الاثنين 26 أغسطس 2019 آخر تحديث: الاثنين 26 أغسطس 2019
تحقيقات
لآلئ في سراب الصحراء - علوان مهدي الجيلاني
الساعة 12:20 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)



(1)


ما أكثر ما أنجبت اليمن من العظماء.. 
وما أكثر المبدعين بين هؤلاء العظماء..
وما أقل الذي في أيدينا من إبداعهم..!
والدارس لتاريخ الإبداع والثقافة في اليمن.. يمكن أن يبدأ ألمه من عند الهمداني وأجزاء الإكليل الضائعة...ويمر بعشرات الأسماء والعناوين حتى ينتهي – وقد لا ينتهي- عند الشاعر الكبير إبراهيم الحضراني.. الذي دخل معنا إلى عتبات القرن الواحد والعشرين... وعاش زمن التوثيق بكل الوسائل الممكنة.. ومع ذلك فقد ضاع معظم شعره..!
وما نقدمه اليوم في هذا الديوان هو كل ما استطعنا الوصول إليه من إنتاجه... وليس كل إنتاجه.
وتجميع هذا الديوان لا يمثل أكثر من التفاتة بسيطة هي جهد المقل. أو محاولة المقصر.. تجاه علم من أعلام النضال والفكر والإبداع المتواضعين.. 
وعندما يذكر التواضع فإنه في حالة الحديث عن الحضراني.. يكون في أنصع تجلياته.. إنه تواضع الطبع والفطرة والمزاج.. وتواضع العلم والتجربة والتأمل. . 
فهو من القانعين والزاهدين والمحبين أيضاً. . حتى حين يقهر ويظلم ويُنسى؛ فإنه يرتفع عن سفاسف الناس ويحتقر تهافتهم على القشور، موقناً وأمثاله أنهم لا بد أن يكونوا أعظم من عصورهم وأفقر من سفهاء زمانهم.. 
لقد ولد الحضراني في السنة التي خرج فيها الأتراك من اليمن 1918م) وعاش كل أحداث اليمن الكبرى على مدار سبع وثمانين سنة مضت، فكان شاهداً في طفولته على ضرب بريطانيا لبعض مدن الشمال بالطائرات التي سقطت واحدة منها ببندقية أبيه، وكان شاهداً على محاولة ابن عبيد الله السقاف وأبيه إقامة دولة في المحميات الجنوبية والشرقية، ودفع ثمن فشل تلك المحاولة غالياً. 
وكان شاهداً، بل مشاركاً في أول زخم منظم يعيشه المشهد الثقافي اليمني في الأربعينيات. . بالكتابة في الحكمة.. ثم البريد الأدبي التي كان هو الدينامو المحرك لها.. وبالمشاركة شاعراً ومثقفاً في بلاط سيف الإسلام أحمد الذي كان يضم صفوة أدباء اليمن وعظمائها ومثقفيها.. والكتابة في صحف المعارضة والصحف الأهلية التي كانت تصدر في عدن مثل (صوت اليمن) و(فتاة الجزيرة).
وكان مشاركاً بقوة في التخطيط للتغيير وإقامة إمامة دستورية سنة 1948م.. التي سجن إثرها عدة سنوات في سجني نافع والقاهرة بحجة.. 
وكان ممثلاً لليمن في مهرجانات كثيرة إبداعية وثقافية في مختلف البلدان.. العربية. ومنذ سنة 1953م حتى مطلع الثمانينيات تولى الحضراني عدداً كبيراً من المناصب الرفيعة والعادية.. وأدى الكثير من المهام الوطنية.. 
والحضراني.. إحدى ذاكرات اليمن.. فهو مثل أبيه حفاظة وراوية من الطراز الأول، وصدره مخزن لكم هائل من الشعر فصيحاً وحمينياً وشعبياً.. وأغاني نساء.. ولكم هائل أيضاً من الأمثال والحكايات والطرف والنكات.. وذاكرة الحضراني ذاكرة واعية بمعنى (الجمع) وبمعنى (الفهم).. فهو يعرف كيف يوظفها ومتى يستدعيها، وحادثة الذهول والانصعاق التي أصابت الشاعر والمفكر العربي (أدونيس) جراء حوار استدعى فيه الحضراني ذاكرته مشهورة.. 
والحضراني من أهم شعراء اليمن وأغزرهم إنتاجاً على مر العصور، فهو ليس مقلاً كما قد يتوهم البعض . . ولكنه مهملٌ.. وهذا أهم عيوب الحضراني. 
