الاثنين 26 أغسطس 2019 آخر تحديث: الاثنين 26 أغسطس 2019
رواية على ضفاف البحيرة وديمقراطية السرد - فدوى الجراري
الساعة 15:50 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 


على ضفاف البحيرة عاشت الطفولة الدهشة و الانبهار، و تاقت للمغامرة و الاكتشاف، فهكذا تكون الطفولة دائما مأسورة بالفضول، أما الأمومة فقد عانت على جنابتها من الخوف والهلع، وفرضت الحزم و الانضباط، فالأمومة غريزيا تكون مأسورة بالحيطة و الحذر، أما الأب فقد كان بين نارين، مجاراة طيش الطفولة الحي بداخله أو إرضاء الأمومة، فكلا الطرفين يلتقيان عنده في نقطة واحدة ألا و هي بذرة الحب الساكنة قلبه، و من نفس البؤرة ينجذب كل طرف لما يحب ويرضى.
على ضفاف البحيرة يمكن أن يستمتع المرء بأجمل المناظر الخلابة و يبدع في رسم أروع اللوحات ـ وجهة نظر محسن الأب ـ، كما يمكن أن تستكشف خبايا الطبيعة و سحرها، فالخفي منها يستحق عناء البحث و الاكتشاف يكفي أن تمتلك الجرأة و حب المغامرة ـ فضول شمس ـ، مثلما قد تبث في نفسك الرعب و الخوف فالبحيرة بقدر جمالها الساحر بقدر غدرها الماكر، لذا وجب الحيطة و عدم مجاراة سحرها الهالك ـ قلب أسماء الأم ـ.
على ضفاف البحيرة كانت وجهتنا، و لغتيري كان مرشدنا فالمسار كان شاقا و الطريق وعرة، كيفا لا؟ و هي فرضت نفسها في جبال الأطلس بصعوبة، رفقتنا كانت قليلة فأسرة محسن كانت كفيلة بالأنس، و غايتنا أكبر من أي شيء استجمام من جهة واستكشاف جمال وسحر المناطق الجبلية للمغرب، حللنا الرحال ببحيرة أكلمام أزكزا بجبال الأطلس، حيث يقبع ما يسمى بالمغرب المنسي الحاضر بطبيعته ومناظره وجباله، منطقة تعاني من كل المفارقات، غنية بجغرافيتها، فقيرة باقتصادها، قوية بتاريخها وماضيها، فقد أنتجت ثلة من المقاومين والمناضلين الأشداء للاستعمار الفرنسي على رأسهم موحا أحمو الزياني الشخصية التي كانت حاضرة بذكاء في رحلتنا نحو ضفاف البحيرة، و احتلت فصلا بكامله وذلك على لسان صاحب القهوة البسيطة في إطار حواره مع أسرة محسن عن المنطقة وتاريخها. 
مصطفى لغتيري كعادته كان حكيما في اختياره لمسرح الرواية، كما أبدع في طريقة السرد و الحكي، و بين سطور الرواية وضع رهاناته الكبرى التي عبر عنها بذكاء، تفنن في مراوغة القلم و طوع الحروف و الكلمات لخدمة قضيته،كان سفيرا للسياحة الجبلية وللمناطق الممهمشة بامتياز، فقد أعطى للوصف الجغرافي حقه وأفاض، كما كان مؤرخا للحدث التاريخي بدقة فأخص فترة الاستعمار والمقاومة المغربية فصلا كاملا وذلك على لساني صاحب القهوة، ومجد النضال المغربي من خلال ذكره للقائد أوحمو حتى لا يقبع في ذاكرة النسيان لدى الجيل الناشئ.
من جهة أخرى أبان لغتيري من خلال شخوص و أبطال روايته وطريقة السرد التي اعتمدها على عصرنة فكره،  فقد منح عن  طريق تبويب الفصول وتعدد الأصوات، فرصة التعبير عن الرأي واحترام الرأي الآخر، فرصة بروز شخصية الفرد وعدم قمعها و كبت أفكارها، و أساس و قوام الأسرة المتماسكة هو الحوار بين أفرادها و هذا ما وجدناه بين أسرة محسن، و طريقة معالجة كل من الأب و الأم لابنتها وكيفية دعمها ولقوة شخصيتها حتى وإن كان لدى الأم بعض التحفظات، إلا أن ذلك لم يمنعها من دعم الابنة والزوج معا.
نقطة أخرى اهتم بها لغتيري وقد كانت تتضمن رسائل مشفرة للمسؤولين، و تذكيرهم بالبقاع المنسية من البلاد، و مدى احتياجاتها من عمل وصحة وعمل ... حتى لا يضطر أناسها لامتهانها مهن الرذيلة كما هو الحال في قرية... التي مصدر عيشها أجساد نسائها، والنهاية المأساوية التي حدثت لأسرة محسن جراء طيش ابنته وتوتر زوجته وعصبيته كرد فعل على الموقف ككل، لم يكن اعتباطا و إنما هي نهاية طبيعية في تلك الظرفية، لكن الغرض أعمق من هذا، فضعف شبكة الاتصال، و بعد المراكز الصحية ومراكز الشرطة وتأخر سيارات الإسعاف، الطرق غير معبدة حتى الرئيسية فكيف بالفرعية منها، كفيل بموت الإنسان قال أجله.
كل هذه النقط وغيرها اهتم بها لغتيري وأشار إليها في صفحات روايته الأربعة و التسعين، ليبقى رهانه الأكبر هو تقديم عمل إبداعي متميز ينال مكانة كبرى لدى عشاق الأدب العالمي.


25-07-2019

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24