الثلاثاء 07 يوليو 2020 آخر تحديث: الاثنين 6 يوليو 2020
جمال الرموش .. الشاعر بين نصين وثلث قرن !! - محمد عبدالوهاب الشيباني
الساعة 16:31 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

حين كنا نتحسس أولى الخطوات في عالم الكتابة أواخر ثمانينيات القرن الماضي كان الشاعر جمال الرموش أحد أصوات جيل الثمانينيات الشعري، الذين ملئوا الساحة ضجيجاً محبباً.
في أمسية شعرية في مقر اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين في مقره القديم في حي التحرير في العام 1989 ، شارك بها ضمن مجموعة شعراء تنظمهم جمعية الادباء الشباب ، إحدى واجهات اتحاد شباب اليمن الديموقراطي الثقافية آنذاك، كان صوته ليلتها مختلفاً ، ليس في طريقة القائه المسرحية الباذخة فقط ، وانما في مهاراته في بناء الجملة وتقطير الصورة الشعرية غير المتوقعة ، على أذن معتادة على التطريب وشهقة الغناء.
كان صوت الثمانينات في الجنوب والشمال معاً لم يزل واقعاً تحت سطوة جيل السبعينات الممهد الاكبر لعملية تحول الحالة الشعرية نحو الحداثة غير الملتبسة في اليمن ، وأن تأثيرات سعدي يوسف ومحمود درويش في مرحلة بيروت باستطالاتها الغنائية لم تزل تعمل في جسم الشعرية مياسمها الحامية، لكن ما كان يحاول فعله جمال هو المخالف لتلك السمة ، وان كانت الطريقة الدرويشة في الإلقاء تفعل فعها الجارح في صوته، بالرغم من أن نصه كان يصاغ خارج إرث الغنائية والوزن.
كل شعراء هذا الجيل نالهم نصيبٌ من التسويق والترويج الثقافي حتى أولئك الأقل موهبة ومثابرة ، الا جمال فقد كان حظه قليلاً من هذه العملية حتى وهو حاضرٌ في قلب المشهد ، وقارئاً مقتدراً لتحولاته العميقة ، وهو في وجوده الآن في قلب الألفية الثالثة بعد أربعة عقود من مشوار الكتابة لم يزل يكتب بتلك الحيوية الشابة.
قبل أيام قرأت له نصاً شعرياً مستعاداً من تلك المرحلة عنوانه (تضادُ الهُدنَةِ .. تضادُ البكتيريا المُقَدَّسة) ومؤرخ بديسمبر 1987 ، جاء مقطعه الأول مركباً بهذه الهيئة
لم أرتعد,
حين جاءني مرتين ,
لم أقُل له عفوا سيدي ,
إن بيتي ضَيِّقٌ بالغياب ,
وأصابعي تَعِبَت من فيض التحايا ,
تحايا الظل ,
لم اقُل لَهُ , إنني راكضٌ نحو حجرٍ طائرٍ , أو مطر بدائي ,
ولم أقُل لَهُ ,
سأخلعُ عن جثتي الغموض ,
وأُكنسُ من عتبات روحي ,
مدى الأصدقاء الثعالب ,
أو أهتف للرب ,
يا رب قَدِّسني ,
أنا بياضك النامي
وغُناؤك العالي ,
وسُندُسُك ,
فَقَدِّسني *
يمكن للقارئ تتبع قدرة الشاعر الهائلة على بناء الجملة الشعرية من أبسط مستدركات الالفاظ وأكثر المساحات وضوحاً، التي ستضيئ مثلاً غموض الجثة ، لتنهض راكضة نحو ملاذ الطائر، أو باتجاه المطر غير المستأنس والمروَّض. الشاعر لم يقل .. لكنه ترك للقارئ أن يقول ذلك بفعل المحفزات التي يضخها النص في حاسة التلقي
(لم اقُل لَهُ إنني راكضٌ نحو حجرٍ طائرٍ أو مطر بدائي / ولم أقُل لَهُ / سأخلعُ عن جثتي الغموض )
ظهرت موضة الابتهالات النصية في القصيدة الجديدة ، باستدعاءاتها الصوفية الزخرفية ، بعد موجة التكفير التي طالت الشعراء والمفكرين والكتاب ، ونسجوا على منوال قصيدة ابتهالات للدكتور المقالح عشرات النصوص قليلة القيمة، غير أن جمال الرموش كان هناك يسبقهم جميعاً يكتب ابتهالاته من الزاوية الأكثر حميمية وصدقاًن وغير مداهن لافتات الايديولوجيا وسطوة خطابها وتنمر حراسها من المثقفين
سأخلعُ عن جثتي الغموض , / وأُكنسُ من عتبات روحي ,/ مدى الأصدقاء الثعالب ,/ أو أهتف للرب ,/ يا رب قَدِّسني ,
أنا بياضك النامي / وغُناؤك العالي ,/ وسُندُسُك ,/ فَقَدِّسني *
(2)
عدن المستعادة في التفاصيل، هو كل ما يمكن أن يقال عن النص الثاني ، المكتوب بعد ما يقرب من ثلث قرن على كتابة الأول، بلغة تستعيد حيويتها بدهشة الأشياء. فعدن المستعادة اليوم هي التي كانت في ذات وقت:
(بؤبؤ عين الله الرحومه
كعبة الأعراقِ، والأجناسِ، الإثنيّات، المِلل، والنِحَل ، الملالي..، السادة، والحاخامات.
