الخميس 13 أغسطس 2020 آخر تحديث: الاربعاء 12 أغسطس 2020
ذكريات العامري والاحتفاء بالأم - مسعود عمشوش
الساعة 14:53 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 


يؤكد المدرس عمر عبد الله العامري أن لديه مشروعا متكاملا لكتابة سيرته الذاتية وذكرياته، وبعد إنجازه للجزء الأول منه شعر بأن الحديث عن الأم قد أخذ مساحة واسعة منه؛ فقرر تكريسه للحديث عنها، لاسيما أنها، فضلا عن كونها أمّاً متميزة، امرأة حضرمية كتبت كثيرا من القصائد الشعبية التي ضمّن كثيرا منها في هذا الجزء من الكتاب، الذي نشره ورقيا والكترونيا بعنون (ذكرياتي مع أمي). ويؤكد العامري أن الجزء الثاني من مشروعه، الذي سيركز فيه على الشأن العام، سيحمل عنوان (ذكريات شاهد على التغيرات الاجتماعية والسياسية في جنوب اليمن).
وفي الحقيقة، على الرغم من رغبة المؤلف في التركيز في هذا الجزء الأول على الشأن الخاص، فهو لم يستطع تجنب الحديث عن كثيرٍ من ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في حضرموت خلال النصف الأول من القرن العشرين وحتى عام 1967، مع التركيز على وضع المرأة بشكل خاص، فهو أسهب، مثلا، في الحديث عن ظهور التعليم الانتظامي للبنات في سنة 1942، وارتفاع نسبة الوفيات بين الأطفال، وأثر هجرة الزوج في العلاقات الزوجية.
وفي مقدمة هذا الجزء من مشروعه (ذكرياتي مع أمي)، وبعد الحديث عن أهمية قصص الأنبياء والتابعين في القرآن، يبرّر عمر العامري الحديث عن أمه والناس الذين أحاطوا بها بالرغبة في تقديم العبرة للآخرين، فهو يكتب: "وما سأتحدث عنه في هذه الذكريات ليس إلا نموذجا لأناس سمعت عنهم وعاصرت بعضهم، فحياتهم بالنسبة لي اليوم مثل القصص. إنهم أناس عاشوا ﻷجل الآخرة، حياتهم كلها مطيّة لها. لذلك تجدني أغوص في أمور حياتهم لأن فيها العبرة. وأختصر حديثي في هذا الكتيب عن أمي رحمها الله رحمة الأبرار، طفولتها ونشأتها وتعليمها، وكل حياتها الخاصة، لأنني وجدت في ذكرياتي معها أنها تمثل مرحلة حافلة من تاريخ وادي حضرموت، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وروحيا". ص3-4
ومن الأهداف الأخرى لتأليف هذا الكتاب الاحتفائي رغبة المؤلف في التعبير عن عرفانه وتقديره لأمه ورد جميلها، فهو يقول "ولعلي بكتابتي لهذه الذكريات الغالية والعزيزة عليَّ وعلى إخوتي وكل من عرف أمي رحمها الله، قد ردّيت ولو بعض الجميل لها، فهي رحمها الله، أولا وقبل كل شيء، أمي، ثم أنها أول معلم لي، فقد قادتني بيدها وفكرها النيّر إلى إكمال تعليمي الجامعي. يرحمك الله يا أم عمر وأسكنك الفردوس الأعلى، إنه ولي ذلك".

