الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 آخر تحديث: الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
شرخ الماء رواية واقعية سيرية .. ايدلوجية الطرح - محمد الغربي عمران
الساعة 17:17 (الرأي برس - أدب وثقافة)


مدخل:
ما ننجزه من إبداع.. يحمل من شخصياتنا.. وحيواتنا الكثير بشكل أو آخر.. فمن شخصيات وأمكنة وأحداث علقت في ذاكرتنا.. ننسج الكثير.. إلا أننا عادة ما ننكر ذلك.. قد يعود ذلك لدواعي رقابية.. منها السلطوية والاجتماعية.. وكثيرا الدينية التي سلاحها التكفير والملاحقة.
والبعض يأتي إنكاره لقناعته بأن من ينقل عن الواقع انتقاص من قدرته على التخييل.. وإن كان بمقدورنا أن نمزج بين الواقع والخيال لنبتعد عن تقريرية ما حدث.
عبد الرحمن الخضر.. عرفناه قاصا مجيدا.. واليوم روائيا متمكنا من خلال جديده "شرخ الماء" الصادرة مؤخرا من عمان.. عن دار خطوط وظلال. يتكئ فيها الخضر على أحداث ماض قريب عشناه ونعيشها تأثيراتها إلى اليوم.. ويعرف الكثيرون تفاصيلها.. الجديد هنا.. أن سَلط كاتبنا الضوء على مجتمع السهول التهامية.. تلك السهول التي يتميز انسنها بالسماحة والبساطة.. وهذا هو ما يغري للقراءة. في القوت الذي قدم لنا ذلك المجتمع في رواية سيرية.. هو أحد شخصياتها.. وبذلك يمكننا وصفها بالسيرة الروائية.. ظل فيها الكاتب راو مشارك.. ساردا حيوات شخصيات ذات طابع سلطوي.. وذلك ما يسمى بالسيرة الغيرية.
إلا أن ما يلفت في هذا العمل.. وبعث على التأمل.. بداية بالعنوان "شرخ الماء" صورة يمكن تخيلها بشكل مختلف من قارئ إلى آخر.. ليذهب بما يوحي النص.. وتلك الدالة على الشرخ.. والشرخ قيمة سلبية.. دالة على خلل ما.. فما بالنا بشرخ الماء.. وأي ماء إن لم يكن الوطن.. وما يرمز إليه العنوان في جملته .. المؤدي إلى الانهيار لأي كيان تتنازعه الشروخ...

 

