الاربعاء 16 اكتوبر 2019 آخر تحديث: الثلاثاء 15 اكتوبر 2019
القصة الومضة وعناصر السرد - علي أحمد عبده قاسم
الساعة 18:01 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

هناك من النقاد خاصة الذين لايتواكبون مع الجديد يعدون الومضة ليست فنا سرديا راقيا بل نوعا من التضاد وعلى أساس هذه الرؤية السطحية والتي تعكس تأخرا في معرفة الفن وتعبر عن قصورفي معرفة خصائص القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا بوصف الققج فنا تجريبيا حداثيا أي أنه مزيج مابين عناصر القصة القصيرة وجديد خصائص الققح التي تواكب العصر وكذلك الومضة عودة للتراث وأخذ لعناصر الققج من مفارقة وتكثيف وتلميح وإدهاش وخاتمة مباغتة فيعد ذلك القصور صورة لعدم القدرة على خصائص الفنون السردية ناهيك عن عدم التفريق بين المصطلحات السردية والبديعية معا. 
فهل يدركون أن التضاد بين المفردات
التي تأتي من جنس واحد كقولنا: جاء في الليل؛ غاب في النهار. 
فهذا خبر عادي لم يؤدِ للإدهاش والمفارقة التي تهز المشاعر ويقوله الإنسان العادي الذي يتحدث على أحداث يومه وأمسه بصورة مجتمعية أو ذاتية بعكس التوقيعة التي جاءت أولا في العصر الإسلامي والتي تعد ومضة فالومضة جاءت أحياء لفن التوقيعة والحكمة معا كمثل قول أبي بكر الصديق:
"أدنُ من الموت؛ توهب الحياة"
فالنص حكيم فارق فلايمكن أن تتأتى الحياة لمن هو وسط الموت إلا إذا كان مقداما شجاعا لايهاب الموت بالمطلق وأيضا يعكس النص حقيقة لايموت الإنسان بعمر ناقص ولايمكن أن نسمي مابين الطرفين 
أدن من الموت ، والطرف الآخر" توهب لك الحياة" منه تضادا بالمطلق لأن النص برمته خطابا مجتمعا بطرفيه وليس بانتقاء ألفاظه ويمكن للقارئ استخلاص الصورة التي يلحظ منها الحوارية بين الشخوص أو الذات وترددها مع صورة الموت والمعركة فكم من الإختزال والإيجاز المحذوف سواء كتابيا من خلال خطاب النص أو من حيث اختزال الزمن مابين "أدن من الموت و ؛ توهب لك الحياة " فهناك خوض معركة وانتصار وهزيمة ونهاية للمعركة حتى " وهبت له الحياة" ويكتشف المتلقي من النص المفارقة وهي 
مفارقة سلوكية حركية وزمنية ونفسية وشخصية أيضا لممارسة نفسية واقعية وهذا
يمكن استخلاصها من " أدن ، توهب" ويعد ذلك تكثيفا بالغا واختصارا وتوترا دراميا في بضع كلمات باختصار وجيز لقصة طويلة قد يفصل عالمها فيلم أو رواية فمنح الحياة لايأتي إلا من خلال ممارسة الموت واقعيا ونفسيا وقناعة.
وكم تستغرق تلك الممارسة من الزمن والترويض والتدريب لتبلغ النفسية القناعة بتلك القيمة وممارستها فعلا ناهيك عن اعتناق القيمة والإيمان بالحكمة فضلا عن فعل وأثره النفسي في المتلقي ليفضي النص إلى حكمة بليغة وحقيقة كونية بدلالات متعددة وآفاق تأويل كثيرة وكأنه يقول: اقترب من الموت بإيمانك بحقيقة الحياة وبحقيقة الموت وأجله الذي لايؤخر 
وهذه دعوة للإيمان بالدين وبالمبدأ والقيمة التي تعكس قوة الشخصية ونبلها 
وتأتي المباغتة الخاتمة في النص الآنف الذكر والتي تخلق الصدمة في المتلقي أن منحة الحياة تأتي من وسط الموت فالحياة مجموعة من التناقضات 
فالإنسان حي ميت لايدرك استمرارية حياته من نهايتها الآنية أو المؤجلة فهو ميت حي وحي ميت ومن الموت تأتي الحياة وما فعل المناضلين والثوار من أجل أوطانهم" فقد ضحوا بأرواحهم فأحيوا أمما وأوطانا وظلوا أحياء رغم موتهم.