وفي الجزء الأول من الكتاب، يتحدث المؤلف عن نشأة أمه، لكنه يستطرد ويقدم لنا أباها أي جده لأمه أحمد بن عوض بن كرتم العامري، وأمها أي جدته خاتم بنت محروس العامري، فيمتزج تقديم الأم بتقديم الأسرة ومدينة سيئون، فيقول: "ولدت أمي في مدينة سيئون [في عام 1929]، عاصمة الدولة الكثيرية، التي تكثر بها المساجد وزوايا العلم، وبلد الشعراء ومجالس الدان والسمر. وفيها ترعرعت بين ساحتي مسجد طه ومسجد السلطان، وهي من أعرق الساحات وأقدمها في المدينة. وكانت الأسرة الميسورة الحال تمتلك بيتين؛ واحدا في (البلاد)، والآخر في (النخيل). ففي فصل الخريف، حيث الجو حار ولم تكن هناك كهرباء ولا وسائل تكييف حديثة، تنتقل الأسرة إلى النخيل، حيث الماء والخضرة وخريف التمر، والهواء الجميل، فنسيم النخيل الرطب ليس كرياح الجبل. وهل تصدق أن الأسرة تنتقل إلى النخيل، وتنقل معها ماشيتها. وكذلك موقع المدرسة؛ فمدرسة النهضة تنتقل أيضا إلى موقعها الصيفي في النخيل، غربي مسجد عمر حيمد حاليا". ص5
ويستطرد المؤلف في وصف مزرعة الأسرة والبيت الذي كانت أنه تقضي فيه فصل الصيف (الخريف بالنسبة لسكان وادي حضرموت)، ويكتب: "كان والد أمي يمتلك عددا من المزارع، ولعلّ أشهرها مزرعة (سعيود)، القريبة من (سدة كلابة)، والتي لا تزال باقية إلى اليوم في جهة الشمالية من المدينة. وفي مزرعة سعيود تقول أمي إنها عاشت أجمل فترة حياتها؛ ففيها بيت متواضع وجابية لتجميع الماء. وفيها كانت تلعب بين أحراش النخيل، وتتمرجح على سعفها مع إخوانها وجيرانها، وتغتسل في الجابية. وكانوا يقومون بعملية السناوة، وهي رفع الماء من البئر إلى سطح الأرض لسقي الزراعة، ويستخدمون في السناوة الحمير. وتعلمت كما تقول لي أنواع التمور وكيفية طلوع النخل. وكم من مرة كان الفلاح ينقذها من ورطة إذا صعدت لنخلة عالية ولم تستطع النزول. ثمّ كانت رحمها الله تصف ليالي السمر واللعب على ضوء القمر ليلا، وزقزقة العصافير وخرير الماء نهارا". ص6

تعليم المرأة وأوضاعها في منتصف العشرين
ومن السمات المميّزة لنص العامري إنه يتناول حياة امرأة بالتفصيل ويكشف لنا جوانب عن بدايات تعليم البنات النظامي في مدينة سيئون، وكذلك يسلط الضوء على عدد من الصعاب التي كانت تواجه المرأة في حضرموت قبل وبعد منتصف القرن العشرين، وقد خصص المؤلف الجزء الثاني من كتابه لما أطلق عليه (وسائل ثقافة أمي)، وقد بدأه على النحو الآتي: "التحقت أمي بمدرسة النهضة العلمية الابتدائية للبنات بسيئون. وقد تأسست هذه المدرسة بمدينة سيئون عام 1942، وكان منهجها نفس منهج مدرسة النهضة للبنين، وبدأ التعليم فيها في بيوت بالإيجار، وفي عام 1960 انتقلت إلى مبناها الجديد المجاور لمدرسة البنين. وقد تكفل ببنائها سالم عبيد باحبيشي بمساعدة بعض الميسورين. التحقت أمي بهذه المدرسة ووصلت حتى الصف الثالث الابتدائي، حينها رأى والدي أن ابنته قد أصبحت كبيرة ولا يجوز أن يعلمها الرجال فأحضر لها معلمة تعلمها القرآن في المنزل". ". ص7
