الاثنين 26 أغسطس 2019 آخر تحديث: الاثنين 26 أغسطس 2019
حامد جامع.. ضمير عدن - نصر مبارك باغريب
الساعة 13:54 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

لم يسع للظهور أو الشهرة طوال حياته..، وعاش بفلسفة خاصة به مداميكها البساطة والزهد بمتاع الدنيا وزخرفها ونفاقها..رغم مايمتلكه من ملكات الإبداع والتميز الإنساني بمجتمعه التي تجعله يفتخر بنفسه، ويزهو بما يختزله بعقله.

غادر (حامد جامع) دنيانا أمس الاثنين بصمت بعيدا عن الضجيج والأضواء، كما أحب وحمل بسطاء الناس جثمانه الطاهر إلى مثواه دون أن يرافقه أو يعزي بوفاته أي مسؤول أو شخصية بارزه.

نعم سنسمع غدا أو بعد غد أن المسؤول الفلاني أو المناضل العلاني أو الشخصية الفلتاني قد بعث ببرقية عزاء عبر وسائل الإعلام لأهله وذوية كنوع من النفاق الاجتماعي تجاه شخصية فريدة أحب بسطاء الناس بعدن فاحبوه وكان واحدا منها.

حامد جامع هو تجسيد نير للإرث المدني والثقافي والاجتماعي العدني، ولد ونشأ ومات بعدن وامتزج كيانه بالمدينة وناسها وثقافتها وشخوصها..طبعت عدن حبها في فؤاده، وألتصق بها إلتصاق الطفل بأمه المتخنة بالجروح والطعنات والغدر.

غاص حامد جامع في أغوار عدن وفهمته وفهمها ولم يجد مناصا للتماهي معها بعشق راق لا انفصام عنه..، إنه العدني المنتمي إلى عدن المدنية وليس إلى القبيلة أو الطائفة أو المنطقة.

أحب مدينته وأمه عدن وأحبته تثقف بمدارسها ومكتباتها ومنابر الثقافة والأدب والصحافة والسياسة فيها..، كان مثقفا حقيقيا يحمل قضية إنسانية كبيرة ومبادى صادقة لا تتزحزح..، كان نقيا حد الصفاء، وبريئا حد الطفولة.. بأفق وفكر لامس السماء.

امتشق (حامد جامع) القلم والكتاب وبهما أنار طريقه وسار بدرب حياته..، قرأ كثيرا بشتى صنوف المعرفة، وكتب عن قضايا الفكر والثقافة الأدب والسياسة والصحافة..، وترجم الكثير من الكتابات والمؤلفات من اللغة الانجليزية الى العربية، وكان الدينامو الثقافي المعد والكاتب لعدد من أهم المجلات والصحف الرصينة التي صدرت بعدن وغيرها.

كانت قناعات (حامد جامع) صلبة ثابت لم تؤثر عليها عاديات الزمن وتقلباته ومغرياته وإحباطاته..، أمتلك عزة وعفة في النفس قلما نجدها كثيرا الآن بين أوساط الكثير من المتثاقفين.

لم ينحن أبدا ، عاش طودا منتصبا ، ومات عزيزا شامخا..لم يستجد أمام مكاتب المسؤولين أو المناضلين القدامى أو الجدد، كما فعل العديد من أشباه المثقفين والسياسيين..، كان يعاني من شظف العيش وضيق ذات اليد، ولم يشك لأحد.. ، كابد قهر المرض ولم يصرح لأحد بما يعانيه أو ما يحتاجه..، زهد عن الزواج وإنجاب الأبناء حتى لايعانوا معه من ألم الحياة وزيفها في مجتمع اجتاحته القسوة والنفاق حد القرف.

كنت ألتقيه باستمرار مبتسما لي كلما رأني أحييه .. أراه متأملا مجريات الواقع المتهاوي وهو جالسا على كرسيه قباله مقر حزب التجمع (حزب عمر الجاوي) أو على عتبة الباب المقفل لسينما هريكن بمديرية كريتر بعدن بمعية ثلة من المثقفين الكبار الذين يشبهونه بشيء من صفات العفة والبساطة والفكر الحضاري..، وكروتين شبه يومي كنت أتوقف لهنيئة عندما أشاهده قاعدا بمكانه الأثير كل مساء ونتبادل حديثا مقتضبا عن حال البلاد والعباد تم أفارقه على أمل لقاء بيوم أخر.

ولعل أجزل مرحلة تجاذبت معه الحديث والأفكار كانت تلك الأيام العصيبة التي عشناها أثناء حصار عصابات الحوثي لمدينة كريتر بعدن عام 2015م..، وتحدث معي بحكمة المثقف وابن عدن المدرك لأسرار التاريخ وطبائع سكان هذه المدينة..، قال لي ان عدن ستلفظهم كما لفظت غيرهم..، قال لي أن هذه المدينة لاتقبل إلا بهاء النهار..، مدينة وجدت لتقاوم التخلف وتاريخها شاهد عليها، ولن تستطيع أي قوى أن تدمر مدنيتها.. نعم قد تواجه انتكاسه وكبوة ورياحا عاتية، ولكنها ستنهض مجددا ولو بعد حين.
_______________________
جزء مما كتبه نصر مبارك باغريب

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24