الاثنين 08 مارس 2021 آخر تحديث: الأحد 7 مارس 2021
هموم القارة السمراء في رواية ليلة إفريقية - مصطفى لغتيري
الساعة 18:30 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)



خلال تاريخها الموغل في القدم عانت إفريقيا وما تزال من سوء فهم كبير، امتد لزمن طويل، ولا يزال مفعوله ساريا إلى اليوم، فلم ينعكس بشكل مباشر على نظرة أبنائها إليها فحسب، بل طال نظرة الآخر الغريب عنها كذلك، فكون نتيجة لذلك صورة نمطية لهذه القارة المغلوبة على أمرها، التي تعاني الأمرين من أجل الانفلات من شرنقة هذا الوضع البائس، ولا تزيدها مقاومتها له سوى انغماس في وضع مربك ومرتبك، وهو يزداد- للأسف - سوءا بمرور الزمن، ويبدو أن هذا الأمر سيستمر في المستقبل كذلك، فليس هناك مؤشرات تدل على أنه وضع سينتهي قريبا، فهذه ال" إفريقيا" رغم أنها مهد الإنسان الأول، ومنطلق لتشكل مجتمعاته الجنينية الأولى، فقد تعامل معها العالم بغير قليل من اللامبالاة أحيانا، وبكثير من الاستغلال أحيانا أخرى، فلا يخفى على أحد أن الأرض نهبت والإنسان استعبد، بشكل لا أظن البشرية عرفت له نظيرا عبر التاريخ، خاصة فيما يتعلق باقتلاع الإنسان عنوة من أرضه وأخذه إلى ما وراء البحار واستغلاله أبشع استغلال، هذا إذا نجا من أهوال التهجير وقسوة النخاسين، مما أصبح راسخا في وعي ولا وعي البشرية جمعاء .
وإذا كانت هذه القسوة والمعاناة التي كابدتها إفريقيا من الآخر القادم إليها من وراء البحار، في ظاهرة ما يعرف تاريخيا بمرحلة الاستعمار أو الحملة الإمبريالة، التي تورطت فيها الدول الغربية، كل بمقدار، حسب قوة كل دولة وطموحاتها، قد تجد لها من وما يبررها، فإن القسوة أتت كذلك من أبنائها، بشكل لا يمكن أن يستسيغه إنسان عاقل، والحديث هنا عن شعوب هي جزء لا يتجزء من هذه القارة أرضا وتاريخا، وأقصد تحديدا بلدان تنتمي إلى شمال القارة.
ولعل بابا من أبواب هذا التعامل المتسم بالقسوة وسوء الفهم يتجلى في عدم انتباه مبدعي هذه المنطقة لمواضيع القارة السمراء، فقلما نجد نصا يتناول قضية من قضاياها شعرا أو قصة أو رواية، ويطال الأمر كذلك باقي الفنون كالسينما والمسرح وغيرهما،
إن دول المغرب العربي مثلا بشعوبها التي امتزجت مكونات هويتها لتعطينا خليطا متجانسا، لا يمكنها ولا يجب عليها أن تتجاهل المكون الإفريقي في هويتها، فهي تنتمي جغرافيا إلى إفريقيا، ويعد مكونها البشري امتدادا طبيعيا لشعوبها.
شخصيا حين ألاحظ هذا المكون مغيبا عن تفكير الناس واهتماماتهم بل وعواطفهم كذلك، ينشغل به ذهني أكثر، وأحاول أن أفهم سبب هذا التغييب، ولا أخفي أنه في الحين ذاته يعتصرني بعض من ألم، خاصة وأن هذه ال "إفريقيا" لا ينقصها تهميش ولا إقصاء ولا تغييب، قد يحدث بوعي أو بغير وعي. وكما نعلم جميعا فظلم ذوي القربى أشد مضاضة من وقع الحسام المهند...
هذه بعض من الهواجس والتأملات والقضايا التي هيمنت على تفكيري لحظة كتابة رواية ليلة إفريقية، وازدادت الذات حساسية عند اختيار بطلة لها كريستينا الفتاة الكاميرونية، التي قدمت إلى المغرب من أجل الدراسة، فصادفت في طريقها الكاتب المغربي يحيى البيضاوي، حين جمع بينهما القطار وهما في طريقها إلى مدينة فاس، هو من أجل المشاركة في ملتقى للرواية، وهي من أجل المشاركة في مهرجان للفكلور الإفريقي، يقام في تلك المدينة لجمع شتات المهاجرين ولتقريب الشعب المغربي من ثقافتهم الغنية.