هذه المعلمة هي رقوان عمر مولى خيله التي يقدمها المؤلف بوصفها المكون الثاني لثقافة أمه، ويقدمها على النحو الآتي: "رقوان عمر مولى خيله امرأة فاضلة اتفق معها والد أمي على أن تعلم ابنته القرآن، ووافقت على ذلك، وكانت تأتي إلى بيت أمي، فالعذارى لا يخرجن خارج البيوت إلا للضرورة القصوى. وبعد مرور شهر من التعليم قال جدي للمعلمة رقوان كم أجرك؟ وعلى الرغم من أنها كانت فقيرة قالت له: أريد من الله الأجر. وكانت رقوان رحمها الله تقول لأمي وأهلي: أني فرحانة بصحبتكم، ﻷن الذي جمعنا هو القرآن. وأدعو الله أن يجعله شاهدا لنا لا شاهدا علينا". ص6 ثمّ يدخل المؤلف في تفاصيل حياة المعلمة رقوان كما روتها له أمه أو كما شاهدها، فيروي لنا أولا كيف أن أمه، التي كانت فيما بعد تبحث عن طريقة لرد الجميل لمدرستها رقوان ترسله إلى بيتها ليحضر قميصها وسجادتها لتقوم بغسلهما وكيهما بين الحين والآخر، ويقول: "وذلك لأن المعلمة المسكينة ليس لديها أولاد ولا بنات؛ فقد أنجبت إحدى عشر مرة لكنهم لم يسلموا. وكانت المعلمة تعطيني ملعقة من السكر هديةّ لي، وكنت حينها في الصف الثالث من المرحلة الابتدائية". ص8-9
ثم يذكر المؤلف أن زوج المعلمة رقوان تزوج عليها في السر، وحملت زوجته الجديدة قبل أن يعود لمهجره جاوة. وعندما غضبت رقوان ودخلتها الغيرة وذهبت لبيت أهلها قالت لها امرأة من أقاربها "لا تحزني لقد أنجبتي إحدى عشر مرة، لكن الله استخارهم، فقد تنجب هذه من ينفعك. واقتنعت رقوان وقبلت النصيحة وعادت إلى بيت زوجها المهاجر وفرحت بقدوم المولود الجديد"، الذي "ردّ الجميل لخالته المعلمة رقوان وحجّ بها، وكان يرعاها حق الرعاية حتى ماتت. رحمهم الله جميعا؛ فقد كانوا خير خلف لخير سلف. هكذا كانت أمي تحكي لي عن معلمتها وسيرة حياتها". ص10
ويقدم لنا العامري نموذجا آخر من نساء سيئون في خمسينيات القرن الماضي: علوية بنت عبيد الله بن محسن السقاف، أي أخت المؤرخ عبد الرحمن بن عبيد الله، التي كانت تعقد (مدْرس) لنساء سيئون في حوش آل بن بصري شرقي مدرسة النهضة. "وكانت مطلعة في أمور الدين، تحدث النساء في (مدرسها) عن أمور دينهن ودنياهن في وقت كانت الأمية هي الصفة السائدة بين معظم النساء".
ويذكر المؤلف أن أمه كانت تقرأ بانتظام في الكتب التي في مكتبة والده التي "يغلب عليها الطابع الديني"، ويقول "لذلك لا غرابة أن تكون خلفيتها الدينية والثقافية رصينة ومتعددة الجوانب". ص11 ويذكر كذلك أن والدته كانت، في شبابها، تنظم بعد صلاة العشاء مسابقة في الأمثال الحضرمية، ويقول المؤلف "لذلك لا تستغرب أن يجمع خالي حسين أحمد بن طالب العامري في كتابه المطبوع (ألفين مثل من حضرموت)، ثم يخرجه مرةً أخرى في كتاب طُبِع بعنوان: أربعة آلاف مثل من حضرموت". ص14
ويشير المؤلف إلى أن أمه ذكرت له أن أوّل مذياع شاهدته كان في بيت الأديب الراحل صالح بن علي الحامد. ويضيف "وتمنت أن يكون لها مثله لكنه مكلف، وبعد أن انتشر المذياع اشترى والدي رحمه الله مثل أهل عصره مذياعا، وقالت: كنت شغوفة بمتابعة برامجه الثقافية والدينية. وكانت تحدثني عن ندوة المستمعين من إذاعة لندن، ونور على الدرب، وغيرها من البرامج التي أدركت بعضا منها" ص15
