الخميس 27 يونيو 2019 آخر تحديث: الاربعاء 26 يونيو 2019
إذا سيؤن تمدّنت - مسعود عمشوش
الساعة 16:34 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 


تقع سيئون وسط وادي حضرموت الزراعي. وحتى مطلع هذا القرن الحادي والعشرين ظلت العلاقات الاجتماعية فيها ذات طابع ريفي يختلف تماما عن طابع العلاقات الاجتماعية السائدة في المدن الساحلية، مثل عدن والمكلا. وهذا لا يعني أن التاريخ قد جعل من سيئون يوماً ما قرية. ففي أقدم نقش ذكرت فيه سيئون ويعود إلى مطلع القرن الرابع الميلادي (Ir . 37 ) وَرَدَ أنّ "قـوات سبئيـة اجتاحـت وادي حضرموت وحاصرت مدن شبام ورطغتم وسيؤن ومريمة ثم عراهل وتريم وهدمت ستين ألف عمود كانت تحمل العنب". وهذا يبيّن لنا أن سيؤن كانت حينذاك - في القرن الرابع الميلادي- مدينة مزدهرة ومحصنة بأسوار وأبراج. ويذكر المؤرخ عبدالقادر محمد الصبان أن نشأة سيؤن تعود إلى ما قبل الألف الثاني من الميلاد، وكانت حينها المثوى الرئيس لقبائل حضرموت وكندة. وفي الفترة الإسلامية أصبحت سيؤن تتبع إدارياً مدينة تريم، وظل الأمر كذلك في عهد الدولة الأموية، وفي سنة 129هـ خضعت إدارياً لمدينة شبام التي كانت عاصمة للأباضيين. ثمّ حكمها بنو حارثة في سنة 595هـ. ولا تزال حصون الحوارث قائمة حتى يومنا هذا شرقي المدينة. وفي سنة 922هـ استعادت سيئون مكانتها السياسية حينما جعلها بدر أبو طويرق الكثيري عاصمة لحضرموت الوادي والساحل. وعندما قضت يافع في القرن الثاني عشر الهجري على السلطنة الكثيرية الأولى أصبحت سيئون أحد مراكزهم السياسية إلى أن دحرهم منها غالب بن محسن وأسس فيها السلطنة الكثيرية الثانية سنة 1273هـ والتي انتهت هي أيضا مع رحيل البريطانيين سنة 1967. 
ومن المسلم به كذلك أن موقع سيئون وسط الوادي ومكانتها السياسية جعلاها كعبةً للغرباء على مرّ العصور. وقد ذكر عبد القادر الصبان أن قبائل حمير كانت تنزل بسيئون من حين لآخر. وفي القرن العاشر للهجرة طلب الشيخ الصوفي عمر بامخرمة من السلطان بدر أبي طويرق أن يسمح له بقضاء سنواته الأخيرة في سيئون وقال عهنا إنها أرض الغريب والمغنى والطرب. واليوم تحتوي سيئون على 90% من الفنادق التي يمكن أن يسكن فيها زائرو وادي حضرموت. وعلى كل من لديه فعالية في تريم أو شبام أن يسكّن المشاركين في مدينة الغرباء: سيؤن. وبسبب انفتاح سيئون على الغرباء نُسِجَت حول تأسيسها أسطورة تربط اسمها باسم امرأة يقال أنها أسست في حي السحيل، - الذي يعد نواة سيئون-، قبل مئات السنين نُزلا أو مطعما لا يختلف عن الاستراحات التي تقع اليوم فوق الهضبة، في الطريق بينها وبين المكلا، في الأدواس أو العقوبية مثلاً. 
ويعد الألماني ليو هيرش أول غريب أوروبي شقَّ طريقه عبر وادي حضرموت إلى سيئون. وفي عام 1897 قام بنشر سرد كامل لرحلته في كتاب - لم يترجم بعد إلى العربية - بعنوان (رحلة إلى جنوب الجزيرة العربية: أرض المهرة وحضرموت). وكان هيرش محقا حينما رأي منذ ذلك الحين أن الهندسة المعمارية التي تتميز بها مباني شبام تعد الميزة الفريدة في حضرموت، وأكد أن سيؤن تفوقها في نظافة الشوارع وسعتها. لكنها لم تكن في ذلك الحين مسورة. وأبدى إعجابه بقصر السلطان في سيؤن ومسجد الجامع المجاور له (الوحيد الذي تؤدى فيه صلاة الجمعة حينذاك)، وكذلك بمسجد الحبيب علي بن عبد الله السقاف، والمقبرة التي لم يشاهد فيها إلا قبتي آل الكثيري وعمر بامخرمة. 