تجاذب يحيى وكرستينا أطراف الحديث، وبثت الفتاة الكاميرونية ليحيى البيضاوي بعضا من همومها في هذا البلد، الذي جاءت إليه محملة بكثير من الأمل باعتباره بلدا إفريقيا، فإذا بها تجد نفسها وجها لوجه تجاه بعض المعاملة القاسية من قبل الناس، فإن كان الموقف الرسمي إيجابيا تجاه المهاجرين من خلال فتحه الأبواب للأفارقة، سواء منهم الذين يأتون للإقامة أو الدراسة، أو أولئك الذين يجعلون منه قنطرة عبور نحو الفردوس الأوروبي الموعود والموهوم كذلك، فإن الناس ما زالوا ينظرون بعين الاحتقار لأصحاب البشرة السوداء، وقد عانت من ذلك كريستينا، من خلال مواقف إنسانية قوية، كان يحيى البيضاوي شاهدا على إحداها داخل إحدى المقطورات التي ضمتها وإياها وبعضا من بشر، تقول الناقدة نجية جنة في هذا الصدد"إن أحداث الرواية ستأخذ منحى آخر خصوصا بعد تلقي الكاتب دعوة لحضور أحد الملتقيات الأدبية بمدينة فاس، لتجد القارئ يخوض عوالم جديدة مع الشخصية، في القطار حيث يلتقي بكريستينا الطالبة الإفريقية ومن خلال تحاورهما سيتحدث الكاتب عن معاناة الأفارقة بالمغرب وعن نظرة الناس الدونية لهم، كما انه سيظهر للقارئ الوجة والطبع الجميلين للإفريقي بالمقارنة مع المسافرة التي لم تراع قوانين النظافة في المقصورة وهي فتاة مزهوة بنفسها، .. كانت تنظر إلى الفتاة الإفريقية بين الفينة والأخرى، في نظرتها كثير من الاحتقار لها، وكأنها كائن مسخ يوجد بيننا.. لاحظت ذلك، فشجعني على إعادة الاعتبار للفتاة الإفريقية.. كانت الفتاة تتناول وجبتها بكثير من الأناقة.. كانت جلدتها لامعة، وعيناها جميلتين، فيما شعرها مشكل بضفائر صغيرة ومتشابكة، كان لها سحر أميرة إفريقية.. جين اكتفت من الطعام، اخرجت من حقيبتها منديلا صغيرا، مسحت يديها وفمها، ثم تناولت قنينة ماء.. كان في حركاتها شيء ما تملك على لبي".
  يعطينا الكاتب صورا حية بكل تفاصيلها، بحيث يقدم لنا صورة جميلة عن الإفريقي الراقي بأوصاف وأدب راقيين بعكس ما يظنه الناس بالمقابل في ص28 "اقتنت الفتاة المزهوة بنفسها كيسا يحتوي على لمجة خفيفة، التهمتها بسرعة، وحين أجهزت على طعامها، مسحت يديها بالكيس الورقي، وأمام استغرابنا رمت الكيس دون خجل على أرضية المقصورة ".هنا يتكلم على أسلوب بعض الناس وعدم احترامهم لقوانين النظافة رغم ادعائهم التطور والعصرنة .".وهنا في الحقيقة وضعنا الكاتب أمام مفارقة، تجعلنا ننظر بعين الريبة والازدراء إلى الفتاة التي أهانت كريستينا بينما نجل ونقدر تصرف هذه الأخيرة وسلوكها.