ويتجلّى احتفاء المؤلف بأمه في تقديمه الطويل لأبيها أحمد بن طالب بن عوض بن كرتم العامري. وقبل أن يشرع في ذلك التقديم، يبدأ أولا بتكريس صفحة واحدة لترجمة جد أمه طالب العامري الذي لم يستطع تحمُّل الحروب القبيلة التي كانت مشتعلة في تاربه ونواحيها في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وفضّل المجيء إلى سيئون الاستقرار بها. وسرد ذلك قائلا: "كانت الحياة القبلية في عصره على أشدها؛ قتال بين بعض فخائد العوامر –ولذلك تجدهم يتناوبون على الحراسة في الأكوات- وتقطع في الطريق، نهب وسلب، والدولة محصورة فقط في المدن. ولم يعجب جد أمي طالب هذا الوضع السائد في تاربه وهو رجل من أهل الصلاح محبا للعلم والدين فقرر الارتحال إلى مدينة سيئون". ويذكر المؤلف: "وكان الجد طالب يتردّد في سيئون على مجالس علمائها وشيوخها، وكان رحمه الله فطناً، ولذلك عيّنه السلطان قاضيا عرفيا، يصلح بين ذات البين ويُفْصِل في بعض القضايا. وقالت لي أمي إن جدها هذا كان يختم كتاب الله في كل أسبوع". ص18
ويقدم لنا المؤلف جده أحمد بن طالب العامري بوصفه أحد العوامر القلائل الذين اختاروا الهجرة إلى جاوة في النصف الأول من القرن الماضي. ومن المعلوم أن معظم المهاجرين إلى هناك كانوا من العلويين بينما كان القبائل (ومنهم والد المؤلف عبد الله العامري)، يفضلون الهجرة إلى شرق إفريقيا. وقد بدأ حفيده عمر في تقديمه قائلا: "ولد أحمد بن طالب بن عوض بن كرتم العامري في أجواء عام 1891 وتوفي في 27 مارس 1963. وكان رجل صدق وورع، وصاحب دين ومرؤة كما يصفه لي من عاصروه، ملازم لحضور مجالس الخير والعلم وختم القرآن. لا أعرف من هم معلميه، لكن تقول لي أمي إنه تعلم في الزوايا والعِلَمْ المنتشرة في سيئون في تلك الفترة، فالمدارس النظامية لم تكن موجودة بعد".
ويستطرد المؤلف في سرد حياة جده أحمد بن طالب، ويذكر أنه اضطر للسفر إلى جاوة، "حاله كحال معظم أهل حضرموت في ذلك العصر"، وبعد أن فتح الله عليه، تواصل مع والده واشترى له بيتا في سيئون. وتزوج على الأقل خمس مرات، بعضها في سيئون والأخرى في جاوة. ويكتب عمر "ولعل آخر زوجاته هي خاتم بنت محروس العامري، وهي أم والدتي، وأنجبت له فاطمة وحسن"، المهتمين بالأمثال الحضرمية. ص19
ومن المؤكد أن أحمد (بن طالب)، القبيلي العامري، استطاع أن يفرض نفسه بوصفه تاجرا مرموقا في سوق سيئون في وقت مبكر. وقد اشترت عائلتي منه أول مذياع فيليبس (أبو روده) في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. ويذكر حفيده عمر أنه "اشتهر بالصدق في تجارته وفي كل معاملاته حتى أصبح من مشاهير مدينة سيئون. وقد قرأت العديد من مراسلاته الأدبية والتجارية مع تجار المكلا والشحر وعدن، وكان رحمه الله محط أمانة الناس، فيودعون لديه أموالهم ووثائقهم. واشترى رحمه الله ثلاثة منازل ليضع فيها زوجاته وأولاده، هذه المنازل بين ساحة طه وساحة السلطان بسيئون. ثمّ اشترى العديد من المزارع والآبار". ص20
ويتحدث عمر كذلك عن ثقافة جده بن طالب ومواظبته على صلاة الجماعة في المساجد، ويؤكد أنه "يقرأ الصحف، واشترك في العديد منها، وتأثر بثقافة عصره في جاوة وحضرموت، واقتنى العديد من أمهات الكتب، ولديه مكتبة في المنزل، وكانت أمي شغوفة بالقراءة كما تقول لي". ص20
