الثلاثاء 07 يوليو 2020 آخر تحديث: الاثنين 6 يوليو 2020
سيرة إنسان - أحمد جابر
الساعة 12:01 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

 

((كلام القلوب ليس له حروف!! ودموع العين لا تسعها الكلمات!!)) ليست الكتابة هنا لمجرد التأبين والرثاء، وذلك لِعِلـَّةِ ما نجده من قصور اللغة في التعبير عن صخبِ الحزن، ووحشة الفراق. هكذا أينما يممت بحرفي يتلقاني شريطٌ طويلٌ من الذكريات والمواجع, هي شهادةٌ أزعمُ أنِّني أكتبها على عجالةِ وأنا أطوي بقلمي سيرة إنسان توطنَ القلبَ وأزهرَ في الأعماق, رحم الله الدكتور أحمد النهمي، رحل في ذروة العطاء, غادرنا وقد ترك ثـلماً في النفس, غيابه شكَّـل خسارةً فادحة للوطن, فقد كان مُفَكِّراً موسوعياً, وعالماً ضليعاً بأصول اللغة وتفرعاتها وآدابها, عَرَفَـتـهُ قاعاتُ التدريس في الجامعات والمنتديات الأدبية والثقافية, ولقلمه حضور مبدع في الصحافة المكتوبة، ناهيك عن نشاطاته الشعرية والإعلامية التي كرَّسها لخدمة الوطن تنويراً وموقفاً .
أحمد النّهمي الصَّفيُّ التَّـقي, و الزَّكي النَّجي, صاحب الطلة البهية، والابتسامة النقية، المعروف بالكياسة والفطنة والورع، يترجل بعد أن كان أحد الأعلام المشهورة التي نفتخر بها على مستوى الوطن, وأنت تقرأ في سيرة هذا العملاق تذهلك هذه الشخصية الجذابة التي يتملكها الهدوء والاتزان ورحابة الصدر, معرفتي به تتجاوز عقدا من الزمن فقد سمعت ثناء عليه من قِبلِ أساتذتنا في مرحلة الماجستير, ثمَّ لمع نجمه في مرحلة ما بعد الدكتوراه, وكان لديه فرصة أن يعمل في إحدى الجامعات السعودية بعد تخرجه من جامعة أم القرى لكنَّه - وبخلاف كثير من الأكاديميين - آثر أن يبقى في الوطن، مكرساً جهده وطاقته في التعليم بدءاً من جامعة البيضاء وانتهاء بجامعة ذمار, لا سيما في مساق الدراسات العليا حيث أشرف على عدد من طلبة الماجستير, وناقش العديد من الرسائل في أكثر من جامعة يمنية, ومن موقعه كرئيس لقسم اللغة العربية في كلية الآداب أسهم مع زملائه في رفع جودة التعليم، وزيادة كفاءته, وربطه بالمعارف والمناهج الحديثة.
وأما على المستوى الشخصي فقد ربطتني به صداقة قوية جعلته قريباً من النفس والقلب على نحو عجيب, فقد كنتُ أنثرُ عليه بعض كتاباتي الشعرية والنثرية فيتلقاني بثناء القول، وحميد النقد, وجميل التعليق, ويدهشني بأسلوبه ومنهجيته, وهو يتروى قليلاً قبل أن يتحدث، ثم ينضِجٌ كلامه على نار هادئة, يشعركَ بروعة منطقه، وجمال أسلوبه، وسعة خياله, وحين يُلقِي قصيدة تراه واقفاً كالأسد, شامخاً كالجبل, يموسق الحروف، ويصنع إيقاعه الخاص، ويترك صدى كلماته في النفوس.
وقد أخذت معرفتي به تتوثق، وصداقتي معه تتجذر, فقد جمعنا جدول التدريس في الجامعة كل يوم في الأسبوع , وكان هذا اليوم الذي نمضيه معاً من أجمل الأيام وأسعدها وأمتعها، وبرفقة الدكتور عبد الله صلاح تكتمل الدهشة، ونوغل في تفاصيل الحياة اليومية، وقراءة الأحداث, وكانت تروق لي تحليلاته، واستشرافه للمستقبل, كنتُ برفقة علمين هما من النقاء مالا تلم بتفاصيله الحروف, ولا أعلم فيما سمعت أو شاهدت بمثل صداقتهما، حتى ليضرب بهما المثل, فلا يذكر أحدهما إلا تبادر إلى الذهن الآخر, ومن جليل ما أذكره من المواقف التي رافقتهما به جبر خواطر الأصدقاء، ومشاركة الآخرين أفراحهم وأتراحهم, والشواهد على ذلك تطول, على أن هذه الرفقة التي لازمتهما بها أعطتني شعوراً مضاعفاً بقيمة الإنسان ومكانته بالمجتمع, وكنت حيث أذهب معهما أقرأ في عيون الآخرين مقدار الحب والحفاوة, ولعمري فهذا الرصيد الذي يمكن للمرء أن يفاخر به بين الناس.
حينما وصلني خبر نعيه كنت للتو قد أرسلت له تعزية في وفاة والده رحمه الله، لكنه لم يقرأها فقد غافله الأجل قبل ذلك بوقت وجيز، وحين قرأت الخبر من صفحة أخيه زياد توهمت بأنَّ ثمة تصحيف في منشوره, أعدت قراءة الخبر مرة ومرتين، ويا لهول الفاجعة, دارت بي الأرض, وشعرت أن الحيطان الأربعة تصطدم بي و تغور بي إلى منسحق عميق, كان قلبي يدق كضربات المنجل على الصخر, والدموع تجري كالطوفان, انكببتُ على سريري, حشرت وجهي في الوسادة، بكيت كما لم أبك من زمن طويل، تذكرت كلماته, أسلوبه, روح الدعابة التي تسري بروحه الطاهرة, وعقد الفل الذي كان يشتريه لي كلما عدنا من الجامعة , تصفحت آخر رسالة له كانت قبل وفاته بحدود أسبوع , يسألني عن حالي ويطمئن عليّ , ربما تناهى إليه أننا بالسكن الجامعي في الخرطوم قد داهمنا المرض, كان من الخلصاء الأصفياء الذين تبكي عليهم الأرض, رحيلك يا صديقي يشبه خسارة وطن, موت تراجيدي يجعلنا نفكر ألف مرة ما قيمة الحياة حين يرحل منها الطيبون؟!
من أي صفحة أكتب عنك يا أحمد، وكلك صفحات بيضاء مشرقة, وكتاب جمع بين دفتيه سيرة إنسان عظيم, الحديث عنه أطيب من المسك, وأنقى من الماء الزلال, وأجود من الغيث الودق, هو البحر من أي النواحي أتيته .. فلجَّتُه المعروف والجود ساحله, صورته أمام عينيَّ, تتشبث بمخيلتي لا تبارح الذاكرة, ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتسرب من القلب, رحمك الله يا أبا إبراهيم، ها أنت ذا تودعنا، ومن خلفك قلوبنا الثكلى وأسئلتنا الحائرة, فلله ما أعطى ولله ما أخذ وكل شيء عنده بمقدار ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

# العبارة المقتبسة بدايه المقال لـ د. محمد فكري

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24