الأحد 23 فبراير 2020 آخر تحديث: السبت 22 فبراير 2020
مصطفى لغتيري أو حينما يسمو الأدب - ياسين فخر الدين
الساعة 12:09 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

    السبت الماضي، وتحديدا يوم الثاني والعشرين من جمادى الأولى 1441ه، الثامن عشر من يناير 2020م، حضرت ندوة نظمتها الجمعية الحسنية لأساتذة اللغة العربية، حول "استدعاء التاريخ في الرواية المغربية روايات مصطفى لغتيري نموذجا"، وذلك بدار الشباب المَسِيرة قبيل العصر بمشاركة محاضرين من داخل المغرب ومن فلسطين الشقيقة..
    انتهت الندوة، وقصد كل واحد منزله، وحياته الروتينية بعدما رسم العرس الأدبي  البهجة على وجوه الحاضرين، وكأنهم كانوا متعطشين لمثل هذه المناسبات الفكرية، والتي يسمو فيها الفن، ويرتقي مع الفن أصحابه وذووه.
     انفض الجمع، ودعتُ الصحب حاملا معي ما أحبه حد الهَوَس، حاملا معي كتابا، بل حاملا معي قطعة من فؤاد مصطفى لغتيري، والذي كان عريس ذلك اليوم المشهود، بل حاملا معي جليسا يسعدني للحظات، ويزين مكتبتي المتواضعة، بل حاملا معي هدية أهديها لذهن يسعى نحو كل جميل، ويرجو كل أصيل. كنت إلى تلك اللحظة لم أعرف الرجل جيدا، وهذا أمر عاد خاصة أني لم أقرأ أي إبداع من إبداعاته من قبل، وقد عرفت الرجل انطلاقا من أعراس الجمعية في الأيام القليلة الماضية. كنتُ أظنُ إلى تلك اللحظة أن الرجل كباقي مَنْ صادفتهم، أو قرأتُ لهم، أو قرأتُ عنهم، كنتُ أظن أن الرجل مثل أولئك الذين يتسرعون الكتابة، ويريدون المجد، ويطرقون حياة السعد، وهم أعجاز نخل خاوية. لم تصدُق ظنوني، وإنما بعد الندوة، وبعد قراءة الكتاب المذكور فتحت عيني على أديب أريب، وعلى ألمعي يغلبُ عليه التواضع، ولم يفكر يوما أن الجمعية حديثة العهد، بل كان حاضرا في كل لقاءاتها هذا الموسم، وكان في كل مرة يثبت أنه المثقف الذي أفل. آخى الرجل الكل، وأبدى توجيهاته للجميع، سواء في صالونات الجمعية، أو أثناء اليوم التكويني الذي نظمته مديرية الحي الحسني بالثانوية الإعدادية ابن عباد بزعامة خدوم الأنشطة الأستاذ زرقان. 
    عرفتُ الرجل –أيضا- من خلال الفضاء الأزرق، يقصدُ المؤسسات التعليمية، يقصدها لنشاط  فكري، وكأن بالرجل يؤمن بدور رجل الثقافة، وهو النزول إلى الميادين، ولا أن يقتصر دوره في حدود مدرسته وتلاميذه، وفي حدود التواصل والتفاعل مع دُور النشر، وأن يترفع عن مجتمعه. كان الرجل ولا يزال -كما يبدو لغازل هته الأحرف- وسيطا بين المجتمع والفن، ووسيطا بين رجال السياسة والواقع، ووسيطا بين النص والقراء.
    لا أكثر عليكم نظرا للأفكار الكثيرة التي تتصارع في ذهني، وأدخل إلى صلب الموضوع، والذي أثار دواخلي حتى أكتب عن هذا الإنسان كلمة، وعن كتابه لفظة، مجددا سنة غابت عن رجال الأدب في عصرنا، وحضرت عند رجال الأدب في عصور ماضية، ولا ندري سبب موت هته السنة الحميدة. 