ويستطرد مؤلف كتاب (ذكرياتي مع أمي) في الحديث عن الاهتمامات الدينية لدى جده بن طالب، في حضرموت وفي جاوة، وذلك في مجال الأوقاف ونشر الإسلام، وذكر: "وكان رحمه الله من رواد مسجد طه بن عمر في سيئون، حريصا عل صلاة الجماعة، يخرج للمسجد مع أولاده جميعا في كل فرض، ومواظبا على جلسة بين المغرب والعشاء في المسجد". ووقف دكانا في سوق سيئون بقهوة أهل الربع الأخير من الليل، وآخر لسقاية الناس في السوق، ووقف كثيرا من النخيل لإفطار الصائم في مسجد طه. كما أنه لم ينس أن يوقف دكانا ثالثا لمن يقرأ على روحه القرآن. ص21

سرد علاقة الأم والأب:
من النادر أن يتحدث الحضارم ضمن سيرهم الذاتية وذكرياتهم عن تفاصيل العلاقة بين والديهم، ويعد ما كتبه الحبيب علي بن حسن العطاس في (سفينة البضائع وضمينة الضوائع) وعمر عبد الله العامري في (ذكرياتي مع أمي) استثناءً. فعمر العامري يذكر أن أباه، عبد الله بن سالم بن عيظة بن قلط العامر، تزوج بامرأتين وطلقهما قبل الزواج بأمه. ويبرر عمر طلاق أبيه من هاتين الزوجتين بالغربة والهجرة إلى كينيا؛ فهو يؤكد أن الحضارم الذين "يمكثون هناك العديد من السنين يجدون في أنفسهم شيئا من الحرام فيطلقون [من في عقدهم] خاصة إذا علمنا أن معظم الحضارم لا يصطحبون زوجاتهم معهم". ص26 أما خلفية قرار زواج عبد الله من أم المؤلف فتعود إلى مجيء الأب عبد الله سنة 1943 من تاربه بصحية والدته عافية لإتمام إجراءات الحج ونزولهما في بيت بن طالب، وشاهدت عافية (جدة عمر من أبيه) فطوم ابنة أحمد بن طالب، "الفتاة التي تستطيع القراءة والكتابة، حسنة الخلق، فأعجبت بها وأشارت على ولدها: إذا عدنا من الحج أخطب بنت أحمد بن طالب، وفعلا حصل هذا". ص27
وبعد الاقتران ببنت بن طالب سافر عبد الله العامري مرتين أخيرتين إلى كينيا، وفي المرة الأخيرة باع ممتلكاته هناك، إذ أنه قرر الاستقرار في حضرموت. وبعد الدخول في علاقة عائلية مع بن طالب، قرر الدخول معه في شراكة تجارية. ص27 وبما أنه "وجد أن الحياة بتاربه صعبة - فهي بلدة صغيرة والتجارة فيها غير مربحة والتنقل من تاربه إلى سيئون يوميا صعبا- قرر الانتقال إلى سيئون". ويضيف المؤلف "وفعلا استأجر أبي بيتا في ساحة السلطان، وهي الساحة التي ولدت وترعرعت فيها والدتي، وفيها يسكن والدها وإخوانها... ورُزِق والدي من أمي خمسةً؛ ثلاثة ذكور وهم: أنا أكبرهم، ثم إخوتي: خالد ومحمد، وبنتان: آسيا ووفاء، وخمسة آخرون ماتوا وهم صغار السن". ص28
ويكرس المؤلف أكثر من صفحة للحديث عن صدقات أمه وأبيه الذي "وقف جزءاً من داره الخاص في تاربه ليكون مسجدا للنساء، وحفر به بئرا، وبنى له أماكن للوضوء، وقف ذلك لله تعالى مع الحيط المجاور له، وبقي من ذلك البيت أكثر من ثلاثة أرباعه، وشجعتنا أمي رحمها الله أن نوقف نحن ورثة والدي ما تبقى من ذلك البيت، فتشاورنا جميعا ووقفناه". ص30 ويذكر كذلك أن أباه كان يفتح بيته للقادمين من خارج سيئون، ومن استضافهم من تاربه سعيد سالم باجبير الملقب بالهندر، ومن تريم الموثق المشهور عبد الله حسين بافضل الملقب برحيّم.
