الاثنين 21 سبتمبر 2020 آخر تحديث: الأحد 20 سبتمبر 2020
ابحار في مدونات السباعي القصيرة جدا - عباس عجاج
الساعة 09:49 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)
 
 هذا الكتاب..
حمل الكتاب عنوانا مميزا, خطف منذ الوهلة الأولى انتباه القارئ نحو النص الموازي, (مدونات أرملة جندي مجهول), اصدار قصصي قصير جدا, صدر عن دار ميزوبوتاميا للطباعة و النشر و التوزيع, في بغداد 2014, و ضم بين طياته 93 نصا.
السباعي مجربا..
القاص الناصري, علي السباعي, اسم علم في انطولوجيا القصة العراقية, و لاسيما القصة القصيرة, لما يتمتع به من اسلوب مميز في سرد حبكة النص القصصي, و جرأة اقتناص الثيمة الحكائية التي تشغل فضاءات كتاباته, مؤثرا و متأثرا بالبيئة الثقافية التي واكب احداثياتها على مدى سنوات متقلبة الأحداث و الطوارق.
   و كغيره من أدباء زمانه الذين اتجهوا نحو التجريب في القصة القصيرة جدا في سبعينيات و ثمانينيات القرن الماضي, حذا السباعي إلى ركوب موجة السرد الأصعب – كما يطلق عليه النقاد- , مطلقا العنان لقريحته النثرية لتحاكي مرارة الواقع, و مجريات الزمان, بأسلوب أدبي, راصدا تارة, و ساخرا تارة أخرى, و محلقا في خيال السرد أحيانا. 
   وقد جاءت ثمرة بوح التسعينات, و عبق الألفية الثالثة, هذه المدونات التي رصدتها امرأة جندي مجهول كما يحمل عنوانها, و الذي بدوره يدفع العديد من الانتقادات الأدبية  التي كان من المفترض أن نشير بها للنص لولا براعته برمي الكرة في ملعب السارد ( امرأة الجندي المجهول), بما رصدت في مدوناتها الأربع ( مدونة الحرب – الحصار – الحب – التيه), كما قسمها السباعي في العناوين الثانوية.
اشكاليات القصة القصيرة جدا..
   لم تقف القصة القصيرة جدا – عالميا أو عربيا – على شكل محدد أو نمط كتابي واحد, أو حجم مقيد بعدد الكلمات سوى ما تفرضه المفردة " جدا " من اختزال الكثير بالقليل, متكأة على أهم خواصها الفنية ( التكثيف), و قد جاء في القص العالمي تعددا في أشكال السرد القصصي القصير جدا – كما ورد في كتاب مقاربات نقدية  في اشكاليات القصة القصيرة جدا, مفصلا -, ومن تلك الأشكال  (Mini saga) , و له ما يقابله عربيا ما أطلقنا عليه (الشكل القصصي المكثف جدا), و هو ذلك الشكل الممتد من 6 كلمات إلى بضعة أسطر, وهذا الشكل يعتمد بشكل كبير على المفارقة, ورمزية المفردة, إذ يختصر الجملة بالكلمة, والكلمة بالإشارة, كما ورد في نص:
"خرساء
شابة حلوة خرساء, تقدم لخطبتها شاب أخرس, رفضت الاقتران به, مخافة أن يبكي طفلهما و هما نائمان"
فهذا الشكل يتعامل مع النص بحذر شديد, متحاشيا ادراج أي مفردة لا تقتضي الحاجة إليها في سبك حبكة النص, فيكون بناء النص مرتكزا على الأقل الممكن من السرد, و الذي لا يتجاوز بضعة أسطر معدودة, و يندرج تحت هذا الشكل ما يطلق عليه (مسمى قصة الـ(درابل) (Drabble) ), و هي القصص التي لا تتجاوز ال 100 كلمة, و التي تم تحديدها لاحقا ب 55 كلمة كحد أعلى كما تشترطه المسابقات المعنية في هذا الشكل من القص, كما ظهرت (القصة التويترية), و هي المحكومة بما تفرضه المساحة المخصصة للكتابة في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر), و المحددة ب 140 كلمة, و التي تم تمديدها لاحقا لتصل إلى 280 كلمة, وتلك الأشكال يقابلها في الكتابة العربية ما يمكن وصفه بالقصة القصيرة جدا المتوسطة و التي تبلغ عدد ( 50 – 65) كلمة, و كذلك القصة المئوية, و التي تدور في رحى المئة كلمة زائدا أو ناقصا بقليل.
   و قد خاضت تجربة مدونات السباعي تلك الأشكال الثلاثة, بما تفرضه حاجة النص من الاقتضاب أو التمديد, و ذلك بتعدد أنماط الكتابة التي احتوتها بصفاتها المتعددة الحوارية منها و المباشرة و التقريرية السردية.
التبئير..
   يدور فلك النص السردي في مدونات امرأة جندي مجهول في عالم من المعايشات الحياتية, اليومية, على أصعدة أقسام المدونات الأربع (الحرب , الحصار, الحب, التيه), و هي تعكس رصد مشاهد الحياة في المجتمع العراقي على وجه التحديد في ظل المتغيرات التي يعيشها المواطن, و التي رصدها القاص من خلال البيئة التي عايشها عن قرب, و اطلع على حيثياتها, فالتقطها الخيال السردي ليسطرها بصورة حكائية, تعتمد على المهارة الكتابية التي تتيح للكاتب أن يمارس طقوس تحويلها من أحداث عابرة إلى رواسخ نثرية ساخرة تارة, و مؤرشفة للواقع تارة أخرى.
   فها نحن نجد الراوي يمثل الشخصية الرئيسة في النص لينقل ما يقابله من أحداث, كما في النص:
دهاء
آنذاك...
كنت في حرب الشمال انضباط آمر اللواء, داء لزيارتنا " عبدالسلام عارف"... طلب منه آمر لوائنا أن يوفر لنا دعما, كان البرد قارسا على جبل كورك, و الجنود جياع, و ملابسهم بالية... قاطعه رئيس الجمهورية, بحدة:
- اسمع, الحرب دائرة بين ال "كاكا".. و .. ال " جا اشلون", أنت بعيد عنها.
ابق حيث أنت... و دعهم يتقاتلون.
   أما في نص (حياء), فنجد أن الرّاوي يعرف ما تعرفه الشّخصيّة, فيقدم الشّخصيّة كما يراها مع الوصول إلى عمقها الدّاخليِّ, إذ يصور طبيعة فئة من المجتمع كما يراها من خلال موقف الجدة المبني على الفطرة, في زمن ما:
"حياء
كانت جدتي رحمها الله عندما يظهر المذيع في التلفاز تتحجب بعبائتها".
 
