الاثنين 26 أغسطس 2019 آخر تحديث: الاثنين 26 أغسطس 2019
"أسلاك شائكة" لمصطفى لغتيري عمل روائي درامي ضد إغلاق الحدود، يتعرض للقرصنة - فدوى الجراري
الساعة 08:47 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

 

قوانين القلب لا تعترف بالهوية، كما أن لقمة العيش لا تعترف بالحدود، فالقلب أينما استشعر الحب ينبض، ولقمة العيش أينما زرعت تأكل، والحدود الجغرافيا بين البلدان خصوصا المجاورة مهما أحيطت بأسلاك شائكة فالقلب لها محطم، والأرض أينما بسطت فالسواعد تعتني بها.
ولعل بطلنا "احميدة" خير مثال على ما قيل، فقد سدت في وجه أبواب الرزق، فلم يكتف بمحيطه وبمدينته أو انتحب أمام أبواب رزقها المغلقة، وإنما سعى في البراري لعله يجد بابا مواريا يستجدي منه لقمة العيش، ترك مسقط رأسه ـفاس- وجال في البلاد غربها وشرقها، شغفه بالتجارة لم يجعله أسير المكان وإنما قاده هائما في حبها حتى عبر الحدود الشرقية، واستقر به المقام في قرية من قرى الجزائر، هذه البلاد التي احتضنته ولم تشعره يوما أنه غريب عن أبنائها، بل احتضنته حتى استشعر الأمان، وسقته من خيراتها كما ترضع الأم رضيعها الجائع، بدون سابق إنذار دق قلبه لبنت من بناتها فأحبها حبا جما، كما بادلته الحب والثقة واستأمنته على ثرواتها و بيتها، هذا كله لأن الحب لا يعترف بالجنسية ولا تحكمه قوانين الحدود الجغرافية، فعاش"احميدة" عيشة هنيئة سعيدة منتظرا هبة ربانية هي خلفه في هذه الدنيا، فزوجته الزاهية على وشك الولادة وبذلك تكتمل أسرته السعيدة بقدوم المهدي حسب رغبته أو مهدية حسب إحساس الأم، و نسي مع هذه النعمة أصله وفصله، فقط أصبح جزائريا القلب و العيش، حتى هنا كل شيء يبدو طبيعي و سليم.
لكن المؤسف أن يعكر صفو هذه السعادة قرار سلطوي مجحف، فبعدما أعلن البلدان" الجزائر  والمغرب" عن خوضهما حرب الرمال، حتى اتخذت الجزائر قرار ترحيل وتهجير المغاربة إلى بلدهم عبر بوابة "جوج بغال"، قرار أحادي الجانب لم يعر أهمية للقلوب المحطمة ولا للمشاعر الإنسانية أية أهمية، وإنما الأولوية كانت للحسابات الخاصة، وبهذا انقلبت حياة "احميدة" رأسا على عقب، بعدما تم القبض عليه من قبل العسكر الجزائري، وأبعدوه خارج الحدود، لتبدأ معاناته من جهة ومعاناة"الزاهية" و وليدتها من جهة أخرى، لحظات درامية مؤثرة عاشها كلا الطرفين بعد التهجير والانفصال، لا يمكن أن يتصورها أو الإحساس بها إلا من عاش نفس الوضع والمعاناة .
كانت هذه الأحداث وغيرها موضوع رواية مصطفى لغتيري أسلاك شائكة، التي لخصت معاناة والآلام الجزائريين والمغاربة جراء قرار الترحيل وإغلاق الحدود، حيث تشتت أسر و هدمت بيوت وقطعت الأرحام وتفككت علاقات بين شعبين كانت تجمعهما أواصر متينة وروابط العقيدة والجوار والتاريخ.. إنه بالفعل موضوع شائك ومتشعب ومؤلم، وليس بغريب على لغتيري فقد عودنا على تسليط الضوء على معاناة الإنسان ومشاكله، لقد ابتعد عن اجترار التيمات المستهلكة، فقد اختار لنفسه منهجا استثنائيا، أولى فيه العناية بدرجة كبيرة للعمق الإنساني، فركز في روايته هاته على الجانب النفسي والاجتماعي وتصوير  الجروح الكبيرة التي خلفها التهجير في القلوب، ف"احميدة" ظل قابعا تائها في مدينة وجدة في حالة ترقب وانتظار يقطع قبله الشوق والتمزق.. امتهن عدة أعمال والأمل في فتح الحدود يراوده لكي يلتحق بأسرته في أقرب وقت، في حين عانت الزاهية من الإحباط و ترددت في أعماقها الآهات كلما عادت خالية الوفاض من المنطقة الحدودية، دون أن تنال نظرة من زوجها ولا إشارة منه، حتى سلمت روحها إلى بارئها وسلمت مشعلة البحث والترقب لابنتها المهدي ، التي لم تعرف لطعم الأبوة سبيلا. أما النهاية التي تركها لغتيري مفتوحة على مصراعيها لم تكن إلا واقعا معاشا لحد الآن، فالحدود مازالت مغلقة والمعاناة ما زالت مستمرة.
أسلاك شائكة رواية الإنسانية بقالب إبداعي درامي، رسالة من قلب المعاناة إلى العالم بأسره لعلها تصل لمن يرحم بها، مثلما قراءتنا هاته هي عربون تقدير ومحبة للروائي لغتيري متقاسمين معه ألامه ومعاناته جراء عملية السطو والقرصنة الفكرية التي تعرض لها، وتحويل أسلاك شائكة بدون وجه حق إلى الوشاح الأحمر، مثلما احميدة ينتظر فتح الحدود، ننتظر و إياه قرار إنصاف الروائي مصطفى لغتيري واسترجاع حقه في أسلاك شائكة.


بتاريخ 31-07-2019

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24