وفي الحقيقة، حتى في عام 1935، أي قبل وصول الإنجليز، استطاعت الرحالة البريطانية فريا ستارك أن تلمس بعض المعطيات التي تفصح عن بدء تأثر سيئون بالحياة المدنية الحديثة بل والغربية، وذلك بسبب عودة بعض أبنائها من جاوة وسنقافورة. فحينما وصلت إلى وادي حضرموت عبّرت عن إعجابها الشديد بنمط البناء التقليدي الذي يعتمد على الطين والمواد المحلية الأخرى. وأثار دهشتها أيضا تناغم اللون البني مع لون الجير الأبيض في ذلك النمط من البناء. وفي سيؤن، زارت فريا ستارك دار الضيافة الذي بناه أبو بكر بن شيخ الكاف لضيوفه. "وهو أول بيت في سيئون يُشيّد بالخرسانة المسلحة؛ لهذا ليس هناك حاجة للأعمدة في غرفه الواسعة. واستبعدت كذلك منه القطع الخشبية المنقوشة والمزينة بمسامير لها رؤوس رصاصية عريضة وتستخدم عادة في حضرموت، وحلت مكانها أبواب ونوافذ أوروبية بُذلت أموال طائلة لزخرفتها. وفي الحقيقة كل شيء كان غالياً؛ حتى الحمام زُيّن سقفه بنقش ذهبي اللون في وسطه. أما البهو الذي في الوسط فسيُغطى بسقف زجاجي مثل فنادق سنغافورة، وحديقة هذا البيت هي الحديقة الأولى في حضرموت التي صممت وفقاً للنموذج الأوروبي. ويوجد فيها الآن سلال حجرية مستديرة تحتوي كل واحدة منها على شجرة. وفي الحواف هناك سياج من شجيرات الحنّاء المشذبة، وفي الوسط تنتصب نافورة".
كما ترصد فريا ستارك، خلال رحلتها الأولى إلى حضرموت -سنة 1934-1935- انتشار بعض مظاهر الحياة الحديثة ففي سيئون "تبشر أسلاك التلفون بحداثة القرن العشرين". وآل الكاف لديهم أجهزة كاملة للسينما. وفي رحلة شتاء 1937-1938 تأكدت فريا ستارك، التي تجعل من "الغربنة" مرادفا للتحديث و"العصرنة"، أنّ رياح التغيير، أي رياح الغرب، قد أخذت تعصف بهذه البلاد وتفقدها رونقها الشرقي على الرغم من بعدها الزماني والمكاني من أوروبا. وفي هذه الرحلة الثانية نزلت فريا ستارك وزميلتاها في دار الكاف للضيافة في سيئون ذي النوافير والحديقة الأوروبية، ووجدن فيه مختلف وسائل الراحة التي لا يمكن أن يقدمها في تلك الفترة إلا أحد فنادق الدرجة الأولى في أوروبا. وتصف إقامتها فيه على هذا النحو: "هنا قضينا بضعة أيام استمتعنا خلالها بالتدخين فوق الكراسي المخملية، والسرر ذات الناموسيات، ودقات بج بن في إذاعة لندن، وأضواء المصابيح الكهربائية المخبأة بين الأشجار". 