تلك ذات "عدن" جوهرةُ القراصنةِ، مهبطُ الآلِهات، ومحطةُ القوافل بين البرية، ودروب الماء مأوى اليساريين العربْ.)

غير عدن الآن المستباحة بالبداوة والتطرف والدم، التي صارت فقاسة ساخنة للتنمر والضيق بالغيريين من غير أهل القرية معوجي الالسنة والسوية.
عدن المستعادة
التي يمكن اعادة تظهير المستبطن من تفاصيلها البسيطة في:
( "كاتلكس.. وكباب بالو"، و"السمبره جرام"، "عشارُ الليم" و"البُرته"
و"شوكليت البُلآعه" و"آيسكريم بابا شرف"، "شرابُ الدوردورمه"، "السكر ياقاند"" و"الجنجو" بلونها الأحمر القاني.. ذي الملمس الزجاجي..، المصقول كالمرمرْ.. ، "الفوفل الملبس"، و"ماءُ لبِ البرقوق"، "شَعْرُ البناتِ المُسَكّرْ"، و"معاصر زيت الجلجل"، "القوارمةُ" المُصَدَّرَةُ، من اللغالغة الصومالْ.. ،والخالةُ"عمبرو" الصومالية، وتيسها.. الذي كان يقصمُ ظهورَ عنزات الـ"بدويزم"، و"عاشوراء" الحبيب الحسين، والحلقاتُ العيديه لأطفال الـ "بُهرى"،
والـ "خوجة.. الجعفريون"، أتراحُ.. وأمراحُ الـ "بنانية" – الذين لم نلحظ حتى الآن، أين يخفون"كُعَالُهمْ"..؟ - ، "المعمداناتُ"، و"التراتيلُ، وقداديسُ كنائس المَسْيا"، لـ "كُرُسْتان" والـ "بوذيون"،
بيارقُ الأولياء، الخفّاقة، والأزهى من رايات الممالك، والجمهوريات الكسيحه، ومقاماتهم"العيدروس، عُمر، وأخته: سعيده بنت علي..، العراقيْ..، وجوهر..، الجيلانيْ..، والمظلومْ"، وأعيادُ زياراتِهم، التي كنا نقتنص خلال بهجة مسيراتها، البنات القرويات الساذجات، اليتقدمنَ من الريفِ المتاخمِ لبلداتنا، واصطياداتنا الحِرِّيفة لأحلى الصبايا العدنيات،
ودِقَّةَ رمياتنا التي لم تُخطئ كفوفهن، وهي تتلقفُ منا الهريسة، والحلوى المجففه، وحبات الكعك المدورة، من لدن جداتنا المرحات، اللآتي – عادةً – ما كنا يتمنين لقلوبنا الغضه:
فألَ خيرْ، بينما كنا نحسبها في ذاك عمرنا المُبكِر... أُولى مراتب الغرامْ.. ... ثم "جوكر "المجاذيب" علي حسين.. طُز البيسه"، الذي تخيلناه بالآعيبه السحرية، وسطَ سِرداقه الخشبي.. إلآهاً شائباً بلون الشوكلاته.. ،
وشيوخُ الطرق الصوفية، والمُريدون.. في ابتهالاتهم الراقصة حوالين صحن "الأحمديه"، ثم عاداتُ أُميْ..،
في وداعاتها للحُجّاج..، وحلقات الذِّكر!!، التي يتمترسُ بين حافات دوائرها،
في الغرفة الكبيرة، ببيتنا..،
صامولُ أبيْ ، ليَصُدَّ بِهِ شغبَ إبليسْ..، وعبث عفاريته)
يتجاور في هذا النص الشعري بالسردي الحكائي، الذي يمكن تركيب صورها المشهدية لتكون شريط استعادي قوامه الحنين لتلك التفاصيل.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24