أما أمّه فيؤكد أنها "كانت حريصة على أن تتصدق بما تستطيع، قل أو كثر، وتشجعنا على ذلك، وتستشهد دائما بالمرأة التي دخلت الجنة بشق تمرة، وأن الصدقة تطفئ غضب الرب، إذا مرض شخص في البيت تتصدق، وإذا علمت بمعسر تسعى له قدر إمكانها. لمَ لا وهي ابنة أحمد بن طالب رحمه الله. وجدتها نور رحمها الله قد تصدقت بقلادتها لبناء جابيتين في مسجد طه بن عمر ولم تشعر أحدا بذلك حتى ماتت وبعد موتها عُلِم ذلك. رحمهم الله جميعا وتقبل منهم ذلك". ص31
ويكرس عمر العامري صفحات عدة من ذكرياته للكيفية التي سلكتها أمه في تربيته، وتحديدا في حثـِّه على التعليم؛ فذكر مثلا أنها، هي ووالده، كانا يعطيان لمعلم عُلْمة بريكات في السحيل، محمد بكران باشغيوان، بعض النقود ليسلمها له على أساس أنها جائزة: ويعلّـق: "وكنت أذهب لتلك العُلمة وأنا فرحا بتلك النقود وكنت أظنها جائزة لي من المعلم ثم عرفت فيما بعد أنها من أمي وأبي، جزاهم الله عني كل الجزاء". ص31
ويذكر أن أمه كانت تواظب على متابعة تعليمه في المدارس النظامية، ويقول: "كانت كل يوم تقريبا، وأنا في الصف الأول والثاني من الابتدائية تقول لي: ماذا تعلمت اليوم؟ وتفتح حقيبتي وتناقشني وتستمع إليّ، وكانت تحضر لي بعض كتب المطالعة، مثل (القراءة الرشيدة)، وكانت دائما تقول: غفر الله لمعلمينا". ص31
وحتى حينما التحق عمر بالجامعة في عدن، لم تتوقف الأم من متابعته، فكانت تبعث له بانتظام دعوات ومكعّك وحنظل وفتة ورسائل تحثه فيها على الاجتهاد. ويذكر أنها شجعته على المشاركة في المسابقة التي نظمتها بلدية سيئون عام 1974 للكتابة حول مدن شبام وسيئون وتريم التي شارك فيها عدد من كبار الأدباء والمؤرخين في حضرموت، منهم عمر باكثير وجعفر السقاف، ويؤكد أنه قد حاز فيها في الجائزة الأولى.
ويعلمنا عمر العامري أن أمه نصحته بتحصين نفسه بالزواج في وقت مبكر، وقد عبّر عن ذلك قائلا: "شجعتني على الزواج وأنا طالب في الثانوية العامة، وتزوجت فعلا، ورزقني الله المولود الأول جواد بكرا، ومن رآه اليوم يقول لي: هذا أخيك؟ وقد أدركت قيمة الزواج المبكر وأنا طالب في الجامعة؛ فالاختلاط مع الطالبات في الجامعة له سيء الأثر على الطلاب إلا من رحم ربي، لكني كمن دخل الجامعة وهو محصن، فقد كان لي زوجة وأولاد". ص52
وينهي المؤلف نص (ذكرياتي مع أمي) بالحديث عن إصابتها بداء السكري قبل ٢٧ من وفاتها، وتحدث عن حزمها في التعامل معه قبل أن يسرد إصابتها بالجلطة ووفاتها، ويذكر أنه هو الذي أمّ الناس في الصلاة عليها بمسجد طه.