والحضراني أحد رجال التنوير الكبار في اليمن . . وأحد دعاة التحديث والتطوير في كل مناحي الحياة بدءاً من الشعر والفكر مروراً بالحياة الاجتماعية والسياسية ولا أقول وانتهاء بكذا . . لأن أفق الحضراني لا نهاية له . . فهو في حياته وسلوكه وتربية أولاده يقدم أروع مثال على ذلك. 
والحضراني. . شاعر كبير في شعره الفصيح . . وشاعرٌ كبير في القليل الذي قاله من الحميني والشعبي . . وهو على إقلاله قد ساهم في تشكيل الوجدان اليمني بأغانيه البالغة الجودة والنفاذ إلى الإحساس والمشاعر الإنسانية. 
والحضراني . . قبل ذلك كله وبعده إنسان كبير العقل والقلب. . فهو ليس مثل بعض الأدباء والمثقفين والمناضلين الكبار – تجربة وسناً- ممن يشعرونك بعبء الحوار معهم . . إذ ما أن تقترب من أحدهم حتى يفتح النار عليك وعلى جيلك كله، ويصادر آراءك وينفيك ويتهمك بالجهل والليونة والافتقار إلى القضية والمبدأ والالتزام الوطني. 
وتكتشف بعد قليل فقط من الاقتراب منهم أنهم لا يعرفونك ولا يريدون الحوار معك، بل يريدون صب اللعنات على رأسك. 
والحضراني من قلة قليلة جداً يشعرونك بطيبتهم وفهمهم للمستجدات والمتغيرات في المفاهيم والاختيارات والأولويات. . وهو بفضل تواصله الدائم مع الناس . . وقراءاته المتنوعة قادر بسهولة على إلغاء فارق السن بينك وبينه.. يسمع ويحاور ، وحين لا يوافقك الرأي فإنه يحاول أن يفهمك. . 
وفي مثل هذه المواقف فالشاهد لدى الحضراني دائماً موجود.. في كلمة من كتاب تراثي، أو مثل شعبي، أو فقرة من رواية مترجمة، أو سيرة زعيم أو عظيم أو صعلوك . . وأكثر ما تأتي شواهده من الشعر، فهو حاضر دائماً . . وأحلى من حضوره طريقة إلقاء الحضراني له. . 
والحضراني الذي واجه كثيراً مرارات الحياة . . يشعرك وهو في هذه السن. . أنه كان دائماً على المستوى الشخصي راضياً بالقليل من هذه الدنيا . . وأنه يكفيه من السعادة أن يحس بالجمال والحرية . . وبالحياة مدينة للحب، وبالبناء أفضل من الهدم.. والتسامح أعمق من الانتقام . . ورضى النفس أولى من المرارة. 
(2)
وليس يعيب الحضراني إلا إهماله المبالغ فيه لشعره، فهو ما أن ينتهي من كتابة القصيدة . . حتى تنتهي صلته بها في الغالب، وتاريخه الشعري يحفل بكثيرٍ من الأدلة على ذلك.. 
فالحضراني كما يقول الشاعر أحمد الشامي، ويؤكد الأستاذ عبدالودود سيف أحد أهم رموزنا الشعرية ليس (في القرن العشرين فحسب) ولكن عبر تاريخ اليمن الشعري كله في الجاهلية والإسلام. 
ومع ذلك فقد بلغ هذا الشاعر الثالثة والسبعين من عمره قبل أن يفكر بإصدار ديوان شعره . . أو يفكر حتى في إصدار مجموعة شعرية تمثل مختاراً من ذلك الشعر أو مرحلة من مراحله. . وقد كان بوسعه أن يفعل ذلك قبل الثورة كما فعل زملاؤه الكبار (محمد محمود الزبيري، أحمد بن محمد الشامي، عبد الله البردوني) -مثلاً-
أما بعد الثورة فقد كان يستطيع أن يفعل ذلك بسهولة، سواءٌ من داخل اليمن أو من خارجها . . في الستينيات أثناء إقامته في القاهرة حيث كانت له علاقات واسعة مع عدد كبير من رموز الفكر والإبداع هناك من أمثال: أحمد رامي، صالح جودت، وفاروق شوشة... وغيرهم.
أو في السبعينيات خلال إقامته في الكويت حيث كان يتيسر الطبع هناك له ولغيره. 
