الاثنين 30 مارس 2020 آخر تحديث: الأحد 29 مارس 2020
عبد العزيز المقالح يقرأ قصصي: ميلاد الروائي على يد الشاعر - وجدي الأهدل
الساعة 09:32 (الرأي برس - أدب وثقافة)


 

بعد تسريحي من الجيش – الخدمة الإلزامية – عدت إلى الحياة المدنية ومعي ثلاثة دفاتر، تضم أعمالي الأدبية الأولى. وقتها كنت شاباً ساذجاً في العشرين، وليست لي أدنى معرفة بأي شخص يعمل في مجال الإعلام.

أتذكر أنني حملت روايتي الأولى “الومضات الأخيرة في سبأ” إلى إحدى المطابع، وقابلت الناشر، وطلبت منه أن يطبعها، لكني شعرت بخيبة الأمل عندما طلب مني نقوداً!

سألني إن كنت قد نشرت قصصاً في الصحف والمجلات؟ فأجبته بالنفي. من سؤال لآخر اكتشف الرجل أنني لا أقرأ الصحف والمجلات، ولا أعرف أي أديب يمني معرفة شخصية، ولا أعرف المؤسسات الثقافية والمنتديات الأدبية، وأنه لم يسبق لي مطلقاً الاحتكاك بمن لهم علاقة من قريب أو بعيد بالصحافة.

قال مستغرباً: “كيف سيعلم الناس بصدور روايتك؟؟”. حقيقة كنت أتصبب عرقاً، ولم يكن لدي حتى ظل جواب. نصحني هذا الرجل الطيب أن أبدأ أولاً بنشر قصص قصيرة في الصحف والمجلات، لكي يتعرف عليّ القراء.

خرجت من عنده غارقاً في التفكير، وأنا أتساءل كيف يستطيع الأدباء اختصار حكاية ذات بداية ووسط ونهاية في صفحتين أو ثلاث؟

بعد أشهر تمكنت من تطويع خيالي لكتابة قصص قصيرة، وواجهتني عقبة النشر، إذ لم أكن أعرف أحداً، كما كنت أعاني خلال تلك السنوات من صعوبات في التواصل الاجتماعي. كنت بلا أصدقاء تقريباً، ولا ألتقي أحداً خارج قاعات الدراسة في الجامعة.

وقعت في يدي مجلة أدبية راقية اسمها “أصوات” أعجبتني جداً، فقررت أن أرسل لها قصصي بالبريد. أرسلت أربع قصص لكي يختاروا واحدة منها للنشر. في تلك المجلة كانت أكبر الأسماء الأدبية في اليمن تنشر فيها، بالإضافة إلى كوكبة من الأدباء العرب. وكنت أقول في نفسي إنني قد وضعت مستقبلي الأدبي على المحك.

وفي يوم من الأيام فاجأني زميل في الجامعة حين اقترب مني وقال لي: “مبروك”. تكلم لمدة عشر دقائق وأنا مصعوق تماماً، ولم أستوعب ما قاله. قال كلمات كبيرة جداً، عجز عقلي وقتها عن استيعابها، وأما قلبي فكان ينبض بسرعة وكأنني أركض.

كانت تلك أكثر لحظات حياتي غرابة. كنت أشعر أن الأرض تميد من تحتي، وأن قدميّ تعجزان عن حملي من وقع المفاجأة. كان الشك يأكل قلبي ويطرق بمطارقه عقلي، وصوت نكد كان صداه يطن في أُذنيّ ويهمس: “لا تفرح.. هناك لبس.. أنت تعرف أنك لم ترسل له قصصك. ربما هذا الزميل خلط بينك وبين شخص آخر”.

استغرب زميلي أنني بدوت محرجاً وفاقد الثقة بنفسي إلى درجة مريعة. لا أظنني شكرته، فقط قلت له إنني سأذهب إلى المكتبة للتأكد من صحة الخبر الذي جاء به.

وفي الطريق كنت ما بين مُصدِّق ومُكذِّب، وكنت أفكر: “مستحيل أنا لم أرسل إليه قصصي”.

وصلت إلى المكتبة، واشتريت نسخة من جريدة 26 سبتمبر، وانزويت بعيداً. قلّبت الصفحات حتى وصلت إلى صفحة أديب اليمن الكبير الشاعر عبد العزيز المقالح، وكم كانت دهشتي عظيمة عندما وجدته قد نشر لي قصتين شغلتا مساحة الصفحة كاملة، مع مقدمة تتحدث بالإيجاب عن كاتبهما. خط هذا الرجل المتدفق نبلاً وإنسانية، كلمات تشجيعية مُقطرة ومكثفة، كان لها وقع الزلزال على روحي.