هذا وقد توافرت عناصر القصة كالزمن وهو أي زمن كان ماضيا أو حاضرا حد أننا مازلنا نعيد استلهمام العبرة والحكمة من النص برغم عمره الطويل الذي يمتد ألفا وابعمائة عام وأكثر ومايزال حكمة بليغة ونصا عميقا وكذلك المكان وهو المكان الحاضر أوالماضي والشخوص غير المسماة
بمسميات ليكون النص أكثر سرعة واختزالا ويناسب أي عصر وجاء الحوارفي " أدن ، توهب لك" أي أيها الشخص والإنسان وفي الومضة الحكي والسرد والذي يتضح من خلال الأفعال" أدن ، توهب ، لك" 
فضلا عن الحبكة القصيرة والتي جاءت في أحداث الدنو والمنح وهي تحمل فكرة الأقدام وقضية الشجاعة والجبن وهذه غرائز نفسية يتفاوت فيها الناس فضلا عن عنصر الصراع البسيط سواء كان نفسيا... فكيف يدنو الحريص على الحياة من الموت للغاية ذاتها الحياة؟ ويكتشف ذلك من ممارسة الحياة وسط الموت أو الصراع مابين الإقدام والشجاعة والجبن والحرص 
فكيف نسمي الومضة تضادا وقد احتوت في شكلها القصير معظم عناصرالسرد القصصي وعناصر الرقي اللغوي القائم على الاختزال والتكثيف والمفارقة والمباغتة والرمز وغيرها؟
فتحول الدنو من الموت رمزا الحياة 
فلايكون السرد وكل تلك العناصر بين المتضادين بالمطلق بوصف الومضة هي قمة النضج اللغوية الذي يمثل القدرات اللغوية العالية في العصرين الأموي والعباسي فقد تحول النص الإبداعي بعد قوته تلك للضعف في عصر الانحطاط وتميز ومال للإسهاب والتطويل والاستطراد والتكلف وقيل عن ذلك ضعفا وزخرفة وحشوا مملا وللتوضيح أكثر
قيل عن تعريف النقيض لغة أنه المخالف فيقال" هذا نقيض ذاك أي مخالف له ومباين.
وحقيقة النقيضين: " ثبوت أمر نفيه كوجود زيد من عدمه" 
وهذا مايطلق عليه النقاد المفارقةوهي 
الإتيان بمعنى ظاهر والعدول إلى معنى غيره خفي كما جاء النص خلقت الدلالة من خوض تجربة الموت والاقتراب ممارسة معنى خفيا وهو منح الحياة سواء كانت حياة عادية أو حياة أبدية وكأن النص يعكس أن لم تقترب من الموت فأنت مسلوب الحياة 
وقيل أن النقيضين: " لايجتمعان ولايرتفعان بثالث 
كالموت والحياة: وفي النص السابق اجتمع الموت بالحياة واجتمعت الحياةبالموت وذلك الوصول للمستحيل بانتزاع الحياة من وسط الموت.
بينما الضد ماكانا من جنس واحد" "كالشروق والغروب والبياض والسواد" 
وهما من جنس واحد
فالشروق يعرف بظهور أوبزوغ الشمس والغروب يعرف بدنو الليل فالضد يرتفع بثالث فقد عرف الشروق برؤية الأضواء وهو الشئ الثالث وعرف الغروب بدنو الليل حين أفلت الشمش وبالأضداد تعرف فضائل الأشياء فالحمد ضده الذم ونقيضه الكفران 
والوجود ضده الغياب لكن نقيضه العدم.
وهنا تجدر الإشارة أن الومضة والتي لاتتجاوز ثمان كلمات لم تعد محل خلاف بين النقاد العرب كونها فنا قصصيا مختزلا سريعا ولماحا وهي تمتلك كل عناصر القصة القصيرة جدا مع الاختلاف مابين الفنيين وتعيد فن التوقيعة للواجهة بذروة مجد اللغة 
وقد حدث بعض الخلاف فيمن أسس لفن الومضة وعمل على انتشارها وكان الأستاذ الأديب المصري مجدي شلبي هو من أسس لها وعمل انتشارها منذ ست سنوات وأكثر فانتشرت في أرجاء الوطن العربي انتشار النار في الهشيم.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24