبد الله سالم باوزير- مؤلف (سفينة نوح 1967، والزمن المفقود وأنا والحياة) رائد كتابة السيرة الذاتية في عدن- في غيل باوزير، لكنه منذ سنة 1954 فضل الاستقرار في عدن للعمل وممارسة الكتابة، فمنذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي شرع في كتابة القصة القصيرة والمسرحية وأدب الرحلات والسيرة الذاتية، والمقالات. وبفضل إتقانه لأدوات السرد استطاع، منذ عام 1965، حينما نشر أول مجموعاته القصصية (الرمال الذهبية)، أن يفرض نفسه في الساحة الأدبية محليا وعربيا، وأصبح أحد رواد هذا الجنس الأدبي بلادنا. وقد نشر مجموعته الثانية (ثورة البركان) في نهاية عام 1967، ومجموعة (الحذاء) عام 1987، ومجموعة (سقوط طائر الخشب) عام 1991، (محاولة اغتيال حلم) عام 1999، بالإضافة إلى تلك المجموعات القصصية نشر باوزير كتبا أخرى أهمها (يا طالع الفضاء 1995) و(أيام في بومباي 1998)، وطبعة جديدة ومزيدة من (سفينة نوح 2001)، و(حمقاء لكن ظرفاء)، و(ديش وغداء ما فيش).
 

وتعد (الرمال الذهبية)، التي أصدرتها منشورات الصبان في عدن في يناير من عام 1965، المجموعة الأولى التي ينشرها عبد الله باوزير. وإذا كانت هذه المجموعة لم تتضمن نصوصا تركز على قضية مقاومة الاستعمار بشكل مباشر، فـ (المتسللون)، أول قصة نشرها عبد الله سالم باوزير - باسم مستعار (عبده) - في صحيفة الطليعة في 11 أبريل من عام 1963، كانت تحتفي بانتصار ثورة 26 سبتمبر في شمال اليمن.
 

وكما هو الحال في معظم قصصه القصيرة، حاول باوزير في هذه القصة تصوير نضال اليمنيين ضد بقايا الإمامة وأذناب الاستعمار الذين حاولوا إجهاض ثورة 26 سبتمبر، وذلك من خلال الجمع بين فن المفارقة وبعض العناصر الرومانسية.
 

فالروي يحكي كيف ينتهي الأمر بإحدى الأمهات المتحمسات للثورة أن تقتل ولديها اعتقادا منها أنهما من المتسللين. "توقفت أم الخير قليلا عن تتبع خواطرها لتمسح دمعتين انحدرتا على وجنتيها الغائرتين، وقد بلغ بها التأثر مداه؛ فزوجها الذي بارح لتوه المنزل ليدافع عن قريته وليفتدي ثورته التي أطاحت بالإمامة الباغية، قتله المتسللون، قتلوه لأنه شيخ كبير لا يقوى على القتال. علمت بكل شيء من ذلك الشاب الذي يقود المعركة ضد المتسللين الذين بعثهم الاستعمار والرجعية. ... ولم تشعر أم الخير بنفسها إلا وهي تصيح فجأة بصوت مسموع: أين أنتم يا أولادي؟ أين أنتم يا أولادي لتذيقوا هؤلاء الكلاب الموت...". ورغم كبر سنها فقد حملت أم الخير البندقية وتقدمت إلى ميدان المعركة وعند عودتها إلى قريتها في الظلام لمحت شبحين يحاولان فتح باب منزلهما فأردتهما قتيلين.. ولم يكون هذان المتسللان إلا ولداها اللذين كانا مسافرين. وكانت آخر كلمات أحدهما "لا تبتئسي يا أماهّ فليس لنا جزاء لما اقترفناه في حق الله والوطن غير الموت". ص24-25 
 

ولا شك أن هناك ثمة تشابه بين موضوع هذه القصة القصيرة وقصة (الناب الأزرق) التي أعطت اسمها لعنوان أول مجموعة للقاص أحمد محفوظ عمر والتي نشرت في حلقات في صحيفة الأيام في النصف الأول من عام 196، والتي ألمحنا إليها الجزء الثاني من هذه الورقة. ومن المؤكد أن الناشر الفقيد علي الصبان كان موفقا جدا عندما وضع في الغلاف الأول لمجموعة باوزير (الرمال الذهبية) رسمةً معبرةً لامرأةٍ حاملةٍ السلاح.
 

المجموعة القصصية الثانية (ثورة البركان) التي أعدها للطبع قبل الاستقلال، يستمر عبد الله باوزير في تصوير جوانب من مقاومة أبناء عدن للاستعمار البريطاني، ويؤكد في مقدمة الطبعة الأولى التي وقعها بتاريخ 14 اكتوبر 1967 أن جميع قصص المجموعة كتبت قبل الاستقلال، أي خلال فترة النضال ضد الاستعمار البريطاني، وأن عددا منها سبق وإن نُشِر في الصحف. لكن المجموعة لم تظهر بين دفتي كتاب إلا في نهاية عام 1967وبداية عام 1968.
 