 التبئير المسبق.. 
   تعتمد العديد من نصوص السباعي على  ضمير المتكلم إذ يطرح السارد معلوماته باعتباره شخصية شاهدة على الأحداث أو مشاركة في صنعها، و في ذلك ينقلنا من الخيال السردي إلى النص الخبري, فينقل لنا خبرا بأسلوبه القصصي كشاهد حاضر, أو باعتبار الأنا هي الشخصية الرئيسة في النص, والأمثلة التي تناولتها المدونات على هذا الأنموذج عديدة, و منها النص:
"جنوبية
أتسكع تسكعا معرفيا في أحد شوارع الناصرية,
الناصرية التي هي أشد خرابا من واسط القديمة,
واجهتني شابة متعبة... تستجدي المارة بكفين مقطوعتين".
   
التجريب في قصص السباعي القصيرة جدا
   إن مرحلة التجريب لأي أديب لا ينبغي القياس عليها, فكما أن القصص القصيرة جدا التي كتبت في مراحل متقدمة لظهور هذا اللون القصصي قد طالها الكثير من التجديد, و تباين الرؤى حولها, و اختلاف النقاد في تقييمها, و دراستها, و تعد مرحلة انطلاق للخوض في معالم فن حداثوي يحاول الجميع أن يضع بصماته التي تعزز من مستقبل هذا الفن و تجذب المتلقي لتقبله وفق ما يرسمه الكاتب أو القاص أو الفنان من استحداث في هذا الشأن.
   و من الملاحظ في هذه المجموعة التي بين أيدينا أن القاص هنا قد ارتكزت بعض النصوص التي كتبها على الصيغة الخبرية, و بم أن الخبر يتمثل في (حدث) وقع في (زمن) و(مكان) محددين، ونجم عنه (تأثيرات) قد تكون (سلبية) أو(إيجابية) بفعل فاعل، فالقاص غير معني بنقل الخبر كما يصوره الحدث حرفيا, فمبدأ صياغة الخبر يختلف عن مفهوم البناء القصصي, و للبناء القصصي مهاراته الفنية التي تنقل القارئ عبر التشويق إلى التأزيم ثم الانفراج من خلال لقطة ادهاشية أو مفارقة فنية, يسيرها القاص بمخيلته ليصنع لها الأحداث, فهو غير ملزم بنقل الحدث كما حصل تماما, و لديه من المساحة الواسعة لاستثمار الأساليب الأدبية غير التقليدية في صياغة النص, كما في أسلوب الاسترجاع, والاستدراك, و النهايات المفتوحة.
    و لعل من أبرز ما افتقدناه في نصوص (المدونات) هو تلك العلاقة التي ينبغي تواجدها في فن القصة القصيرة جدا, من ثنائية المعنى والتي ينبغي أن تكون حاضرة بين ما يعرضه القاص, و ما يستنتجه القارئ, و الذي يجعل أفق التأويل مفتوحا لاستخراج مكنون الرمز, و شعرية اللغة, لكي تكون متعة القراءة حاضرة.
    متابعتنا لما يسطره القاص علي السباعي من قصص قصيرة جدا أثبتت أن تلك التجربة في مجموعته البكر (مدونات أرملة جندي مجهول), قد آتت ثمارها من النضج , و الإدراك لتطور هذا اللون القصصي, و أن مكنون الخيال لدى أديبنا مازال مشبعا بالابتكار و التجديد.
 
ذي قار 2020 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24