وسرد عمر كذلك وفاة أبيه في حادث طائرة الداش التي سقطت في البحر في ٩ مايو١٩٨٢ بالتفصيل. وذكر أن أباه "دفن مع معظم شهداء حادث تلك الطائرة في مقبرة العيدروس بعدن". ويشيد بالدور الذي قامت به أمه وخاله عبد الكريم في مساعدته على تحمل وضعه الجديد، فقد كتب "وكانت أمي خير مواس لنا في تلك المأساة التي حلّت بنا، تصبرنا وتشد من عزيمتنا.. كانت توجهني في كثير من الأمور وتقدم لي النصح والمشورة. ولا يفوتني أن أذكر دور المرحوم خالي عبد الكريم أحمد؛ فقد كان شريكا مع والدي في تجارته، وظلت شراكتنا معا حتى وافته المنيةّ، فكان خير موجه وخير معلم لي بعد أمي، تعلمت منه مسك الدفاتر وطريقة الإدارة للتجارة، وهو رجل مثقف تخرج من مدرسة النهضة ونهل من مكتبة والده أحمد رحمه الله". ص 42 ويذكر أن أمه زارت عدن في سنة 1984 للعلاج، وزارت قبر الأب في مقبرة العيدروس.

وإضافة إلى الشئون العائلية التي تقع ضمن نصوص السيرة الذاتية تحدث عمر العامري في (ذكرياتي مع أمي) عن عدد كبير من الأحداث والموضوعات التي تدخل في الشأن العام ولا ترتبط بحياة أمه إلا بوصفها مواطنة من سيئون وتهم في الحقيقة المؤلف أكثر من أمه، من تلك الموضوعات الأحداث المثيرة: وصول بلاغ للسلطان الكثيري عن ارتكاب الفاحشة، وامرأة تقتل ضرتها، وتطبيق حكم الملاعنة، وقطع يدي سارقتين، ونجم ابو ذيل في سماء سيئون، وقدوم أول بعثة طبية إلى وادي حضرموت، والفرقة النحاسية، ودخول السيارات إلى حضرموت، وقدوم الطائرة، وقيام سالم عبيد باحبيشي بتأسيس أول مشروع كهرباء سيؤن.
وكرس عمر العامري صفحتين للحديث عن مشروع المياه الذي أسسه والده في سحيل سيئون ووفر الماء لخمسمئة عائلة لمدة 30 سنة، وقال عن هذا المشروع: "عمل والدي رحمه الله مشروعا للمياه، فبيتنا القديم بحارة شهارة المرتفعة ساعده على عمل ذلك المشروع وحفر البئر، وقد كان المشروع يمون حوالي 500 أسرة مقابل رسوم زهيدة". وقال المؤلف إن السلطان تقدم بطلب تزويد القصر بالماء من مشروعه، إذ أن مياه القصر مالحة، ووافق العامري برفد القصر بالماء للشرب فقط، لكنه تفاجأ بأن هناك من حول الماء لبرك القصر، فقام بقطع الماء عن القصر، وسرد عمر الحادثة على النحو الآتي: "شعر والدي أن ماء المشروع يستنزف بسرعة على غير عادته، شك في الأمر وتوقع أن السر في القصر، فتسلل من الباب الخلفي للقصر ودخل الجابية، وطعم الماء وجده حلو، فعرف أن الجابية تملأ من ماء المشروع، فخرج إلى أسفل سور القصر وقطع الماء عنه. وفي العصر وبعد أن علم السلطان باﻷمر جاء بنفسه إلى دكان والدي يطلب المعذرة مؤكدا أنه لم يكن يعلم باﻷمر. انظر لمثل هذه الحالة! ووقعنا اليوم عندنا ألف سلطان، وكل سلطان له حاشيته، ولو فعل أبي مثل هذا الفعل اليوم رغم أمه محق، لزج به في غياهب السجن. لكن ذاك حالهم وهذا حالنا، وشتان بين الحالتين".
