الأحد 20 سبتمبر 2020 آخر تحديث: السبت 19 سبتمبر 2020
أرادة القوة : بحث في ظلال الكولونيالية للدكتور / حاتم محمد الشماع - صفوان الشويطر
الساعة 14:20 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


 

صدر حديثا بالانجليزية عن دار توتني فور باي سفن الهندية كتاب " أرادة القوة : بحث في ظلال الكولونيالية " للدكتور حاتم الشماع. الشماع استاذ مشارك في الأدب الإنجليزي.حصل على الماجيستير و الدكتوراة من جامعة "ايفلو " بحيدرآباد .كان الشماع قد أصدر حديثا كتابه الاول بعنوان " الحوار  الثقافي العربي - اللاتيني : دراسة في جماليات التناص بين وجدي الاهدل و باولو كويليو " و الذي صدر عن أمازون ، و الكتاب الذي بين ايدينا هو كتابه الثاني من حيث الاصدار و الكتاب الورقي الأول.  
يقع الكتاب في ١٠٠ صفحة من القطع المتوسط  و يحتوي على ٩ فصول حملت العناوين التالية: العنف المابعد الكولونيالي و العالم العربي الممزق،الهوية اليمنية بين الديكتاتورية و الامبريالية ،هوية وطنية للعقول و استعادة سبأ،تسييس الدين و التعليم ،سوء فهم الجهاد ،الاسطورة ، الليبرالية و الثورة ،الاسلمة ،مركز الحجر ،الربيع العربي و العنف الدائر  .
العنوان " ارادة القوة " لا يحيل الى المفهوم النيتشوي المعروف و لكنه يشير الى التحولات التي قطعتها الكولونيالية في مشروع هيمنتها على الشعوب و استبدالها لشكل الاستعمار التقليدي بشكل آخر هو المستبد الداخلي . انه " الغزو من الداخل " حيث تعقدت و تنوعت آليات فرض القوة بدءا من الاستشراق و قولبة الشرق /الآخر مرورا بدعم الانظمة العميلة وانتهاءا بما يسمى "مكافحة الارهاب." 
يميط الكاتب اللثام عما اسماه  في العنوان " ظلال الكولونيالية " عبر كشف تمثلاتها و تجسداتها المتداخلة مستفيدا من عرض و تحليل روايات وجدي الاهدل و تحديدا: "قوارب جبلية " (٢٠٠٢)،"حمار بين الاغاني"(٢٠٠٤) ،"فيلسوف الكرنتينة " (٢٠٠٧)"،" بلاد بلا سماء" (٢٠٠٨)  التي تتناول مظاهر الانهيار السياسي و الاجتماعي في المجتمع اليمني خاصة و العربي عامة  ، و التي يربطها الكتاب بمآلات الربيع العربي و تداعياته التي كشفت عن تشظيات هوياتية عميقة. جاء في مقدمة الكتاب :" تكشف الدراسة الموروث الثقافي للعنف البطرياركي المتجذر في المجتمع العربي.انها - الدراسة -تفحص السرد الذي يعرض بأسلوب تهكمي العنف السياسي و الديني و الجهل و قبل ذلك كله النزعات الخرافية المتأصلة في العالم العربي.نزعات العنف التي غذتها المؤسسات الدينية الغير رسمية و التي أدت الى ظهور العنف الطائفي."  ( ص 15)   
يبدو جليا من عناوين فصول الكتاب تنوع زوايا الرؤية و تعدد المنظور التشخيصي بحيث يحلل الكاتب الظاهرة السياسية و الاجتماعية على ضوء السرد الروائي مع بيان السياق الفكري و التاريخي بهدف اثراء النص و محاورته. يبدأ الكتاب بتتبع تجليات مفهوم " ما بعد الكولونيالية " بحسب ادوارد سعيد في كتابه " الاستشراق " الصادر عام 1978, و الذي يضع امامنا تمظهرات الهيمنة في تجليها و تخفيها , و بناءا على فكرة "فك الرسائل المشفرة "  يقوم كتاب الشماع بكشف مستويات الهيمنة التي تشكلت من جديد وفق آليات جديدة لا نزال نعيش تأثيراتها حتى اللحظة. يقول الكاتب :"  ان التغيرات الاجتماعية -السياسية المتسارعة في البلدان العربية ،خاصة اليمن  التي تعد الاكثر فقرا بين دول الجزيرة العربية ،قد تم تجسيدها في الاعمال الادبية لبعض الكتاب العرب ،و قراءة روايات وجدي الاهدل ، على سبيل المثال،تعطينا صورة عن الحياة القاسية للعرب و خاصة اليمنيين الذين يعيشون في بيئة غريبة مليئة بالمؤسسات الدينية و محكومين من قبل انظمة ديكتاتورية ." ( ص 21).من خلال احداث و شخصيات روايات الاهدل يجد الشماع أن الصراع بين التنوير و الحداثة من جهة و الاستبداد السياسي و الكهنوت الديني من جهة اخرى ، و تطرح الروايات ،بدرجات متفاوتة ، عقبات التنوير و مأزق المثقف و هو يحاول ان ينتج وعيا جديدا وسط بيئة مقيدة بالتابوهات السياسية و الدينية. 