وعندما صدر قسم من شعره سنة 1991م تحت عنوان (القطوف الدواني من شعر إبراهيم الحضراني) لم يكن له أقل نصيبٍ من الجهد فيه، فقد كان العمل كله مبادرةً من الشاعر أحمد بن محمد الشامي الذي جمع ما بحوزته من شعر الحضراني وصدر له بمقدمة شاملة وأصدره تحت ذلك العنوان. 
بيد أن إهمال الحضراني لشعره لا يقتصر على عدم تفكيره في إصداره كاملاً، أو في مجموعات متفرقة كما يفعل سائر الشعراء، بل إن إهماله ليتعدى ذلك إلى درجة أنك نادراً ما تجده يحتفظ بنص من نصوصه. . أما حين تجد لديه نصاً أو نصوصاً من شعره فذلك لأن مناسبةً ما دعته إلى الحصول عليها من أحد الأصدقاء. . أو لأن صديقاً من أصدقائه عثر على نص أو نصوص له في رسائل هامة، أو طريفة وأحب أن يصورها له ويفاجئه بها كونها من الضائع المنسي تماماً. 
ما يحتفظ به الحضراني من نصوصه هوما يحفظه لنفسه. . والقصائد الكاملة فيما يحفظه لنفسه قليلة جداً . . فأغلب ما يحفظه من شعره مقطوعات من قصائد أو أبيات من قصائد. . هذه المقطوعات والأبيات قد يكون داعي حفظها إما أهمية مناسبتها . . وإما قوتها الشعرية من حيث معناها أو صورها. . وإما ارتباطها الحميمي بنفسه؛ لأنها تمثل لحظةً وجدانيةً عاشها.. 
(3)
وإذا كان الأستاذ/ عبد الودود سيف الذي حاول سنة 1999م تكملة جهد الشامي بتوثيق القسم الثاني من شعر الحضراني قد أصيب بخيبة أمل كبيرة حين أسفر جهده الواسع عن تجميع اثنين وعشرين نصاً لا غير، قد حاول تعليل قلة هذا المحصول . . لأنه (إلى جانب حقيقة أن الكثير من شعر الحضراني ما يزال ضائعاً . . فإن شاعراً كبيراً مثل إبراهيم الحضراني قضى من عمره الحافل بالآلام والمثبطات أكثر من ستين عاماً، من جهة، والمشحون بالأحلام والآمال والنضال من جهة أخرى، حري به بعد كل ذلك أن يصاب بدوار اليأس، وأن يعلن عن تخليه عن كل أحلامه الموءودة، بما في ذلك التخلي عن حلم بحثه عن القصيدة المنشودة، كل شيء عامر باليأس ومترع بالهباء، فأي حافز من بعد للفنان لأن يتعامى عن السواد وينظر للأشياء بمنظار الجمال؛ 
الفنان هو الفنان على امتداد أكوام السواد. ولكن الحضراني الفنان الذي سولت له نفسه الأمارة بالحلم في تغيير الواقع القائم من حوله في الأربعينيات، صار في الثمانينيات وفي التسعينيات أقل اكتراثاً بما حوله، بسبب تراكم أهوال الإحباط.
من هنا يشكل الشعر الذي بين يدينا اليوم -والكلام لعبد الودود سيف- وثيقة بالغة الأهمية عن كيف بدأ الشاعر وكيف استمر، ثم انتهى به الحال إلى ما انتهى عليه).
إننا إذ نشاطر الأستاذ/ عبد الودود سيف رأيه لابد أن نشير إلى أن الإهمال والضياع قد رافقا شعر الحضراني منذ البداية . . فالنصوص التي أوردها الشامي في (القطوف) مما قاله الحضراني في الأربعينيات وهي أكثر من أربعين قصيدة ومقطوعة . . قد لا تتجاوز نصف ما قاله في تلك الفترة . . بدليل أن ما وثقه عبد الودود سيف في ملف البريد مما لم ينشر للشاعر من قبل . . وما استطعنا نحن العثور عليه من قصائد تلك الفترة وما عدده الحضراني مما ضاع في سجن نافع وفي الأعداد غير الموثقة من (فتاة الجزيرة) وغيرها لا يقل عن نصف ما وثقه الشامي في القطوف. 
