الأحد 20 سبتمبر 2020 آخر تحديث: السبت 19 سبتمبر 2020
الواقعية السحرية في الأدب - مصطفى لغتيري
الساعة 21:32 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

عرفت الواقعية السحرية في الأدب أوج عطائها وازدهارها في أدب أمريكا اللاتنية، ويمكن اعتبارها باختصار اتجاها أدبيا، جاء كرد فعل عن الإغراق في الواقعية، وهو أدب يمزج فيه الكاتب ما بين الواقع والخرافة أو الأسطورة، ليعطي مزيجا "سحريا" يشد لب القارئ، ويصبح معه الخيال المجنح للكاتب وكأنه جزء من الواقع، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه خورخي لويس بورخيس وغابرييل غارسيا ماركيز وإزابيل الليندي وميغل أنجيل أستورياس.
حاولنا معرفة مدى انتشار هذا الاتجاه الأدبي في الوسط الأدبي من خلال أراء بعض المهتمين، فكانت الأراء غنية ومتنوعة، إذ اعتبر رضوان المتوكل الواقعية السحرية في مجال الأدب بمثابة اتجاه أدبي بارز شكل براديغما أو إبدالا فنيا لاتجاه سالف كان مغرقا في الواقعية. ويرى أنها ارتبطت في مجال الأدب بذلك المزج والخلط بين كل من الواقعي والخرافي والأسطوري في قالب فني جذاب آسر لعقل المتلقي، وبرز هذا الاتجاه بشكل لافت للانتباه في أدب أمريكا اللاتينية من خلال نماذج شتى، ولعل أهمها أعمال غابرييل غارسيا ماركيز من خلال أيقونة الواقعية السحرية " مائة عام من العزلة"، والتي ارتبطت بقرية تدعى " ماكوندو" المنعزلة، والتي تحدث فيها وقائع كثيرة مدهشة لا تصدق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: حدث ولادة آخر فرد من أفراد أسرة تسكن هذه  القرية، وهذا الطفل ولد بذيل خنزير بسب الخطيئة أو علاقة غير شرعية. ونلمس هذا الاتجاه الأدبي، أيضا، في أعمال إيزابيل الليندي، وبخاصة في رواية " السيد الرئيس" والتي تجسدت فيها الواقعية السحرية من خلال شخصية الرئيس الديكتاتوري المستبد، والذي يقتل بدم بارد، ويستمتع بذلك استمتاعه بطعامه وشرابه، وما رافق هذا من أحداث مختلفة يمتزج فيها الواقعي بالخيالي.  
أما فدوى الجراري فترى أن حكمة "خير الأمور أوسطها" هي التي وجهت أنصار مذهب الواقعية السحرية، الذين مزجوا بين سوداوية الواقع و سحرية الفانتازيا، وخلقوا لأنفسهم تيارا يجمع بين هذا وذاك، لعل بمزجهم هذا يلونون الواقع بألوان أخرى غير السواد، ويمنحون الأساطير و الخيال أرضا خصبة ومسرحا واسعا، فيصبح بذلك ما هو حقيقي وما هو خيالي سيان في عالم الواقعية السحرية.
وهذه التقنية الأدبية ظهرت أول ما ظهرت في ألمانيا إلا أنها اشتهرت و تطورت في أمريكا اللاتينية حيث تمكن رواد هذا النسق التعبير عن أفكارهم وإيصال رسائلهم بسحرية لا تبتعد عن الواقع، و من بين الأعمال التي حضرت في الذهن نجد شهيرة البرازيلي باولو كويلو الخيميائي حيث نجد أسطورة الفتى سانتياغو الثائر الذي رفض حلم الأب في أن يكون ابنه راهبا، يعانق حلمه بشغف، حلم تكرر مرة أو مرتين ليس عبثا وإنما لإثارة العزيمة لحظة ضعف الهمة، فالحلم يقتضي البحث عن كنز مدفون تحت أهرامات مصر، وحتى الوصول إلى هناك، هناك رحلة سحرية قطعها الحالم المتشبث بكنزه. في مثال آخر نجد التشيكي كافكا و روايته "التحول" حيث تدور الحكاية حول بطل استيقظ في أحد الأيام ليجد نفسه قد تحول لحشرة غريبة تكبر يوما بعد يوم، الصدمة الكبرى لم تكن بتحوله و إنما في ردود أفعاله وأفعال أقرب المقربين منه ألا وهم والديه و أخته الوحيدة، خصوصا بعدما أصبح إنسانا مستهلكا وليس منتجا كما كان، فأصبح أسير غرفته التي جردوها من الأثاث لتكون سجنا له حتى يباغته الموت.
وتبقى الواقعية السحرية تقنية فنية تمنح للكاتب الخلق والإبداع و للقارئ الإثارة والتشويق.