في فاس تشابكت العلاقة ما بين يحيى البيضاوي والشابة كريستينا ونقل كل منهما جزءا من وجه إفريقيا المشرق، كريستينا من خلال الفلكلور المحتفي بالإنسان في علاقته بأمنا إفريقيا، ويحيى البيضاوي من خلال البدء في كتابة رواية مشتركة مع كاتبة مغربية أمل المغيت ستكون كريستينا بطلتها المتخيلة، هذا المشروع الروائي الذي يمكن اعتباره رواية داخل رواية، يقدم لنا هموم إفريقيا في علاقة الإفريقي مع مواطنه، وفي علاقة كليهما بالإنسان الأوروبي الذي غزا الأرض واستغلها وقسمها على هواه وتبعا لمصالحه، فترك بؤرا للتوتر أبدا لا تنتهي، يقول الناقد السوري أحمد جاسم الحسين في هذا الصدد"لم يكن إعلان الكاتب الاتفاق على كتابة رواية مشتركة أمام عيني القارئ بريئاً وعفوياً، بل جاء تقنية فنية لتوظيف ثيمة مهمة جدا من ثيم العصر الذي نعيشه؛ وهي ثيمة الثنائيات والتخبط في تبنيها والتحيز لمدى دقتها والضياع الذي ولدته هذه الثنائيات لدى الشباب في شق طرقهم ونهجهم الحياتي واليومي، فالفريقان يتبنيان صراع جيلين أو بكلمة أدق رؤيتين للكتابة. 
إحدى هذه الثنائيات تتبدى في رسم كل منهما لشخصية (كريستينا) في الرواية؛ أمل تتخيلها ابنة صياد إفريقي يطوف في الأدغال بينما يعترض يحيى البيضاوي على هذه الصورة بحجة أنها صورة نمطية مستمدة من كتابات الأوربيين التي تربط إفريقيا بالعجيب والغريب..
في الوقت ذاته تقدم رؤيته هو لإفريقيا صورة مغايرة حيث الصراعات القبلية والاثنية والفقر وحاجات التنمية، والاستغلال الرهيب من أوربا لخيراتها وجعلها دفنا لنفاياتهم.. "
ان البطلة وان كانت شخصية روائية من كلمات فإنها رمز لأفريقيا الشابة الجريحة، التي تحاول النهوض عبر تعلقها بالعلم والمعرفة، بخوضها لتجارب السفر من أجل تحقيق أهدافها، إلا أنها تجد دوما العراقيل التي تقف حائلة دونها وتحقيق ما تصبو إليه.
كريستينا تنقل لنا المعاناة المزدوجة، أو لنقل متعددة الأبعاد فمن خلال التخييل المضاعف يحكي لنا يحيى البيضاوي بعضا من حياتها في عمق إفريقيا، حيث أبوه رجل كادح يسعى لكسب رزق يومه بعرق جبينه، بينما تقف في وجهه تحديات بلا حصر، تبتدئ بعنجهية أبناء وطنه وتنتهي بمحركيهم خارج الوطن، بل خارج أفريقيا كلها في بلدان ما وراء البحار.
وكأنها تقول بذلك بأن مشكلتنا الحقيقية هنا داخل الوطن وأن ضعفنا وتشردمنا هو الذي يبيح للأجنبي استغلالنا بالشكل البشع الذي يتم به.
في هذه الرواية حاول السارد أن يقول بصوت يكاد يكون خافتا متجسدا من خلال أحداث وشخصيات، بأن أفريقيا جزء لا يتجزأ منا، إنها عمقنا، مشاكلها مشاكلنا وهمومها همومنا، إن اشتكى بلد منها أو شخص تداعت له باقي البلدان والشعوب بالسهرو الحمى، وأن عدونا المشترك هو العنصرية والفقر والجهل والأجنبي الغازي، الذي يسعى بدون هوادة ليديم تبعيتنا له واستغلالنا أشد استغلال، فلنتضامن ضد استغلاله لنا واحتقاره لشعوبنا.
في رواية ليلة إفريقية تم التنويه إلى أن هويتنا في المغرب ويطال الأمر باقي بلدان شمال افريقيا تتكون من عدة مكونات ومن أهمها المكون الإفريقي الذي يجيب أن لا يغيب عن أذهاننا أبدا في كل تفكير أو تحديد لذواتنا على هذه الأرض وفي علاقتنا بالعالم أجمع والمشكل لا يعاني منه ذوي البشرة السمراء والسوداء المهاجرين إلى البلد، ولكن يعاني منه كذلك حاملو تلك البشرة من أبناء البلد، فيكفي أن تتفرج على برامج التلفزيون،  لتلاحظ غياب ذوي البشرة السوداء، أو تنظر لوجوه الوزراء والموظفين السامين لتصطدم بقسوة الغياب ودلالته..
