الاثنين 26 أغسطس 2019 آخر تحديث: الاثنين 26 أغسطس 2019
حب بطعم البرتقال - فدوى الجراري
الساعة 14:37 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 


رائحة البرتقال تفوح من بين الأسطر، تنعش  ذاكرة الطفولة، تتغزل بأحداث أبت أن تقبع في ذاكرة النسيان، فليس كل شيء قابلا للنسيان، خصوصا تلك اللحظات التي تمدك بالطاقة والقوة لمواصلة الحياة ومواجهة تفاصيلها كيفما أتت، لحظات جذورها ممتدة لتضرب عميقا في أول رشفة حليب، من صدر أم كرست حياتها من أجل سقي ورعاية فرع  سيزهر العالم بظله، ممتد لأول كلمات تسربت عبر طبلة الأذن، فاستقرت آمنة في بركة الذات، تغذي الجذور وتنعش النفس متألقة متأنقة بالثقة والأمان،  فيكفي أن تقول تهمس أمي في أذني "أنني أجمل طفل في العالم" لأكون أنا العالم برمته في عيني نفسي و قلب أمي.. رسالة مشفرة من أم لغتيري لابنها وفطنة ابن لمحتوى الرسالة كانت بمثابة النور الذي يضيء مسار حياته.
حب و برتقال، هي سيرة كاتب مثلما هي سيرة قارئ، فعندما تجول عيناك بين السطور تجد نفسك رغما عن الكاتب حيا فيها، فإن كان مصطفى لغتيري قد عبر بقلمه على الورق عن ذكريات لم تمت في مخيلته عن علاقته بأمه المعطرة برائحة البرتقال، فإنه قد عبر ضمنيا عن ذكريات قرائه بأمهاتهم وإن اختلفت الرائحة، وإن اختلفت أو تباعدت الفترات الزمانية والمكانية، فإن علاقة الابن بحبيبته الأولى ـ الأم ـ تبقى نفسها تصب في نفس الصفات ونفس القالب.
لم يستخدم لغتيري في سيرته أسلوبا صعبا و معقدا، فالتعبير عن الحب لا يحتاج لكلمات صعبة، خصوصا إذا كان هذا الحب المصرح به هو حب الأم، فصدق المشاعر كانت واضحة بين السطور، وإحساسه وتقديره لكل ما قدمته أمه من أجله عكسه ما هو عليه الآن، فلم يخيب ظن أمه و لا توقعاتها وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قوة الصلة بينهما ومتانتها.
أم لغتيري التي كانت بطلة سيرته حب وبرتقال، هي حكاية كل أم، التضحية سمتها، الصبر عنوانها، العمل ليل نهار من أجل إيصال فلذات كبدها لبر الأمان هو هدفها، التفوق الدراسي والوصول إلى المراتب العليا أملها، باختصار إن كانت الحياة من قبل لها وتحلم بالعيش لنفسها، فمع أول حضن تلف به وليدها تجعل حياتها له والعيش من أجل عيشه فقط، فالحب عندها عطاء مستمر، عطاء دون مقابل،  هذه هي أم لغتيري و هذه هي كل أم. 
حب وبرتقال، مركب يسافر بك في رحلة حياة  لغتيري  وأمه يعود بك لنوستالجيا النمو عبر مكان النشأة وزمن السرد، سيرة فصلت بمقياس أربع فصول، كل فصل هو عمر بحد ذاته له انعكاساته على شخصية السارد و قوة شخصية الراعي ـ الأم ـ في توجيه جيل المستقبل ـ الابن ـ  لمعانقة حلمة مهما كانت الصعاب، فقد ربت، رعت، وجهت، أنارت، عبدت الطريق لجعلها سهلت الوصول نحو الهدف المنشود،   وقد جاء كل فصل يحمل عنوانا  يعكس جزءا من ذاتك جزءا من ماضيك وماضي البطل السارد،  الفصل الأول المعنون بالبرتقال لم يكن اعتباطا فالبرتقال هو الفاكهة التي ارتبطت بذاكرة لغتيري الطفل بكونها مصدر رزق الأم والهدية التي ينتظرها كل مساء إثر عودتها من عملها بمعمل تغليف البرتقال، فحتما لكل منا له رائحة تشده لطفولته، عن نفسي ربما أقول طفولتي انتشت برائحة الحناء...، أما الفصل الثاني المعنون بالحب تضمنت سطوره حب الأم لابنها وحب الابن لأمه بكل تجلياته، كما تضمنت نغزات الحب الأولى التي انتشى بها قلب لغتيري مع بنات صوحيبات أمه اللواتي كن يترددن على بيته، فانطلاقا من حبه لأمه أدرك اختلاف طعم الحب اتجاه الأنثى الأخرى، فحكى عن أولى مغامراته البريئة بعيدا عن حضن و عيون أمه، في حين أن  الفصل الثالث من السيرة فهو فصل الخيال، فصل يكشف لنا ما كان يجول في خيال لغتيري المتقد الذي تغذي من حكايات أمه و من حبه للقراءة و المطالعة التي كان يجد فيها نفسه بعد غياب أمه، فكان خياله خصبا أسهم في تكوين شخصية كاتب واعد، و من خلالها تمكن من التعويض عن آماله و أحلامه حتى حلمه كأب لأنثى عوضها ببطلة من بنات أفكاره و اختار لها من  الأسماء "شمس" حتى يظل نورها في صدره أمل لن يغيب، وحصيلة الخيال أن أمتعنا الآن بكتب وروايات تسافر بك لعوالم مختلفة بدون جواز، ضمنت له مكانة متميزة في عالم الأدب والإبداع المغربي وأيضا العربي، ليبقى عنوان الفصل الأخير هو عنوان الحياة، حياة لغتيري وأمه في دروب وأزقة المدينة القديمة، تلهمهم الدروب بحكم وخبرة تؤنسهم في مسيرة حياتهم القادمة.
ما يمكن قوله ختاما، إن "حب وبرتقال" وأن كانت سيرة ذاتية لكاتبها، فحتما سيجد كل قارئ نفسه بين السطور، سيجد أمه في بعض الصفات و المواقف، الأمر الذي يجعله يلتهم  الصفحات ويقفز على السطور في متعة متناهية بحثا عن مزيد منه و من حياته، وهذا أجمل ما في هذه السيرة، فهي ليست اجترارا لماضي السارد، و إنما سرد مفعم برائحة وطعم البرتقال المنعشة، يجعلك تظن أن السيرة هي لك وليست لصاحبها.

16-07-2019

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24