الاثنين 23 سبتمبر 2019 آخر تحديث: الأحد 22 سبتمبر 2019
قصة قصيرة:
لعبة الاختباء - بسام شمس الدين
الساعة 17:06 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

نروي الكثير من القصص السخيفة، عن حشرة اختبأت في شق وسط جدار مهدم، أو فتاة تزوجت قبل الأوان، بشيخ لم يعد بمقدوره النظر إلى تحت سرتها، أو حتى عن كلب مراهق دس عضوه المشبوب في مؤخرة نعجة في لحظة عابرة.. أشياء كثيرة لا تطاق نرويها بمهارة فائقة، وننسى أن نروى أحداث غبية فعلناها في مواسم حمقنا القديمة ذات طفولة أو نهار غابر أو أغبر كما يروق للبعض وصف نهاراته المخجلة.. نعم، ننسى، ونكتم فضائحنا الكبيرة والصغيرة منها، وحين نسطر سيرنا قبل أن نموت بدقائق، نكون على عجل، وبعد أن تخمد أنفاسنا، ويلفنا الصمت، نغادر، محملين بفائض من أسرارنا وتاريخنا السري الذي لا يضير العالم أن يطلع عليه، أو يسمعه.. وسأبدأ برواية الأشياء الأخف حمقا وقبحا على اعتبار أن الموت قد يمهلني لاخراج فضائحي والتنفيس عن أعماقي المتخمة بالماضي المؤسف. في طفولتي كنت شقيا ووقحا، وأحب أن أنشر الذعر في قلوب الكبار.. أردت أن أؤذي أمي عن قصد وبراءة أيضا.. قررت ذات ظهيرة هادئة أن ألعب الغميضة، واختبئ، وأرى أمي وجدتي وهما تبحثان عني في أرجاء المنزل دون جدوى، حتى إذا نفد صبرهما، وبدأت بوادر غضبهما في الظهور، سأخرج ضاحكا معلنا عن انتصاري في اللعبة.. هكذا حدثت نفسي قبل أن أتوغل في أحشاء مخزن الحبوب، وأتوارى تحت سرير متهالك يحمل أكياس تالفة ومكاييل خشبية مهملة، وتحيط به براميل ونفايات سنين الخير والقحط.. وبالكاد حشرت جسدي، واستلقيت على بقايا اسفنجة خشنة أو لحاف ممزق قضمته الفئران وتآكل بفعل الزمن.. لا أعرف بالضبط على أي شيء ألقيت جسدي، ولم اهتم.. ولبدت بموضعي غير عابئ بروائح المخزن العطنة، وهواءه الجاف المشبع بالغبار.. وبدأت أحك جلدي، وانتظر بصبر لحظة ابتداء اللعبة، وأثناء ذلك سمعت أصوات الفئران وهي تتحرك وتقضم الأكياس، وفجأة سار فأر صغير فوق جسدي، وسحب ذيله الطويل على وجهي، وهو يزق كعصفور جريح، فصرخت، ثم كتمت صوتي حتى لا أخسر في اللعبة، ولم يسمعني أحد. وفرحت، وتسلحت بالشجاعة، وقاومت الخوف من الفئران.. وصارت تسير فوق جسدي، وتشم أصابع قدمي أو تقضمها.. شعرت بلسعات خفيفة غير مؤلمة في أصابع قدمي اليسرى، ولم أتألم. وصرت أحركها باستمرار.. وفجأة سمعت نداء أمي يتردد في أرجاء المنزل: طارق.. طارق.. الغداء جاهز.. أين أنت؟ وسمعتها تسأل أختى ليلى بحدة: ألا تتكلمين أين ذهب أخوك يا بليدة. ضحكت منتشيا، وهي تهزئ أختى التي كانت تناكدني، وطالما تدور بيننا معامع ومشادات لا تحصى، وتنتهي غالبا بالبكاء، وتعاقبنا أمي معا، ولا تجهد نفسها بسماع شكوانا وحججنا التافهة، لأنها تكون مشغولة على الدوام، ولا تجد وقتا لتحك أنفها كما تقول. وسمعت ليلى تصيح محرضة علي: كان هنا قبل قليل، واختفى. إنه لاشك يلعب لعبة السيوف في باحة القرية. وسمعت صرخة أمي وصوتها المرعد: ماذا؟ ألم أحذره من هذه اللعبة بعد أن أصيب ولد حمدان، وكادت عينه أن تتلف.. وأتى صوت جدتي الهادئ من حجرة الصلاة: ابحثوا عنه في الغرف، لعله نائم.. يارب السموات، لم أعرف هل قرأت الفاتحة في صلاتي أم لا.. وسمعت اصطفاق الأبواب، وطقطقة الخطوات العجولة تدب في أرجاء المنزل، ودفع باب المخزن بخشونة، وأطل ضوء السراج خافتا، كانت الأشياء التالفة تحجبه عني، ورأيت أقدام أمي، تسير حول السرير، ثم ارتفع صوتها الهادر:أنا اهدر الوقت، اذهبي يا ليلى إلى باحة القرية.. واختفى الضوء من المخزن، وابتعدت خطوات أمي، ولم تجرؤ ليلى على الاعتراض، لأن الوضع لا يحتمل المناورة أو الرفض، ويمكن أن تتلقى العقاب إن اعترضت، وأظن أنها كانت سعيدة، وتود أن تسهم في البحث عني والتحريض علي، موحية بأنها فتاة هادئة ورشيدة، وأني المجنون والمشاغب الوحيد. وكانت ورقتها رابحة هذه المرة.. ما لبثت ليلى أن عادت معلنة بصوت عال أنها لم تعثر على أي أثر لي في القرية، وقد سألت عني في الباحة دون جدوى. وهنا قفزت أمي إلى الخارج صارخة، وبعد قليل سمعت صوت جدتي وهي تتحرك بثقل وتصيح: انتظروني.. يا رب السموات.. وساد الصمت في المنزل، وضحكت بسرور، وقلت لنفسي بجذل: سأنتظر قليلا حتى يعودوا، ثم أخرج عليهم.. وأستلقيت على ظهري متنهدا، لا أعرف أي شعور خبيث انتابني ساعتها وجعلني أبتهج، ولم أعد أشعر بنفسي، كان جسدي مخدرا تماما، وأطرافي مشلولة، لاسيما القدمين اللتين قاومتا الفئران، وفجأة غمضت عيناي، وغصت في السبات.. ولا أدري كم بقيت نائما، وحين أفقت كان جو المنزل ساكنا ومخيفا، ولا صوت يصدر سوى طقطقة أسنان الفئران، ووقع خطواتها، وحفيف احتكاكها بالأكياس التالفة، وعندئذ ساورني القلق، وخرجت من مخزن الحبوب، ورحت أبحث عنهم، متأهبا للبكاء، كان هذا سلاحي الوحيد الذي أملكه لاستدر شفقتهم، وانجو من العقاب.. 