ومن اللافت أن نلاحظ أن عمر عبد الله العامري، مع الاحتفاء بأمه يحتفي كذلك بزمنها، فبعد تقديم كل سمة إيجابية يرصدها في تصرفات أمه أو أحد الأشخاص المحيطين بها، يعمد إلى مقارنتها بما آلَى إليه وضعنا الراهن من سوء في مختلف الجوانب؛ مثلا، بعد أن يشيد بثقافة أمه وخاله واهتمامهما بالأمثال في حضرموت يكتب: "عرفوا كيف يستغلون أوقاتهم، فكانت النتيجة هذه الخلفية الثقافية، ونجد معظم أهل عصرهم نَحَويا وملما بالفرائض، وعنده خلفية في الأدب والشعر. وانظر لحال شبابنا اليوم تجد معظمهم من أكمل الجامعة وهو غير ملم حتى بتخصصه المحدود، بل ويعيش معظمهم في فراغ، ولا يدري أين يصرف وقته، وأنت تعرف ما الفرق بين التقدم والتخلف؛ إنه الزمن. فهذا استغل زمنه وطور نفسه وذاك أهمل زمنه وضيّع اوقاته فتخلف عن الركب، وهذا هو حال أمتنا اليوم؛ لقد أصبحنا وللأسف في ذيل القافة، أمة لا تقرأ ولا تستوعب حاضرها، إلا من رحم ربي، وأصبحنا نغتر بماضينا الذي هو ليس من صنعنا". ص14-15
وبعد أن يذكر أن أمه "كانت في شبابها خياطة ماهرة تخيط لكثير من الناس، فكانت تفصل الملابس ليلا وتخيطها نهارا وذلك كيلا تزعج الجيران بصوت مكينتها"، ويضيف: "انظر لحالنا اليوم! التلفزيون بصوت عالي، وحفلات الزفاف يستيقظ منها النائم، وأهوان المركبات حدِّث ولا حرج. ولا أحد يأبه للأخرين. لكن ذاك حالهم وهذا حالنا". ص41
وبعد أن يختتم حديثه عن صدقات أمه وأبيه وحسناتهما، يوضّح المؤلف: "وأنا أذكر مثل هذه الأمور هنا ليس من باب العجب أو الفخر، ولكن من باب أنْ أحثّ نفسي وأحثكم على فعل الخير، أما هم فقد أفضوا إلى ما قدموه. رحمهم الله جميعاً".
وكما ذكرنا، يعتز عمر العامري كثيرا بثقافة أمه وقدرتها على نظم الشعر، وقد كرس نصف صفحات الكتاب للقصائد التي خلفتها لنا، إضافة إلى قصيدين قيلت في رثائها، ألفت إحداهن حفيدتها أماني عبد الله علي أحمد بن طالب العامري. ونقتطف من هذا الجزء الشعري من الكتاب هذه الأبيات التي قالتها الأم لولدها عمر:

ياعمر انته وأخوانك تقع قدوة
ليما يجي بالسهل باتجيبه القوة
سرح على حبل الوكل وفيظ الأعيان
قذها مقالة الصبر من قوة الإيمان

واحذر من الكبر لا تاخذكم الكبرة
الكبر مردي نعوذ بالله من شره
كل من تكبر يا ويله من النيران
قذها مقالة الصبر من قوة الإيمان

الله يسمع دبيب النمل في الصخرة
لا يخدعك إبليس خذ من لي مضوا عبرة
دنيا دنية ومتحزم بها عريان
قذها مقالة الصبر من قوة الإيمان

قالوا اتق النار ولو حتى بشق تمرة
يطفي غضب الرب عندما تنزل الصدقة
فكرلك في لي مضوا من قبل قالوا كان
قذها مقالة الصبر من قوة الإيمان

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24