وقد كان الأديب عبد الله باوزير استشرافيا في نهاية المقدمة التي وضعها لهذه المجموعة، إذ اختتمها قائلا: "في نهاية العام الحالي تبدأ باسم الشعب، وباسم الكفاح، وباسم الشهداء، تباشير الحرية والاستقلال، وسيصبح كل ما قاسيناه ذكرى كفاح، ذكرى جميلة سيسجلها لنا التاريخ لتكون أثرا خالدا ورمزا قويا لكفاح الشعوب من أجل الحرية والاستقلال. الله أكبر. وعاش شعبنا في الجنوب والشمال حرا كريما".ص8
 

وعلى الرغم من أن القاص قد اختار لهذا المجموعة القصص القصيرة التي يمكن أن تدخل تحت سطوة الهيمنة الدلالية للعنوان: (ثورة البركان)، فالقراءة تبيّن أن سبعا من القصص تتناول فعلا موضوع مقاومة الاستعمار البريطاني في عدن، أما الخمس الأخريات فتتناول بالنقد قضايا اجتماعية مختلفة.
 

لمقاومة أعوان الاستعمار في المجلس التشريعي يوظف باوزير في قصة (الهدية) السلاح نفسه الذي استخدمه أحمد محفوظ عمر في قصته الأولى (حساب الشعب): الانتخابات. لكن إذا كان أحمد محفوظ عمر قد جعل النائب يسقط في الانتخابات بعد الأصوات، فالراوي في قصة عبد الله باوزير (الهدية) جعل الانتخابات تفشل برمتها بفضل نجاح البطل وحبيبته وزملائهم في دفع الناس إلى مقاطعة الانتخابات. وتلك كانت هديه البطل محمد لحبيبته فاطمة، هذا ما قالته له وهو ممددا في المرض بالمستشفى: "لقد قدمت لي اليوم وللشعب جميعا أثمن هدية. لقد سقط أحمد حسين في الانتخابات وسقط كثيرون غيره. كما أعرض كثيرون من الناس عن هذه الانتخابات وقاطعوها بفضل كفاحك وجهادك. إن هذه أثمن هديه أتلقاها اليوم منك. ألا تدري بأن مقاطعتك للانتخابات أثارت اليوم كثيرا من الجدل بين الناس، حتى أن خيرة شباب البلد فكر في قيام تنظيم كبير يقوم بتبصير الشعب بحقوقه السياسية. ألا ترى قيمة هذه الهدية التي ستقود النضال السياسي إلى الاستقلال؟ ولم يجب محمد. لكن شيئا ما ارتسم على وجهه، شيء يحمل معاني كثيرة: معاني التضحية والكفاح، معاني السير في الخط الذي بدأه الشعب في صباح ذلك اليوم. ومرت بينهما تلك اللحظة فترة صمت أعقبتها أعوام مليئة بالحب والعمل ظل الشعب فيها يناضل ويجاهد حتى سُمِع صوته يردد في كل البقاع: سنكافح، سننتصر".ص54
 

وتتميز مجموعة (ثورة البركان) لعبد الله سالم باوزير باحتوائها ثلاث قصص قصيرة توظف ظاهرة منع التجول لمقاومة الاستعمار البريطاني في عدن: (ناصر) و(الزائر) و(ثلاثة أيام في السجن). في القصة الثالثة مثلا: يقتصر فعل المقاومة على توجيه النقد اللاذع لقانون منع التجول وسب الاستعمار. وهذا أضعف....! ففي نهاية اليوم الأول يكتب الراوي: "بعد جهد كبير وصلت إلى المنزل ودلفت إلى سلمه الضيّق، وبدأت أثب درجاته وأنا أسب الاستعمار على كل درجة ارتقيها، وما أن وصلت الغرفة هلل الرفاق لمقدمي، إذ أنهم ظنوا أن حادثا ما قد وقع لي، ولما لم يجدوا مني ما يثير ظنونهم وخيالاتهم انصرفوا عني، وتركوني أفكر فيما تخبئه لنا الأيام القادمة، وكأنني أريد أن أستبق الأحداث عن الانفجار الذي نستهل به فجرنا الجديد".ص24
 

أخيرا يمكن أن نربط بين القصة الأولى في مجموعة (ثورة البركان: ناصر) وقصة (تحيا مصر) لعلي عبد الرزاق باذيب 1963؛ ففي كلا القصتين يتم التحريض على مقاومة الاستعمار البريطاني في عدن من خلال الاحتفاء بعبد الناصر وثورة 23 يوليو المصرية.

 

وفي الختام علينا الإشارة بإيجاز للدور المتميز والمنسي الذي قام به المثقف الحضرمي علي محمد الصبان، الذي استقر في عدن طوال ستينيات القرن الماضي، في نشر الأعمال الأدبية من خلال تأسيسه في عدن (مؤسسة الصبان للتوزيع والنشر) التي قامت بطباعة مجموعة من أعمال كبار الأدباء في بلادنا، مثل: محمد عبد القادر بامطرف وعلي باكثير وعلي باذيب وعبد الله باوزير وبن عبيد اللاه وغيرهم، كما قامت باستيراد الكتب والمطبوعات والمجلات العربية التي كانت تصدر في مصر والكويت ولبنان وتوزيعها في عدن ومحمياتها.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24