يعجز القلم في يدي عن وصف مشاعري في تلك اللحظة. الأمر يشبه سريان طاقة في الجسم تعادل كهرباء مدينة. هكذا في ثوانٍ محدودة جداً تحولت من هاوٍ لم يسبق له نشر أي نص، إلى كاتب يُبشر به أكبر أديب في البلاد، بل ويعمده قاصاً له أسلوبه الخاص في الكتابة. هذا الشعور بالسعادة القصوى لا يمر في حياة الكاتب سوى مرة واحدة.

أتذكر أنني اشتريت 17 نسخة من الجريدة، وليلتها لم أنم، ظللت مستيقظاً حتى الفجر، كنت ألمح مستقبلي الأدبي كله، وأفكر أنني بمصادفة سعيدة، لا أدري كيف رتّب لها القدر، قد وضعت قدميّ في أرض الأدب.

تاريخ لا ينسى (30 مارس 1995)، وما أزال حتى اليوم أحتفل سنوياً بهذا اليوم، الذي أُعده تاريخ ميلادي الأدبي.

قبل ذلك التاريخ كنت شاباً يائساً ومحبطاً يتخبط في ظلام دامس، ولا يعرف هل يتابع محاولاته الأدبية أم يترك الكتابة وشأنها، وكنت أعيش صراعاً لا يهدأ بين صوت العقل الذي يدعوني للتركيز على الكسب المادي، وبين صوت القلب الذي يدعوني للاستمرار في الكتابة ولو عشت في بؤس وشقاء.

أسهم تقريظ الشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح ونشره قصتيَّ في اتخاذي القرار الحاسم بتغليب صوت الروح، والإخلاص التام للكتابة الأدبية.

بدون كلمات (المقالح) المُشجعة ما كان لي أن أمتلك الشجاعة للسير في طريق الأدب الوعر، والصبر على الأشواك الكثيرة التي تحف به.

أتصور أن هذا الأب الروحي للأدب اليمني لم يكن ليتخيل مدى التأثير الهائل لما فعله في نفسي. لقد حدد مصيري بكلمة منه وإلى الأبد.

ما الذي حدث بعد ذلك؟ لقد تغلبت بصعوبة على خجلي الشديد، وزرته في مكتبه في مركز البحوث والدراسات، وقدمتُ له الشكر. لقد احتفى بي وأثنى على موهبتي أمام ضيوفه من الوجوه الأدبية المعروفة، وصرح لهم بكلمات لم أنسها أبداً: “مستقبل اليمن الأدبي يعتمد على هذا المؤلف الشاب”. لقد علت الدهشة المشوبة بالاستنكار وجوه القوم، ولكن حتى أنا ما زلتُ أشعر بالدهشة من هذه الكلمات حتى اليوم.

أخبرني أن صفحته مفتوحة لي لأنشر ما أشاء، وقد وفى بوعده ونشر لي العديد من القصص القصيرة. كذلك نشرت مجلة “أصوات” التي يُشرف عليها قصتي القصيرة “أنفي المزعج” التي أثارتْ انتباه بعض المثقفين وجعلتهم يسألون عن كاتبها.

ظل هذا الصديق العظيم يُساندني في كل الأوقات والأزمات، وهناك بعض الحوادث الخطرة التي وقعت فيها بسبب طيش الشباب، وكان لتدخله الشخصي دور في نجاتي من تلك المآزق. عندما صدرت “قوارب جبلية” الرواية التي أثارتْ حفيظة السلطة، استدعاه رئيس الجمهورية السابق علي عبدالله صالح وسأله هل قرأ الرواية، فأجاب بنعم، فقال له إن الرواية تُهاجم وتسخر من الرموز الوطنية– يقصد نفسه- فأجابه شاعر اليمن الكبير: “ليس في الرواية ما يُصَرِّح أو يُشير إلى ذلك، وإذا هناك أحد يتحسس نفسه في الرواية فهذا شأنه!”.

لم أكن استثناءً، فهذا المثقف الملتزم له أيادٍ بيضاء على المئات من الأدباء، لقد قدم الدعم والتشجيع اللامحدودين لأجيال من المبدعين، وساهم بشكل شخصي في إنقاذ أعداد من المثقفين اليساريين من الاعتقالات والملاحقة، ووفر لهم فرصاً للعيش الكريم في مركز البحوث والدراسات الذي يرأسه.

مؤكد أننا جيل محظوظ جداً، لأننا جئنا في زمن هذا القائد الثقافي الكبير الذي لم تنجب الأمة اليمنية مثيلاً له من قبل في الدور والتأثير والإبداع.

منقولة من موقع خيوط ...

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24