    بعد خروجي من دار الشباب، قصدت محطة سيارات الأجرة، انتظرت قليلا من الدقائق، وبعدها ظهرت سيارة بيضاء سوف تقلني إلى بغيتي. جلستُ في المقعد الأمامي، وفتحتُ الكتاب، وكان رواية تحمل اسم "امرأة تخشى الحب"، بدأت الفصل الأول من فيلم الرواية، وإذا بي تجرني الرواية جرا، وتمارس سحرها في قارئها، شدتني شدا، وأقحمتني إلى عوالمها، وأدخلتني إلى قاعة العرض، ولم يفعل بي هذا إلا كتابان سابقان، الأول يحمل عنوان حياتي لأحمد أمين، والثاني مُعنون بسر النجاح، وهو للكاتب الغربي سمايلز وترجمة يعقوب صروف. الأسلوب سردي شيق، يدخلك إلى عالمه السردي برَوِية وتمهل، ويأخذك برفق، وتفهم مباشرة أنك تقرأ لمتمرس خبرَ عوالم الرواية، وتحكم في تقنياتها، وجرب حبالها حتى سطع أسلوبه على القارئ.
    تدور الرواية حول شابة تمتلك قدرا من المعارف، ومستوى تعليميا لا بأس به، وهي مطلقة حديثا، وتحاول العودة إلى حياتها العادية بمساعدة أفراد أسرتها، وكانت تعتبرهم أبناءها وإخوة في الآن نفسه. تزوجت من رجل حالمة بالحياة والسعادة، ولما عاشتْ معه أدركت أنه يطمع في ما تملك أسرتها من حُطام الدنيا، كان في كل مرة يجود عليها بكذبة كي تطلب من أبيها أن يساعده، وقد أدركت فيما بعد أنه محتال كذاب، وأنه لا يملك عملا، ويعيش مع أسرته، لأنه من دون عمل، وقد تحايل عليها في ما مضى أن يسكنا مع والديْه ريثما تتحسن أمورُهما، وقبلتْ طمعا في تكوين أسرة، والتي لا يمكن تكوينها من دون تضحيات، ولما بلغ السيلُ قنة الجبل، وطفحَ الكيْلُ، طلبت الطلاق، وعادت إلى حضن أسرتها، توفي أبواها، وبقيت هي مكان الأم في بيت كبير، تستقبل هذا، وتوجه هذا، وتساعد ذاك، وتزور رابعا. طمعت بحب شفيق، وهو مخرج مسرحي، لكن عرفت فيما بعد-عن طريق الأستاذة رقية- أنه ثعلب في صورة إنسان، وأنه فنان في استدراج النسوان، وطمعت في التواصل مع الأستاذة رقية، وطالما احترمتها واحترمها كل أفراد الأسرة، وعرفت فيما بعد أثناء ترددها على شقتها أنها شاذة جنسيا، عذرتها وكتمتْ سرها، وقررت في أواخر الرواية أن تقطع صلتها بالمخرج وبالأستاذة، لأنهما لا يليقان بشابة طالما نمقت صورتها عند الجميع، ونالت الاحترام من الجميع.
    جمال الرواية جعلني أقلب الصفحات بسرعة وأتلقف أحداثها بسرعة منْ يخشى الفوت، حتى وجدتني في صفحة تعرف بالأديب، ومساره الدراسي، وتاريخه الأدبي. وكم تمنيت ألا تضم الرواية مشاهد رومانسية، أو مشاهد غزلية، وهذا راجع –ربما- إلى تربيتي. أعلم أن الأدب ناقل للواقع، وأن الرواية عبرت عن الواقع من خلال التعريف بقضية امرأة داخل مدن مغربية مثل الدار البيضاء والمحمدية، وغيرها من الفضاءات العامة والخاصة. ربما كان الحذفُ أو الإشارة أو التلميح أو الإيماءة تقنيات تفي بالغرض، وتبين أكثر، وبأسلوب سام. 
    قد يصدق رأيي الأخير، وقد أجانب فيه الصواب. وما يصدق هو أن مصطفى من طينة الكبار، وأن لغتيري من الأدباء الملتزمين، والذين يحملون مشروعا، ويحملون زادا من الثقافة، ويحملون فكرة، ويحملون هما أدبيا يريدون من خلاله معايشة واقع أسلم.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24