الثلاثاء 07 ابريل 2020 آخر تحديث: الاثنين 6 ابريل 2020
علوان الذي كان - علوان الجيلاني
الساعة 09:52 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


كانت المعلامة في قريتنا معلامة خاصة على حساب جدي عبدالله ، هو من جاء بسيدنا علي بلغيث الفروي وأسرته ، سيدنا رجل مبارك ، يتسم دائما بالنظافة في ملبسه وفي سلوكه وكلامه وسائر تصرفاته يتحدث بلهجة أقرب للفصحى ، لم أعرف أن جدي وأبي وأمي وسائر أفراد أسرتي أحبوا وأجلوا أحداً سكن معنا كما أحبوه وأجلوه ، لا تزال أمي حتى اليوم تقلد طريقة كلامه ، لا يذكره أحد إلا والتمعت عيناه بذكرى ذلك الرجل الطاهر.
عندما تقرر ضم معلامة الجيلانية للمركز التعليمي في الزيدية ، وتم اعتماد سيدنا مدرساً حكومياً قرر محمد الشبيلي مدير التعليم في قضاء الزيدية نقله إلى دير العنواش ، كان جدي رغم مرضه وكبر سنه يغلي غيظا ، أما أبي فقد خاض معركة مع الشبيلي ، الذي عوضه بمعلمين هما محمد عبد الله الفروي من ديرعطاء ، وأحمد ربيد من الداودية ، لكن أبي رغم ذلك بقيس يتأسف على المعلم الصالح النقي ويتذكر طهره ومآثره .
الفروي الجديد رجل نحيف أسمر اللون ، أول يوم له معنا في المسجد كتب على السبورة ( حمار محمل عسل سلامي قيس) ثم اتجه إلينا وقال :
-استخرجوا من أوائل الكلمات مطلع سور قرآنية
دارت بنا الدنيا ، لم نفهم ،لكن بعد معاناة طويلة عرفنا أن المقصود ( حم عسق) إنها سورة الشورى السورة رقم (42) الجزء (25) – إليه يُردّ علم الساعة- .
المعلمون يختلفون ، مرة قال الولي يحيى المهدلي : المعلمون ثلاثة ، معلم بالأقوال ، ومعلم بالفعال ، ومعلم بالأحوال ، ولم يفهم الناس مقصده ، فيما بعد عرفت أن الكلام للولي أحمد بن محمد الحرضي الحكمي من أولياء القرن القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي . وهو من العشرة الكبار في اليمن .
ومقصد الحرضي أن المربي بالمقال يقول لأصحابه: افعلوا كذا، اصنعوا كذا وكذا، من أنواع العبادات.
والمربي بالفعال لا يكلم أحداً بذلك، بل أي حالة أراد أن يتصفوا بها، اتصف بها هو من صيام وصلاة، وقيام وذكر وغير ذلك، فيفعلون كفعله.
أما المربي بحال، فأي حالة خير خطر له أن يتصف بها بعض أصحابه التجأ إلى الله تعالى في بلوغه إياها، فيبلغها بإذن الله تعالى، وربما ألبسه الشيخ تلك الحالة بتصرف باطن من حيث لا يعلم أصحابه بذلك.
سيدنا علي بلغيث كان من صنف المرين بالأحوال لا يقول لنا اتصفوا بكذا او اعملوا كذا لكن هو الذي يتصف بالحال ونحن نصطبغ به .
ذات يوم كنت مصاباً بالملاريا ، الحمى تشويني طوال الليل ، كانت الليلة ليلة مطر ، أنا في حجر أمي بين لحظة وأخرى تلصق ظهر يدها بصفحة عنقي وتقول : يااارب خفف عنه فيما أنا أسمع أبي وسيدنا وهما يخيلان مواطن سقوط المطر اعتماداً على شاري البرق .سيدنا يقول : على الخشم والحزر وجوف الكلح ، وأبي يقول إنها أقرب من ذلك فأول المطر يصل إلى القناوص ودير الأقعد ودير أبكر.
استمعت إلى تخييلاتهما وبعد قليل وصل المطر لم يكن غزيراً كان رشّة خفيفةغَبّطت الأرض فقط .
عقب صلاة الفجر بحوالي نصف ساعة كان سيدنا قد بدأ درسه اليومي في المعلامة ، كنت وقتها أدرس وأحفظ أول سورة البقرة حدث لي موقف لا أستطيع نسيانه ما حييت بان الصباح وذهب أبي إلى شغله فيما جلس سيدنا ليعلم تلاميذه..
كان بعض التلاميذ يقصون( يستظهرون ما كلفوا بحفظه بالأمس) على سيدنا، فيعطيهم درساً جديداً إن رضي عن حفظهم أو يعيد لهم الدرس إن لم يحفظوا جيداً..