دخلت بيت النار، كان الطعام على الأرض مكشوفا باردا، فأكلت شيئا على عجل، كانت بطني خاوية، وجوعي لا يوصف. وخرجت من المنزل، ورأيت الشفق طالعا في الأفق، وفطنت أن بضع ساعات مرت، وهم يبحثون عني، إنها طامة كبرى فعلا.. فبكيت، وأخذت أنادي أمي وجدتي وأختي، أما أبي، فكان مغتربا في الخليج، يعمل في متجر بالطائف، ورغم ذلك ناديت باسمه في النهاية يائسا، اجتزت منزل ومنزلين، وثلاثة من منازل الجيران، ولم أر أحدا.. كانت أبوابها موصدة، وطرقت أحد المنازل، وأنا أسأل هل حدث شيء ما للأهالي في غيابي.. وهالني ان معظم المنازل مقفلة، بل كلها، خمسون منزلا أو أكثر، وسرت طويلا، وفي النهاية عثرت على الجدة غصون العمياء، وهي امرأة معمرة أقعدتها شيخوختها وانطفأ بصرها مؤخرا، لكن ذاكرتها كانت جيدة، وسمعها لم يتأثر بعد، رأيتها تحبو خارج القرية، متجهة نحو هاوية صغيرة، لن تنجو امرأة بعمرها فيما لو سقطت فيها.. فأسرعت إليها لا اقصد انقاذها، بل لكي أسألها عما جرى للأهالي من كارثة، يا للغباء، لم أعرف أنني أنا الكارثة، وصحت عليها قائلا:يا جدة غصون، أين ذهبوا؟ وأمسكت طرف قميص صلاتها باكيا، فصاحت نافضة اكمامها الطويلة بجفاء: دعني، وشأني، بدلا من السؤال كيف تطاوعك نفسك بالبقاء في القرية، ولا تلحقهم لتبحث عن ابن شرف، لم احفظ اسم هذا الشقي، الذي تبخر من القرية.. انت مبصر وانا عمياء... صحت مقاطعا بصوت باك: أنا طارق ابن شرف يا جدة.. أين ذهبوا لألحقهم؟ لم تستوعب الأمر، وصاحت: الحقهم.. اذهب ودعني أزحف وراءهم إلى أي مكان استطيع بلوغه، إنه وحيد أمه.. ياويلي.. وزحفت، وصحت قافزا نحوها ممسكا طرف قميص صلاتها الثقيل الداكن اللون: لا.. ليس من هنا.. جددددده.. وجذبتني معها إلى الهاوية، ووقعت على جسدها الركيك، وارتطمت قدمي التي خدرتها أسنان الفئران بحجر ناتئ، وسمعت خشخشة عظمة ساقي، وسال الدم.. ونظرت إلى الجدة غصون، وهززتها بيدي، ولم تتحرك.. فزحفت مجرجرا ساقي اليسرى خلفي، ونمت في قارعة الطريق.. حل الليل، ولحسن الحظ أفقت، ولم أعرف أين يمكنني أن أزحف.. وبقيت بموضعي، واشتمت كلاب القرية رائحتي، وهي الوحيدة التي بقيت لتحرس المنازل، وأتت وهي تنبح، واقتربت بحذر مكشرة الأنياب، ولعل حسنتي الوحيدة أني كنت رحيما بالكلاب، اقتطع لها من طعام العائلة دون أن تشعر أمي، ولم أسلم من العقاب حين كشف أمري، وتبت يوما أو يومين، وعدت لسرقة الطعام لأجل كلابي كما كنت أدعوها، وكما يقال، لا ينكر الفضل إلا البشر، وهذا صحيح تماما.. لم تفارقني الكلاب بعد أن ناديت باسمائها، وتعرفت على رائحتي، وبمجرد ان رأت عيون ضباع الجبل، أطلقت النباح، وتكثفت حولي وظلت تكر وتفر حتى شروق الصبح.. وأقبل بعض الأهالي اليائسين من قرى بعيدة، وتعثروا بي في طريقهم، وتعالت الاصوات بالصياح بالفرح والنقمة، وبعثوا من يبلغ الأشخاص الذين يبحثون في القرى البعيدة، والذين وصلوا إلى المدينة وأبلغوا ما يسمون الشرطة عن اختطافي من قبل لصوص الأبقار الذين اختطفوا من القرية عجلا قبل شهور.. لم يجدوا احدا يلصقون به أمر اختفائي سوى اللصوص الذين فروا، وتركوا العجل وراءهم خارج القرية حين اكتشف أمرهم.. وأخذوني على الفور إلى المدينة لتجبير قدمي المكسورة، وقال الأهالي لأمي الغاضبة، لقد عوقب.. أكلت الفئران أصابع قدميه.. أما الجدة غصون، فأنا لا أنساها في كل لحظة، وأراها في نومي تهوي وتجرني معها إلى الهاوية الصغيرة..

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24