أما أكبر نكبة أصيب بها شعر الحضراني فكانت في عقد الخمسينيات . . فلم يورد الشامي من قصائد تلك الفترة في (القطوف) إلا ثمان قصائد . . فيما لم يعثر سيف إلا على ثلاث قصائد . . ونحن لم نعثر إلا على قصيدتين. . !
وقد كان معظم ما قاله الحضراني في هذا العقد محفوظاً عند الشيخ أمين عبد الواسع نعمان. . وحدث أن سجن الشيخ، فخاف أهله، فأحرقوا أوراقه، واحترقت قصائد الحضراني مع تلك الأوراق.. 
أما في الستينيات وما تلاها فإن الحضراني كان لا يزال يكتب بكثرة . . ولكنه كان ينشر القليل مما يكتب أو يرسله لبعض أصدقائه المهتمين بالتوثيق فيبقى. . ويهمل الكثير أو يسلمه لبعض أصدقائه الذين يشاطرونه هذا الطبع - طبع الإهمال- فيضيع . .! 
والدليل على ذلك أن عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات قد حظيت من (القطوف الدواني) بنصيب وافر.. أربع وعشرون قصيدة من عقد الستينيات، ومثلها من السبعينيات، وتسع عشرة قصيدة من الثمانينيات . . 
وفيما عثر سيف على قصيدتين من الستينيات، وقصيدتين من الثمانينيات، وسبع من التسعينيات . . عثرنا نحن على ثمان قصائد من السبعينيات، وواحدة من الثمانينيات، وواحدة من التسعينيات، واثنتين من شعر سنة 2003م . 
هكذا يتضح لنا أن العقود الأربعة الأخيرة من حياة الحضراني كانت أيضاً حافلة بالشعر . . وأنه ما زال - وهو يخطو إلى عتبات التسعين من عمره- يقارف الشعر بين الحين والآخر..!
ولكننا نؤكد أن كل ما استطعنا الحصول عليه من شعر الحضراني يظل دون شك محصولاً قليلاً للغاية.. فالمرء -خاصة- بعد أن يعايش ديوان الحضراني . . ويعيش في عوالمه ويقترب من هذا الشاعر الكبير لابد أن يشعر بفجيعة حين يدرك أنه لم يتعرض شعر شاعر معاصر للضياع كما تعرض شعر الحضراني. 
وبوسعنا أن نقسم هذا الشعر الضائع إلى ثلاثة أقسام: 
1- الضائع الميئوس منه تماماً، مثل تلك القصائد التي ضاعت إبّان فترة السجن بين نهاية الأربعينيات ومنتصف الخمسينيات، وكذلك القصائد التي أحرقت ضمن مجموعة أوراق الشيخ/ أمين عبد الواسع نعمان. 
2- الضائع الذي في حكم الميئوس منه، وهو ذلك الشعر الذي يعتقد الحضراني أنه يتناثر بين كتبه القديمة، أو يتوزع عند بعض أصدقائه وتلاميذه. 
لقد ذكر الحضراني في رسالته إلى عبد الودود سيف أن له جملة قصائد ضائعة بين كتبه، وأنه يؤمل أن يحصل عليها. 
ومنذ أمدٍِ ليس بالقصير وأنا ألح عليه في نبش مكتبته، وتفتيش كتبه تلك، ولكنه كان دائماً يتوانى . . وربما لا يبالي . ومثل تصرفه إزاء هذا الأمر يتصرف بعض زملائه وتلاميذه، فهم طالما أبدوا الحماس للبحث عما لديهم من قصائد الحضراني التي لم تنشر من قبل، ثم لا يتم شيء من ذلك.. مع الأسف الشديد. 
3- الضائع الذي في حكم الموجود ولكن البحث عنه يحتاج إلى وقت وإمكانيات، فثمة عدد كبير من قصائد الحضراني نشر في فترات مختلفة من نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات في مجلات (الحكمة اليمانية) و(فتاة الجزيرة) و(صوت اليمن) يتذكر الشاعر بعض المطالع أو المقاطع من بعضها كما جاء في رسالته إلى عبد الودود سيف التي نشرت في ملف البريد الأدبي تحت عنوان (بعض من شعر الحضراني المفقود).
((وسأشير هنا إلى شذرات من مطالع مما لم ينشر في القطوف، فمن ذلك قصيدة نشرتها (فتاة الجزيرة) مطلعها: 
قلبي يكاد لفرط الشوق ينصدعُ