وفي ما يمكن اعتباره مندرجا ضمن ما يسمى بالميتا رواية أو السرد الشارح، تقدم لنا الرواية وجهتين مختلفتين حول تناول الكتاب لإفريقيا، فهناك الرؤيا التقليدية التي ترى في أفريقيا مجرد متحف للحياة البرية ومادة للبحث الانتروبولجي، وهي رؤيا برر بها البعض احتلال هذه المنطقة من العالم، وهناك رؤيا أخرى تركز على إنسان هذه القارة باعتباره مواطنا يعاني الأمرين من أجل كسب عيشه ومحاولته المتفاتية من أجل الانعتاق من برقة الفقر والتهميش والاستغلال، ومن ثمة النهوض بأوضاع قارته المكبلة بأغلال الماضي والحاضر والمستقبل أحيانا خاصة إذا علمنا بمشاريع الدل الغربية تجاه هذه القارة التي لا ترى فيها إلا مكبا لنفاياتها النووية وغير النووية
يقول الناقد محمد يوب "إن الرواية تلتقي بشكل توفيقي مع الرواية الجديدة في تتبع لحظات تشظي الرؤى و المواقف، مواقف النقاد الجدد تجاه الرواية التقليدية، وموقف يحيى من إبداعاته، من جهة ومن الرواية الجديدة، وموقف أمل من موقف النقاد وموقف يحيى. ويظهر أن هذا التشظي نفسي، نحسه داخليا ولا نلمسه من خلال العبارات والدلالات المكثفة،ذات الحمولة الفكرية والأيديولوجية الغارقة والموغلة في نفسيات الأبطال، لأن طريقة سرد الأحداث يظهر أنها طريقة تقليدية، لكن من حين لآخر تتلاعب بمشاعر القارئ، فمرة تجذبه تجاه تبني موقف يحيى، ومرة تجاه موقف النقاد الجدد، ومرة تجاه موقف أمل الذي يميل كثيرا إلى التوفيق بين الموقفين.
وخير ما أختم به هذه المداخلة المتواضعة ما جاء في مقال للناقد حميد ركاطة  في قراءته النقدية لليلة إفريقية حين قال:

لم تكتف الرواية بطرح مواضيع خاصة، بل استأثرت بطرح القضية الإفريقية من خلال استحضار أعمال أخرى لبطلي الرواية "يحي وأمل" من خلال الحديث عن الرواية ومواصفاتها وخصوصيتها والمواقف إزاءها، وكذلك جعل الرواية نفسها موضوعا للدراسة للكشف عن نفسها من خلال أفكار كاتبها وأسباب وملابسات إخراجها للوجود من خلال إدماجها داخل خيط رابط وأساسيتمثلها الكاميرونية " كريستينا "، وسيكل الثلاتي مادة حكايئة دسمة من خلال ما ستبرزه أوجاعهم الإنسانية الخاصة، بموازاة مع الاحتفال بليلة إفريقية ساهرة ستمنح الأبطال بل ستلهمهم وستبث بداخلهم -سواء عن قرب أو بعد -معالم وروح الحضارة الافريقية نفسها كما تجلى من خلال الأمكنة الأثيرة لدى الشخوص أو تلك التي ستؤثث مجريات أحداث الرواية نفسها، من خلال طرح قضايا ذات أهمية بالغة جدا يمكن حصر بعضها من خلال مجموعة من الأسئلة التي فتحت أفاق السرد وممكنات الكتابة وتفرعها بالقوة في اتجاهات مختلفة بفتح كوى متعددة، انطلاقا من تتبع الشخوص وإبراز ملامح بعض الأمكنة وخصوصيتها لإبلاغ رسائل ذات بعد إنساني / الحب / السلم / أو تعكس الوجه القاتم للواقع / العنف / البطالة / الدعارة م القتل / النسيان / العنصرية / النزيف..
إنها رواية بقدر ما تعكس أوجاعا إنسانية في شموليتها تبرز بقوة إجهاض الحلم للعودة إلى الحياة وقد تبدد الأمل الخادع وتمزق الخيط الواهن الذي سيسقط أقنعة الوهم لمواجهة واقع المرارة والغبن واليأس.


* ألقيت هذه الورقة ضمن فعاليات ملتقى الثاتي للرواية بتونس.2019

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24