أصوات:
الفصل الأول من الرواية يسرد احداثها راو مشارك.. أي ان السارد أحد شخصيات العمل. إلا أن يتغير مع بداية الفصل الثاني ليحل محله الراوي العليم.. لكن صوت المشارك يعاود بعد عدة فصول.. ليكتشف القارئ أن ذلك الصوت ما هو إلا صوت الكاتب.. الذي تظهر أراءه بقوة في مواضع عدة.. وبشكل جلي.. وهو يدين سلطة الحاكم المتمثلة في صالح ..على قاعدة "السلطة مفسدة".. ولم يستثني الكاتب من ذكر تلك الحماقات التي كانت يديرها الرفاق في عدن.. ممثلة بدورات الدم والاقتتال بين أجنحة الحزب.. وهو الصراع في جوهرة مناطقي .. دورات سفك الدم المتكرر.
كما توالت أراء الكاتب في صفحات لاحقة.. مثل "في العادة يرسل امرأة قبل الخطبة.. بغرض الاستطلاع.. ولا ترد أسرة الفتاة فورا على الطلب...". وهو هنا يشرح عادات مجتمع شمال تهامة اليمن عند الرغبة بخطبة فتاة.. أو في صفحات أخرى يتحدث إلى القارئ حول ايقاع حياته بين أسرته ككاتب ولحظات مخاض الكتابة "ستأتي الخاتمة حينا كارثية على النص.. كأمومة أصابها العقم ليلة عقد القران ... سأستريح بعض الحين.. ولازلت أصابعي موزعة على مفاتيح لوحة الحاسوب.. وأم الأولاد تمد سفرة الغداء...". وعلى صفحات ما قبل النهاية.. حين يلتقى بـ "عبد الستار" إحدى شخصيات الرواية.. شخصية شبحية غريبة.. "فتحت الباب كان هو عبد الستار بشحمه ولحمه.. وناظريه.. أدار الباب خلفه وكأنه ترك شيئا هناك.. ونظر نحوي... وكأنه ينتظره حراج الباب.. وقال: لا يا عبد الرحمن هناك أفضل...".
في الفصول التالية يشرح الكاتب بصورة مباشرة أوضاع البلد في عهد صالح واستشراء الرشوة والمحسوبية.. وتفشي الفساد في مفاصل الدولة.. حتى أمسى وباء يتعامل الجميع به دون حياء.. بل ويتفاخر الإداريون والساسة بما يجنون من أموال غير قانونية. ليتردد صوت الكاتب من فصل إلى آخر.. معريا ما وصل إليه المجتمع من عار يراه البعض شرف ورفعه.
الروائي يسرد من مخزون ذكرياته.. كسيرة للوطن بداية بإحدى زيارته لصنعاء.. والتقاؤه برفاق له.. أسماء لأدباء نعرفهم جميع.. ولأمكنة دوما نكون فيها.. من مركز البحوث والدراسات.. إلى إدارة المشاريع التعليمية في تقاطع الزبيري ببغداد. ثم باب اليمن وأزقة أسواق صنعاء العتيقة.. ثم ينتقل من صنعاء في طريق عودته إلى سهل تهامة حيث سكنه.. واصفا تلك البقاع المتاخمة للحدود السعودية.. شارحا حياة ذلك المجتمع.. وطبيعة تلك البيئة الزراعية.. ولكن هذه المرة كراو عليم.
نقلات:
اشتملت الرواية على ما يقارب المئتين صفحة.. توزعت على ثلاثة وعرشين فصل.. احتضنت تلك الفصول عدة حكايات.. جميعها تصب في محور واحد.. هو فضح الفساد والمحسوبية في أيام صالح.. ودور المؤتمر الشعبي كأداة لنشره.. واغواء ذوي المبادئ الوطنية.. واغراءهم بالمال والمناصب حتى ضمهم إلى صف صالح.. ليتحولوا إلى سلطويين فسدة. تلك النقلات التي تفنن بها الكاتب من خلال سرده ووصفه المتعاقب لتلك الشخصيات وتقلباتها من حال إلى حال.. بداية بانتهاجها للمبادئ اليسارية ثم تحولها.. من خلال إغرائها بالمناصب والمال إلى صف صالح.. وصف الفاسد والتسلط.
تلك النقلات بدأها الراوي بزيارته لصنعاء.. في مهمة متابعة إنشاء مدرسة في مدينته السهلية.. واصفا حياة تلك الشخصيات المتحولة.. كما يصف وضع صنعاء. لينتقل إلى وصف رؤيته طيف صديق قديم "عبد الستار" على رصيف شارع الزبيري.. يتبعه قاطعا زحام العربات باتجاهه.. لكنه يختفي بين الزحام.. ليتكرر ظهوره واختفاؤه في شوارع أخرى.. فما أن يراه الراوي حتى يختفي من جديد. حتى يظنه القارئ محض خيال.
يصف الكاتب في نقلة أخرى ايقاع الحياة في مدينته السهلية.. وبساطة مجتمعها.. من خلال تعاملاتهم .. حين ينامون في العراء.. ويمارسون الحب تحت سنا القمر..
ثم في نقلة أخرى نص نعي الرئيس الحمدي إلى جماهير الشعب عبر اذاعة صنعاء.. ثم وبأسلوب ساخر يستعرض وعود من حلو محل القتيل في قيادة البلد بملاحقة القتلة.. ليقتل الغشمي بعد أسابيع من توليه الرئاسة لتتوالى بيانات النعي من جديد واعدة بملاحقة القتلة!.
نقلة أخرى إلى بيانات اذاعة عدن.. واعلان القاء القبض على سالمين "رئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الاعلى في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" واعدامه بعد محاولته التمرد. ثم إعلان "علي ناصر" رئيسا بديلا عن سالمين . في الوقت الذي تم تنصيب علي صالح خلفا للغشمي.. واعدا بملاحقة القتلة!!.