"من الملاحظ وجود ثلاث قوى بطرياركية تحكم اي مجتمع عربي و هي النظام العسكري, المشيخ القبلي , رجال الدين .تلك القوى الثلاث المتحدة شكلت نظام حكم جديد فيما بينها .رغم انها تملك تطلعات و ايديولوجيات مختلفة , لكنها تعمل بانسجام و كل طرف يعزز الاخر .النظام الاستبدادي يكتسب مشروعيته من رجال الدين الذين يشرعنون عنف النظام ضد المواطنين ,اضافة الى ان الخطاب الديني موظف لاستعباد الناس و يحثهم بقوة على اطاعة النظام ." ( ص 22). ان تكريس الظلم و الفقر و فشل الانظمة في تحقيق التنمية و الرفاة المنشودين للمواطنين كان في مقابل توزيع النظام للوصاية و الثروة بين افراد الطبقة الحاكمة .يشير الكتاب الى ان الاهدل قد تنبأ في رواياته بالثورات العربية التي عصفت بالانظمة و ادخلت الشعوب في اتون الصراعات , خاصة ان وعود الديمقراطية كانت مجرد أدوات و مساعي لتوريث السلطة للابناء.
هاجمت روايات الاهدل- من خلال النقد اللاذع- ثالوث التابوهات : السياسة , التقاليد , الدين - بحسب  الكتاب -على انه امتداد ادبي للنقد المابعد كولونيالي  , موجه للمستعمر الداخلي بحيث اصبح السرد فعل مقاومة للمستعمر الخارجي كما هو ايضا موجه لايدي هذا المستعمر في الداخل . لذلك مثل سرد الاهدل فعلا مزدوجا من المقاومة و الدعوة لتأسيس هوية جديدة بديلا لهوية  تشظت بين الامبريالية و الديكتاتورية. 
ويرى الشماع أن الحركات التي تتذرع بالدين أسست اشكالا ايديولوجية للاسلام تمثلت في الاسلاموية و الراديكالية و التي وقفت حائلا امام الحداثة .لقد ادى جدل الحداثة و الاسلام الى ظهور الاسلاموية و بسبب ضيق افق الجماعات الاسلاموية فقد اختزل الاسلام من دين الى ايديولوجيا معيقة للحداثة في المجتمعات العربية.عزز من نمو الاسلاموية  و الراديكالية هيمنة القوى الغربية و غزوها للعراق عام  ١٩٩٠
عجزت  الايديولوجيا الاسلاموية عن تطوير المجتمع العربي لانها تفتقر الى التثوير الداخلي ضد المتشددين الذين حرفوا مسارها ،فأصبح العالم الاسلامي مرتعا للتشدد و الاستبداد السياسي.تعرض سرديات الاهدل تجاهل الانظمة السياسية للتصفيات الدموية التي مارسها المتشددون في حق الليبراليين.ادى خوف الحركات الاسلاموية من الحداثة الى "أسلمة "كل شىء فاصبح عندنا بنك اسلامي ،حزب اسلامي ،امة اسلامية ،تعليم اسلامي ...الخ .   
تمثل شخصية مشعل الحجازي في رواية "فيلسوف الكرنتينة "، على سبيل المثال،رمزا للمثقف المتنور الذي يدعو لتحقيق انسانية الفرد من خلال الحرية و المعرفة , فالسمو الانساني  لا يتحقق الا بالوعي الذاتي و هو ما يطرحه الاهدل على لسان مشعل الحجازي و الذي يحمل اسمه دلالة النور . في رواية " حمار بين الاغاني " نجد شخصية علي جبران الاشتراكي عضو البرلمان الذي يخطب بالناس في صلاة الجمعة و ينتقد الفساد كاشفا للناس التحالف المشبوه بين رجل الدين و السياسي . يبرر الاول للثاني افعاله و سياساته و يستخدم الثاني الاول للتحريض ضد اعداء النظام و منتقديه الى جانب استغلال الخطاب للتعبئة الخاطئة و التضليل , تلك الممارسات التي افرزت موجات التشدد و فتاوى التكفير و الجهاد .
تنتظم سرديات الاهدل حول مسائل التنوير , استعادة الروح اليمنية , و ايجاد روابط مع الحضارة اليمنية القديمة لتجاوز معضلات الحاضر فمشكلة الهوية هي التي اوجدت مجتمعا هشا معزول عن ماضيه و غارق في الصراعات .ان استعادة الهوية تكون عبر اعادة تشكيل الماضي الحضاري و يتطلب ذلك جهدا لكنه ممكن اذا ادركنا فكرة ان " اعادة اكتشاف الذات المتخيلة " للماضي يمكنها جسر الفجوة بما يدمج الحاضر بالماضي لتشكيل هوية جديدة. 
ويوضح الدكتور حاتم الشماع أن سرديات الاهدل قامت بفتح فضاء تاريخي يمكن لليمنيين من خلاله الخروج من اغتراب الهوية . لقد اعطى  الصراع بين الاساطير و الليبرالية الاولوية للدين لتشكيل هوية المجتمع اليمني التي كانت نابعة في الاساس من عصر ما قبل الاسلام .( ص 64). انها سرديات يمكن اعتبارها موقعا للاستكشافات الدينامية لعدد من القضايا , تشكيل الهوية , الدولة القومية الحديثة , الفردية , التفرقة القائمة على اساس الطبقة او النوع الاجتماعي و السياسات الصغرى " مايكروبولتييك" ( ص67  )تحرض  سرديات الاهدل على ضرورة محاورة التاريخ بهدف اعادة صياغة الهوية , و تحديدا تاريخ سبأ و حمير المجسد لليمن الحضاري بامتداده الزمني الهائل , كما ان على الدين ان يتصالح مع الليبرالية  التي خلق رجال الدين حولها ما يشبه " الفوبيا " بدعوى انها تدعو للانحراف و التغريب , اذ يشير الكاتب الى ان الاهدل يعد اول كاتب يمني  يدعو الى حكومات ليبرالية في الدول العربية "(ص76).

 

# الاقتباسات الواردة من الكتاب هي من ترجمة كاتب المقال .

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24