وعندما يصف المستكشف هاري سانت جون فيلبي مدن حضرموت الرئيسة في كتابه (بنات سبأ) لا يكتفي بتقديم المعلومات الجغرافية عنها، بل يقوم أيضا بتصنيفها من ناحية الأهمية التجارية والثقافية والدينية، ويقارن بعضها ببعضها الآخر. فهو حين يؤكد أن "تريم هي مركز حضرموت الروحي والثقافي"، وشبام عاصمتها الاقتصادية، يعبّر عن تفضيله المطلق لسيئون التي يقول إنها أجمل مدن حضرموت، وأكثرها غنى، وترفا، وتطورا. وقد اندهش كثيرا حينما رأى كل مظاهر الحضارة الغربية الحديثة فيها حينذاك، وقدمها قائلا: "دون أدنى شك شبام هي المركز التجاري لحضرموت مع أن سوقها أقل جاذبية بكثير من سوق سيئون. وهو أيضا أكثر تخلفاً كما هو جلي من إهماله للراحة والنظافة والزينة. وفي سيئون دخلنا منطقة نبلاء إقطاعيين يعيشون حياة سهلة ومريحة. ورغم أنهم يمتلكون متع الحياة، ويستمتعون بترفها البسيط، فهم ليسوا سعداء وذلك نتيجة لبعض الأسباب السياسية. وفي الظاهر هم أغنى من منافسيهم القعيطيين، وبكل المقاييس أكثر إسرافا في صرفهم. والمضخات التي تدار هنا بواسطة المحركات الآلية التي يكثر عددها في سيؤن مقارنة بمدن غرب حضرموت. فمعظم المساكن بها أحواض سباحة ويستعمل الفائض من مائها في ري الحدائق الصغيرة المزروعة بتنوّع عظيم من أشجار الفاكهة. والسيارات أكثر عدداً هنا، والإضاءة بالكهرباء بدأت تدريجياً، وأسلوب الطهي متقن. ولكن قمة الترف هي الماء المثلج، ووجود ستة تلفونات تسهل الاتصال بين المنازل الأكثر أهمية. ولذلك، فوق جميع المدن، تظل سيئون – مع كل الشعر الذي قيل عن تريم - هي البقعة الأكثر جمالاً في حضرموت". (بنات سبأ، ص221-222)
ومنذ بضع سنوات، وتحديدا منذ بدء العقد الثاني من هذه الألفية تشهد مدينة سيئون ظاهرة جديدة تكمن في قدوم موجة من الغرباء الجدد إليها والاستقرار بها؛ وهي موجة معززة بفتاوي سياسية ودينية تطالب بضخ مليون نسمة في مختلف مدن حضرموت خلال السنوات الخمس القادمة. كما أن الأزمة التي تعيشها البلاد دفعت عددا كبيرا من الشركات والمؤسسات التجارية إلى جعل سيئون المركز الرئيس لها، وهو ما أدى الى ارتفاع أسعار العقار والإيجارات والأسعار فيها، وتحويل مساحات واسعة من بساتينها ومزارعها إلى هانجارات ومستودعات ومولات لا تزاحمها إلا المعسكرات والمطارات. 
ومن الواضح أن هذه المتغيرات التي تشهدها مدينة سيئون قد تزامنت مع تغيير في طبيعة المهن التي يمارسها سكانها؛ فاليوم أصبح أبناء جميع الفئات يمارسون التجارة بمختلف أشكالها، وأدّى ذلك الى خلخلة كبيرة في البنية الاجتماعية التقليدية. وإلى جانب ظهور فئة جديدة من التجار والأغنياء زاد في سيئون عدد الفقراء والمعوزين الذين تدهورت أوضاعهم المعيشية بسبب اضمحلال العادات الريفية التي كانت تحكم المدينة وأهمها التكافل الاجتماعي، وأصبح كثير من أبناء سيئون غير قادرين على تناول الأرز إلا في الولائم والمنسابات التي حلّ فيها الدجاج (المهرمن) في مكان لحم التيوس العربية أولا ثم التيوس الصومالية التي باتت في الطويلة تباع من قبل (تاجرات) صوماليات كنّ في السابق لا يتاجرن إلا بالدروع الويل والصوارين أو الفوط. والمصيبة أن عددا من المسؤولين والمتحزبين لا يزالون يصرون على حصر الإعانات بمختلف أنواعها في النازحين والتابعين لهم والواقعين في فلكهم.
ومع ذلك سنظل نردّد مع ابن الشحر المحضار أن "ليلة في الطويلة خير من ألف ليلة، يا صحب الموتر تأن.. يا القرن يا ليتك تقع لي وطن"، وسنظل نغني مع التريمي حداد بن حسن:

 

"حيا ليالي جميلة * مرت بسفح الجبل
مثناة بحر الطويلة * في سعف أرباب الجميل
أهل الشروع الأصيلة * وأهل الوفا والجود من سابق دويل
عدد طشوش المخيلة * سلام لأرض الدول
وعلى الحصون الدويلة * والقرن وحيوط السحيل
والحوطه المستطيلة * فيها على حبشى وكم فرع أصيل".

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24