أحبتي حملوه فوق ما يَسَعُ

ومنها: 
يئست من خير من عاشرت مقترباً

فكيف أحسن ظنّاً بالذي شسعوا؟؟

قل يا بن لقمان فالأفكار مصغية

وكلنا لك فيما قلته تبع

إلى الجمال.. إلى التجديد.. فامضِ إلى

حيث الحياة بنور الحق تجتمع

وقصيدة أخرى في (فتاة الجزيرة) أهديتها إلى العالم والشاعر محمد عبده غانم -رحمه الله- أتحدث عن جولةٍ لي في محل من محلات الآثار اليمنية فيها: 
ذاهلاً أخطر في آثارهم

منعم الفكر بشتى الذكريات

أسأل الأطلال عن أخبارهم

وإلى الماضي كثير الالتفات

آه لو أعلم من أسرارهم

بعض ما تحويه هذي الصخرات

إلى آخرها. . . 
وقصيدة ثالثة نشرتها (فتاة الجزيرة) عن الحرب العالمية الثانية لا أذكر شيئاً منها، وفي أثناء الحرب دعت إذاعة لندن إلى مسابقة شعرية عن الحرب في الجو أو عن أبي العلاء المعري، وحاولت أن أشترك وقلت قصيدة عن أبي العلاء المعري، وعرضتها على ولي العهد أحمد ليسمح لي بإرسالها فلم يسمح؛ أذكر من أبياتها: 
أيها النازح البعيد عن الناس

ودنياهمُ وما يعملونا

إنك السابق الجواد فلم لا

تقطع الشوط مفرداً محزونا

غغ
وقلت أخاطب أبا العلاء بمثل هذا البيت الذي لم يعجب ولي العهد: 
وصديقٍ متى تهب نسيماً

حوله هب عاصفاً مجنونا

كما نشرت لي (الحكمة اليمانية) قصيدتين إحداهما أوردها الشامي في القطوف والأخرى في التصوف لم ينشرها)). 
القصائد التي ذكرها الحضراني لم نستطع العثور عليها كلها في الموثق من (فتاة الجزيرة) و(الحكمة) خاصة في مكتبة دار الكتب؛ لأنَّ المجلدات الموجودة منها بها أعداد كثيرة ناقصة. 
وبعض النصوص التي ذكر الحضراني مطالعها.. قد أورد الشامي في (القطوف) بعضها.. مثل: (حنانيك يا سيف المنية).. فقد أورد الشامي منه.. برقم (62) ص (126) تحت عنوان (لماذا أخاف من الموت) ثلاثة أبيات.. وقد جاء في رسالة الحضراني أنه نص طويل.. أي أن الشامي قد أورد منه ما احتفظت به ذاكرته فحسب...
الملاحظ أن نهاية المصراع الأول من المطلع قد جاءت في (القطوف): (فاربع).. وجاءت في المطلع الذي ذكره الحضراني: (اربع).
كذلك ثمة عدد كبير من قصائد الشاعر المنشورة في الصحف المصرية في فترات تمتد من نهاية الخمسينيات إلى نهاية الستينيات، والحضراني يتذكر منها قصيدة وجدانية نشرها في المصور فيها هذا البيت الذي لم يعد يحفظ الحضراني منها سواه: 
وعلى مهلك تمشي سادراً
وعلى مقربة منك حريق