وهكذا تتولى النقلات برشاقة.. وبوصف باذخ يصل في بعض الفصول إلى فضفضة مع الروح.. حيث ينقلنا الكاتب إلى أقبية الأمن الوطني في الحديدة.. وتلك التحقيقات مع شخص يدعى عبد الملك.. يصف الكاتب صنوف العذاب التي يتعرض له السجين.. لتنسل الأسئلة عمن يكون العبدالملك.. وما هي تهمته ليسجن ويعذب بذلك الشكل.. تنتهي هذه النقلة بنقل عبدالملك إلى سجون صنعاء. ليتضح للقارئ في نقلات لاحقة.. أن عبدالملك ما هو إلى أحد اليساريين.. تم اعتقاله ضمن حمله ملاحقات شملت عناصر هذا التيار.. بعد كشف خلاياهم السرية التابعة للحزب الاشتراكي في الحديدة.. وأن أحد رفاق الحزب" مراد" هو من وشى بهام.. وهو من كان يرفع تقارير مفصله عن أنشطة تلك الخلايا واجتماعاتها وتحركاتها إلى الأمن الوطني.. لكنه يغير جلده بعد خروجه من المعتقلات من يساري.. إلى رجل مقرب من رجال السلطة. فبعد أحدث 1986 في عدن.. يطلق سراح عبدالملك .. ويتم تعيينه كمستشار لأحدى الوزارات.. ومن خلال منصبه يثرى ويمتلك المزارع الشاسعة في تهامة.. ويعيش حياة الترف كأحد رجال السلطة. تلك حكايات وحكاية ثالثة .. هي حكاية هديل وحب حسام لها.. سردها الكاتب بدراماتيكية مشوقة.. لتنتهي بتزويجها من سليم السائق الشخصي للشيخ زاهر.. لكن هديل تتوفى بعد إنجابها لولد أسماه سليم زاهر تيمنا بشيخه وولي نعمته.. وهي دلالة إلى ان الشيخ كان له دور في إنجابه. يفارق حسام تلك الديار قهرا.. بعد محاولاته المستميتة لأن تكن هديل زوجة له.. وينفى من ذلك المجتمع ليعمل في التهريب عبر الحدود السعودية اليمنية.. ثم ينتهي به المطاف كسائق ومرافق لدى عبد الملك . تلك الحكاية تفضح هيمنة المشايخ وتسلطهم على أبناء المجتمع في ظل غياب سلطة القانون وضياع العدالة.
"مراد" العائد من القاهرة بشهادة البكالوريوس في المحاسبة شخصية يسارية أخرى.. يتبوأ منصب مديرا للبنك المركزي في الحديدة.. ويتزوج بإحدى الفاتنات من موظفا بالبنك "سامية".. ومن خلال علاقاتها المشبوهة مع رجال السلطة يصعد زوجها ليصبح من مؤسسي للمؤتمر وعضو اللجنة الدائمة بعد أن غير انتماؤه.. وينتقل للسكن في صنعاء.. لينتخب بعها عضو في مجلس النواب.. ويصبح من ذوي الوجاهات.. ومن المقربين من رأس السلطة.. وكله بفضل فتنة زوجته التي كانت بعلاقاتها المشبوهة تمهد له الطريق.
بالطبع هناك تفاصيل كثيرة .. بداية بدخول القوات المصرية لمساندة النظام الجمهوري.. وما أحدثته من تغيرات.. متمثلة بتوفير المدارس والمستشفيات.. وتحول حياة الريف والمدينة إلى حياة متطورة نسبيا لما كانت تعيشه اليمن قبل الجمهورية. كما تخللت الرواية.. مقتطفات وصفية.. ركز الكاتب فيها على أساليب التعذيب في سجون صالح.. كما سلط الضوء على حياة الطبقة المتسلطة ونعيم الحياة في أوساطها.. اضافة إلى قدرة ذلك النظام على استقطاب واغراء أصحاب المبادي الوطنية من اشتراكيين وقوميين.. وضمهم إلى صفوفه.. و تعيينهم في مناصب عليا.. وكذلك ضخ مبالغ كبيرة إلى أرصدتهم.. معرجا إلى دور المرأة كصيادة.. ومغوية للرجال.. مثل سامية زوجة اليساري المندس مراد.. في نسج تلك العلاقة الغامضة مع ذوي النفوذ.. وبفضل اغراءها أصبحت وزوجها في أعلى المناصب.
تلك النقلات التي جسدت قدرة الكاتب فنيا على رسم جدارية حكائية ضخمة عنوانها شرخ الماء.. رواية سيرية.. وليست سيرته ككاتب فحسب.. أو سيرة من عرف.. بل سيرة وطن لأكثر من نصف قرن.. ذكريات مقتطعة لمن عرفهم ومن كان له بهم صلات وثيقة.. ممن يعرف أدق تفاصيل حياتهم.. منذ الصبى الأول.. وإلى عنفوان الشباب وما يليه من نضج وعقلانية.
مقتطعات:
لغة الرواية هي لغة الصحافة.. طعمت بمفردات محلية .. خاصة تلك النصوص المغناة. التي تزيد عن أربعة عشر نصا من الشعر معظمها لا يتعدى البيت الشعري الواحد.. أستخدمها الكاتب لتقريب حالة تلك الشخصيات النفسية ..مثل "ألشوق أعياني ياقرة الأعيان.. والبين أوطاني من موطن الأزمان" , "كل ليلة وكل يوم .. أسهر لبكرة.. في انتظارك ياحبيبي.. فكري طول الليل في ليلك.. والنهار كله ف نهارك.. ياحبيبي" , "حيرت قلبي معاك.. وانا بداري وخبي...", "ومن الشوق رسول بيننا .. ونديم قدم الكأس لنا", "جددت حبك ليه.. بعد الفؤاد ما رتاح.. حرام عليك.. خليه غافل من اللي راح", "ذا هندي الأجفان.. طلياني البنيان.. أمريكي النهدين.. لا وين أنا لا وين", "رفه على نفسك .. وأنسى عنى أمسك.. بسك لبيج بسك.. أنستنا ياعيد". وهكذا أتت تلك الأبيات التي يأتي بها الكاتب على لسان شخصياته.. لمزيد من توضيح أوضاعهم وأحوالهم ونفسياتهم.
شخصيات الرواية التي تزيد عن العشرين شخصية.. منها الرئيسة كالكاتب.. وعبدالملك. ومراد. ومنهااسماء اخرى تباينت ادوارها.. مثل: حسام.. هديل.. حنون.. مليحة.. سليم.. زاهر.. العجوز العقيم.. ميسون.. درهم.. مهيوب.. سامية ... الخ وبالطبع لتلك الأسماء والصفات دلالات ومعان.. لا يسمح الحيز هنا للدخول فيها.