محمد محيبي من جانبه اعتبر الواقعية السحرية إضافة عناصر فنتازية على الواقعية الاجتماعية بشرط أن لا يشعر القارئ أن هناك خطأ ما.. حيث يمكن تصديقها، نظرا لكثرة ما يعيشه المتلقي من تفاصيل حقيقية، فلا يستغرب لغرس الكاتب الخيال في النص.  ومن النماذج المبدعة في أدب المدرسة الواقعية السحرية لكتّاب أمريكا اللاتينية رواية "بيت الروح" للكاتبة الشهيرة "ايزابيل الليندي" التشيلية. من أهم شخصيات الرواية "كلارا ديل فالي" التي تميزت بحسها المرهف، وامتلاكها في سن مبكرة، قدرة تحريك الأشياء من حولها بمجرد التفكير بذلك، كمالو كانت لديها حياة بداخلها. وكنموذج ثان لهذه المدرسة، نذكر رواية "بيدرو بارامو" للكاتب المكسيكي "خوان رولف". تدور أحداث الرواية العظيمة. حول خوان بريسيادو الشخصية المحورية، الذي يقوم برحلة بحث عن أبيه، بعد أن وعد أمه بأن يجده، لينتهي به الأمر إلى مدينة أشباح حقيقية.
فيما  قال محمد بادو  إن الأدب قد عمد إلى الاعتماد على مجموعة من الأنماط المختلفة في الكتابة، كالواقعية والفنتاستيك، إلا أن هناك من الكتاب من اعتمد النمطين معا كخاصية أدببة جديدة. من خلال تحويل الواقع العادي إلى أساطير ما يسمى الواقعية السحرية ، وهو تقديم الأشياء الواقعية بشئ من الخيال. وظهر أول ما ظهر في أدب أمريكا اللاتينية ليبقى خاصية تلتصق به حيث عمد جل الكتاب اللاتينين الى السير عن هذا المنوال، وهنا نستحضر  قصة لخورخي لويس بورخس "اللقاء" من كتاب "تقرير برودي" ، التي في الوهلة الأولى يقدم الكاتب الأشياء كما في الواقع اليومي حضور حفلة شواء في أحد القرى الريفية مع احد اقربائه ثم سرعان ما تتحول الحفلة الى مسرح الجريمة بطربقة مروعة . لقد قدم هذا النمط الشيئ الكبير للأدب حيث أنه يجعل من الأشياء العادية واليومية تتحول الى أحداث مفاجئة مما يعطي انطباعا للنص في ذهن المتلقي .
فاطمة أكوراي أدلت بدلوها في الموضوع مركزة على أن  الأدب اللاتيني الأمريكي قد عرف في ستينات و سبعينات القرن 20 ما عرف ب"البوم" أي الازدهار أو نقلة جديدة، تميزت بالمزج بين الواقع  و المتخيل. وقد أبدع في هذا المجال أدباء كثيرون نذكر منهم: غابرييل غارسيا  مركيز، من كلومبيا، و كارلوس فوينتس من المكسيك، و ماريو بارغاس من بيرو، و آخرون. وسنقتصر على نموذجين:

الأول لكارلوس فوينتس من خلال روايته: الغرينغو العجوز وتتحدث عن اختفاء كاتب من أمريكا الشمالية في المكسيك خلال الثورة المكسيكية سنة 1910. استغل فيها كارلوس فوينتيس  حدثا تاريخيا واقعيا وحبك حوله رواية منمقة وجذابة تمزج بين الواقع و المتخيل بطريقة  فنية مبدعة. والثاني غابرييل غارسيا مركيز  من خلال روايته: "عن الحب و شياطين أخرى" و هي قصة فتاة عمرها 12سنة، شعرها نحاسي طويل ينمو حتى بعد موتها. استلهم حسب قوله قصتهت من أسطورة سمعها من جدته.او ربما من حادث عاينه.عثر على فتاة مشابهة لفتاة قصته أثناء نبش قبور إحدى المعابد.
ختمت هذه الباقة من الآراء حبيبة خيموش التي اعتبرت الواقعية السحرية مدرسة أدبية انتشرت بامريكا اللاتينية، من أساسيتها التخييل المرتكز على الغرائبية. وضربت مثالا برواية مائة عام من العزلة للروائي الكولمبي الكبير غارسيا ماركيز الذي اشتهر بهذا النوع من الكتابات، والخيميائي لباولو كويلو: فهي  رواية تتأسس على فعل التحويل، على الخيمياء التي تعد "سحرا" يقلب الرخيص إلى غال ويحول النحاس إلى ذهب، السحرية تحضر في الرواية عبر حجري أوريم وتوميم.
لتخلص إلى أن هذا التيار قد حظي بإهتمام كبير وإقبال واسع أسس على إثره قاعدة عريضة من عشاق هذا الادب في العالم بأسره.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24