الاثنين 23 سبتمبر 2019 آخر تحديث: الاثنين 23 سبتمبر 2019
كتاب في حياتي (3):
"الشراع والعاصفة" - د.عبدالحكيم باقيس
الساعة 20:20 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


 

إذا مررت بأحد فروع مكتبات مؤسسة 14 أكتوبر التي كانت تنتشر في معظم مدن جنوب اليمن، (وفي مدينة عدن وحدها أربعة فروع) سيلفت انتباهك في مطلع الثمانينيات مجموعة من العناوين التي تظهر فيها صورة متكررة لرجل يضع سيجارة في فمه، وينظر إليك بنظرة يمكن أن تقرأ فيها الكثير، كانت اﻷغلفة والعناوين لمجموعة كبيرة من الروايات والمجموعات القصصية للكاتب السوري الكبير حنا مينه، والتي اجتهد عمال المكتبة في تنسيقها وعرضها للناس، لم يكن هذا الاسم يعني لي شيئًا واضحًا غير أنه الكاتب الروائي فحسب، وظلت هذا الصورة ومشهد انتشارها في أرفف المكتبات راسخة في ذاكرتي، وبعد مدة قصيرة من هذا الانتشار الملفت، وفي أثناء طريقي المعتاد باتجاه مدرسة بلقيس في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، وفي الزيارة الاستطلاعية المعتادة لفرع مؤسسة 14 أكتوبر في الشيخ عثمان، والتي كانت تحتل زاوية من زوايا مسجد النور، قررت أن يكون حنا مينه من مشترياتي في ذلك اليوم، ووضعته في مكتبتي على أمل القراءة بمجرد توفر الوقت المناسب في زحمة الدراسة وواجباتها، ومرت الأيام والأعوام الثمانينية بأحداثها العظيمة المؤلمة التي يئن لها الرصيف، ثم دخلنا في أول التسعينيات حالة من النشوة الرومانسية والبهجة المخاتلة، لكن حنا مينه ظل يمكث في مكانه وسيجارته المشتعلة نفسها لم تغادر شفتيه، والتي خُيل إلي وقتها أنها تتمادى في السخرية مني، لقد كان حنا مينه كاتبًا واقعيًا، ولعلّ واقعيته المذهلة مما عزز عندي الشعور بوهم "السخرية" من الواقع، لم يكد يمر عام - أو زد عليه قليلا - على الحدث الكبير والنبأ العظيم حتى قررت الدخول إلى عالمه الروائي من خلال "الشراع والعاصفة"، كانت سفينة الوطن وقتئذ تبحر وقد رفعت شراعها باتجاه الأفق، فيما كانت العاصفة تتربص بها في مكان ما، في هذه اللحظة المفعمة بالرومانسية خضت لجة الإبحار في عالم كاتب البحر الكبير، بمحاولة قارئ بسيط، يحاول اكتشاف سر تلك النظرة الساحرة والساخرة التي يطل علينا من خلالها حنامينه.

وكان لهذه اللحظة باعثها الموضوعي، ههههه، "الموضوعي" كلمة جميلة، كان من متلازماتها كلمة "الذاتي" ولا بأس من إضافة كلمة "الظرف" قبل أي منهما!.. أما اجتماع الموضوعي والذاتي بالنسبة لي وحنا مينه، فقد جاء بعد عشر سنوات من اللقاء الأول، في مساق "النثر العربي الحديث" في المستوى الرابع، في كلية التربية، بجامعة عدن، وفي بدايات العام 1992، حين فتح الله علينا بأستاذ سوري جليل، وناقد عربي كبير، اسمه الدكتور عبدالرزاق عيد، مدرسًا للنقد الحديث، والنثر العربي الحديث، وأخذ بنا هذا البحار الأستاذ في عالم جديد من متعة الدرس الأكاديمي وفائدته، وقد كان الدكتور الوحيد ـ آنذاك ـ من بين مدرسي القسم، وكان على كل طالب في مساق الدكتور عيد اختيار نص روائي يحلله في مقالة أو بحث صغير، هناك من اختار نجيب محفوظ، ومن اختار توفيق الحكيم، ومن اختار الطيب صالح، وغيرهم من الأسماء المعروفة، أما أنا فقد اخترت حنا مينه مع سهولة اختياري لأي من هؤلاء الكتاب الكبار المذكورين أو غيرهم، وحنا أيضا من الكتاب الكبار.. كانت سيجارته وقتها أكثر إثارة عندي من عصا الحكيم، أو نظارة محفوظ، أو عمامة الطيب صالح، وربما رغبة في المغامرة أو التقرب إلى الأستاذ السوري بكاتب سوري - لابد من شيء من الصراحة والاعتراف في الذكريات - لم أعد أعلم غير أن رائحة البحر في مدينتي عدن النابتة من بين أمواجه هي مما دفعني لاكتشاف ما يمكن أن يكتب عن البحر روائيًا، وكان البحث في "الشراع والعاصفة" أول عمل بحثي "ساذج" أقوم به، ولعل سذاجته الجميلة، وإطراء أستاذي الناقد الكبير عليه، هي مما دفعني إلى عالم حنا مينه وعالم الرواية بمختلف بيئاتها وكتابها..

من يعرف أثر النموذج الذي تخلقه الشخصيات الروائية، يشعر أنها تتجاوز مجرد إطار لعبة الإيهام الواقعي، وتغادر أيضًا كونها شخصية من ورق ـ كما يراها رولان بارت ـ إلى عالم الحياة، وكانت شخصية الربان "الريس" محمد بن زهدي الطروسي في "الشراع والعاصفة" حافلة بالملحمية والواقعية، وكأنها تطل علينا لحمًا ودمًا من على شواطئ اللاذقية، شخصية غنية بالحياة والانفعالات، مثل شخصية السيد أحمد عبدالجواد، ومن ذا الذي لا يعرف السيد أحمد عبدالجواد؟!.

حنا مينه ابن مدينة اللاذقية السورية كاتب بحر، يشكل البحر عالمه الروائي الذي يمتح منه متخيله الضارب في أعماق الواقعية، مثلما كان نجيب محفوظ كاتب مديني يعنى بتحولات المدينة وإنسانها، ومثلما جاء إبراهيم الكوني كاتب صحراء ينقب في ميثولوجياتها المدهشة، يقول حنامينه عن علاقته بالبحر: "إن البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، وأسأل: هل قصدت ذلك متعمّدا؟ في الجواب أقول:في البدء لم أقصد شيئاً، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نُقشت وشماً على جلدي، إذا نادوا: يا بحر أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحّاراً؟!".

21 أغسطس ذكرى رحيل حنا مينه..

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24