سيدنا كان يعيد لأحدهم آيات من سورة آل عمران، لم أكن آنذاك أعرف حتى اسم السورة.. وكنت بعد تلك الليلة المضنية من الحمى والألم، قد دخلت في حالة من الاسترخاء الذي يصاحب لحظة فرق الحمى،، كنت بين النوم واليقظة أسمع بأذني طفل صوت سيدنا الشجي يتلو تلك الآيات: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {35} فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ {36} فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ {37} هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء {38} فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ {39} قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء {40} قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ {41} وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ {42} يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ {43} ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ {44} إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {45} وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ {46} قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ {47}
وما أن أنهى سيدنا ترتيله الصوفي الشفاف حتى وجدتني أنهض من سريري منطلقاً نحو عريش المعلامة بين غرفة أمي التي نسميها المربعة، حيث كنت أنام وبين المعلامة حوالي أربعين متراً.. أمي كانت تلحقني وهي تصيح بي أن ارجع، فقد ظنت أنني أجري نائماً غير شاعر بنفسي بسبب الحمى، ولكنني لم ألتفت إليها، وفاجأت سيدنا وهو يناقش أحد طلبته بأن جلست بين يديه عاري الجسد حافياً لا ألبس إلا سروالاً صغيراً، وقلت له: أريد أن أقص.
قال مبتسماً ومشفقاً علي: لا، اليوم أنت في رخصة لأنك مريض.
قلت: لا، أريد أن أقص.
قال: ماذا ستقص؟
قلت له: سأقص هذا الذي كنت تقرأه قبل قليل.
قال متعجباً: هذا أنت لم تصل إليه بعد، هذا في جزء (لن تنالوا) وأنت عادك في جزء (الم).
قلت: أنا سمعتك الآن وأنت تقرأه وحفظته.
ذهل سيدنا ونظر إلي غير مصدق.. وقال: قص.
فقصصت الآيات حفظاً عن ظهر قلب كما سمعتها منه، وأنا بين اليقظة والنوم.
بعد أن أنصت لي سيدنا بكل جوارحه أضاء وجهه بنور ملائكي شفيف، وطفق يمسح على رأسي وظهري وصدري ويدعو لي وهو يدفعني إلى أمي ويقول لها: لقد فتح الله عليه... الله يحفظه.
لم تكن أمي تعي جيداً الذي حدث ولم يهتم سيدنا بإخبارها بكون ما حدث كان شيئاً فارقاً ولكنه أفهمها أن ما أفعله شيء مميز.. ولذلك فما أن شفيت من مرضي بعد يومين أو ثلاثة أيام.. وعدت إلى المعلامة حتى راح يحفظني (آية الكرسي) مؤكداً علي ألا أدع قراءتها كل يوم.
حفظ تلك الآيات من سورة (آل عمران) وحفظ (آية الكرسي) فتحا لي باباً واسعاً للحفاوة عند جدي سود وجدتيغالية ، كان جدي مولعاً بشرب المداعة بشكل راقٍ يضرب به المثل، وكان مولعاً أيضاً بالقات الجيد وإن كان ولعه لا يوازي بأي حال من الأحوال ولع أبي وولع جدي عبدالله، كان جدي سود كثيراً ما يسمر بعد المغرب مع زائريه وفي يده حبل المداعة، وكان من أكثر الناس مداومة على السمر معه عمي علي ماس الجيلاني والد زميلي وصديقي جيلان ماس..
أذكر أني أخبرت جدي وجدتي وعمي علي ماس والسامرين بحادثة حفظي لتلك الآيات من سورة (آل عمران) مؤكداً على ذلك بتلاوة الآيات عن ظهر قلب بشكل سليم تماماً.. ثم شفعت ذلك بتلاوة آية الكرسي التي لقنني إياها سيدنا.. فاستدعى ذلك أول ليلة ملئ مكيال صغير من الدخن هي مكافأة جدتي لي.. وهي تعني أن أذهب لدكان هفن لأشتري بها حلاوة الخبلى.
علي ماس الذي كان يقرأ كتاب الله كان أكثر بشاشة لي فأوصل المعنى الخارق لما حدث بشكل جيد لجدي وجدتي، فكان كلما جئت أوان سمرهم يطلبون مني أن أحكي القصة وأسمعهم الآيات مع (آية الكرسي) وينتهي ذلك دائماً بهدية، خاصة ، أما إذا كان اليوم يوم خميس فالهدية تخرج من داخل عريش جدتي أنواعاً من البسكويت والحلوى التي يكون جدي قد جلبها آخر نهار الخميس من سوق القناوص الذي يعقد في هذا اليوم من كل أسبوع.

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24