وأخرى في مجلة الثقافة تتحدث عن مآسي الحرب الأهلية وتخاطب الرئيس جمال عبد الناصر، وخمساً أخرى في مجلات مختلفة منها قصيدة يعاتب فيها صديقاً له، وثانية أنشدها في حفل تكريم صديقه الشاعر الكبير أحمد رامي منها هذا المقطع: 
يا رفيق الكفاح لا حيث يمضي 
شاهراً سيفه الفتى المغوار

نحن فرسانها إذا ما تلاقت
في الصراع القلوب والأفكار

فلماذا ونحن لا نشعل النار
تهد القلوب منَّا النار

وكان قد ألقاها في حفل ضم عدداً كبيراً من الشعراء والفنانين على رأسهم السيدة أم كلثوم.
وقد أورد الشامي المقطع السابق في (القطوف الدواني) تحت رقم (52) ص (111) وكان عنوانه من (قصيدة طويلة هنأ بها إبراهيم الشاعر المصري أحمد رامي عندما أعطي جائزة الدولة)). 
إضافة إلى ذلك فإن له عدداً من القصائد التي كتبها أثناء إقامته في دولة الكويت من نهاية الستينيات إلى ما بعد منتصف السبعينيات، وكان ينشرها هناك في مجلتي (البيان) (والكويت) وغيرهما من المجلات الكويتية، وقد عثرنا على بعضها ولم نعثر على البعض الآخر وهو يذكر أن من بين تلك القصائد قصيدة تتأمل الثورة الإيرانية، ولا يزال عالقاً منها بذاكرته قوله: 
بالآه سار مجاراةً لمن سبقا
يا ويحه ليته بالآه ما نطقا

ما قربت منه آمالاً يداورها 
كلا ولم تطف في أحشائه حرقا

إن أنت لم تبلغ الغايات محتدماً
فكيف تبلغها مستهلكاً خرقا

ومن قصائده المنشورة في مجلات عربية يذكر الحضراني قصيدةً قالها عندما زار الجزائر يحيي فيها روح العالم الجليل/ عبد الحميد بن باديس، وقد نشرت تلك القصيدة في جريدة (المجاهد) الجزائرية.
وقد حرصنا على إيراد هذا الاستقصاء.. الذي لا يحمل معنى الاستقصاء الشامل لشعر الحضراني.. وإنما هو استقصاء لبعض ما علق بذاكرته التي حرصنا -كما حرص غيرنا قبلنا- على استقطار كل ما علق بها من نصوص، والتحري عن المظان التي نشرت أو أودعت فيها تلك النصوص. 
ولعل فيما فعلناه معيناً لنا على البحث - إن استأنفنا البحث عن بقية هذا الشعر- في القادم.. وإلا فهو يرشد ويدل غيرنا من الباحثين الغيورين على استكمال جهدنا وجهود من سبقنا..
حيث يظل البحث عن شعر الحضراني أشبه ما يكون بالبحث عن لآلئ في سراب الصحراء، فأنت يجب أن تجد الماء قبل أن تحلم باللآلئ..
وليس معنى هذا أن نُيئِّس أنفسنا أو أن نُيئِّس غيرنا.. 
فرحلة بحث نقترب فيها من عوالم رجل بهذه القامة.
ونقارب فيها إبداعاً في هذه المكانة.
ونقرأ فيها تاريخاً بهذا الاتساع.
تظل رحلة ممتعة.. 
حتى ولو كانت رحلة في رمال عطشى.
علوان مهدي الجيلاني - سبتمبر 2004م

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24