 

النهاية:
كما هي شخصيات الرواية السيرية الغيرية.. عادة ما تنتهي بنهايات متعددة.. فاذا كانت لكل شخصية حكايتها أو سيرتها.. فأن لها أيضا نهايتها.. فنهاية عبد الملك ظلت مفتوحة.. حيث تنتهي أحداث الرواية بينما هو لا يزال يتوسع في شراء المزارع.. ويطمع في المزيد من الوجاهة.. اما نهاية مراد فتأتي قبل نهاية الرواية بعدة فصول.. بعد أن أصبحت مكانته في صنعاء مكانة عالية.. متماهيا مع فساد النظام.. وجزء منه.
أيضا نهايات المشايخ.. حيث تنتهي الرواية دون نهاية لهم.. وكأنهم لا يموتون.. أما هديل فتلقى حتفها.. وكذلك أمها مليحة.. يتبعهم سليم.. وهكذا أراد الكاتب لبسطاء نهايات سريعة.. عكس المتسلقين ورجال السلطة.
وهنا يدرك القارء أن الموت والتشرد من نصيب البسطاء.. مقابل حياة رجال السلطة وعبثهم وكأنه قدر. وقد جعل الكاتب نهاية الرواية مفتوحة.. كما هي صفحات الظلم والتسلط في كل زمان لا تنتهي.. وان ظننا بنهاية الظلم والتسلط.
في هذه الرواية الكاتب أستطاع أن يقدم سيرة وطن.. فحضرت الحديدة.. وعدن قبل صنعاء.. وحضرت مجتمعات السهول والسواحل والجبال .. وما عليها من تقلبات سياسية.. ودورات دم بشعة.. وتلك الصفقات التي لا تنتهي تنخر في جسم الوطن.. وهو ما يحدث اليوم من ارتهان للخارج من جميع الأطراف.. وقد وضع أمراء الحروب في وضع عسكر ينفذون لمن يدفع.. ليستمروا أدوات لقوى إقليمية.. أما هم المواطن فيأتي بعد مصالحهم.. هم أولا وأخيرا. وكأن الرواية تستدعي الأمس لتفضح ساسة اليوم.

منقولة من الحوارالمتمدن ...

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24