الاربعاء 14 نوفمبر 2018 آخر تحديث: الاربعاء 14 نوفمبر 2018
يونس الشجاع
الضمير المكلوم.. عنوان الندم الآتي!
الساعة 01:51
يونس الشجاع

وحدهن الأمهات والأرامل من سيظلن مصطليات بنار الحزن على فراق فلذات أكبادهن وأزواجهن.. فلم يجد العرب القدماء تشبيهاً ابلغ من «آهات وأنين الثكالى» لمن تصيبه فاجعة من فواجع الدنيا.. فهن من سيعصرهن الرفات وثقل الذكريات وامتداداتها، سيعصرهن تأنيب الضمير الذي لا يهمد وسيعضين أصابع الندم على لحظة انفعال سرقت منهن أغلى ما يملكن في غمرة التجييش باسم الله.. ستتوشح قلوبهن بوشاح الحزن والندب طيلة حياتهن حتى وإن أجبرتهن الجارات والقريبات على الاعتقاد بأن من فارقن عريس في الجنة وسط حوريات عين..

لا أشد وقعاً عليهن من ظلمة الليل حين يهمد الجميع ليغُطّوا في سباتٍ عميق، فيما هن تسحقهن النهدات الحارقة، والزفرات القاتلة، وهن يشاهدن أنفسهن وقد أصبحن الأب والأم والصديق والحارس للأولاد وجدران البيت.. يدرن لوحدهن أطفال ما بعد الحرب، هموم تكبر ولا تصغر، تظهر ولا تختفي: المصاريف، المدرسة، المستشفى، شقاوة الضجيج المنفلت مع رحيل المعيل، وسيرورة الأم الصغيرة الكبيرة اليومية، وحنق وسوسات كل ليلة: « تركوك  وحدكِ وسط كل هذا الضجيج»!. 

ومع كل فاتحة صبح وانسدال قمر، لا شيء يلوح في الأفق سوى حزنهن الجاثم على صدورهن صبح مساء.. فما إن يبرد الرأس ويخف من لوثة التثوير والتجييش نحو السراب.. إلا وسرعان ما تتصاعد حمى الذكريات في أدمغتهن حد الانفجار المريع، إنفجارات الفَقد وما بعده، الوحدة القاتلة، والتحام الجدران، وظلمات دهاليز البيت، استراق لحظة عشق عند إخماد هجيع الأطفال..

لا أشد وقعاً من هزيمة قلب امرأة، تذبل أوراقها وأزهارها الغضّة قبل أن تفتش في نيسان.. سيغلق باب الدار، وتسدل ستائر النوافذ، ووحدهن الأمهات والأرامل من سيصطلين بصقيع الوحشة الطويلة المستذئبة، فلا مؤنس سيطرق باب مخدعهن المتخشب، والمتحجر، ولا من سيلملم الحنين، ويجفف الدمعة ويمسح الأنين.. الحاضر الآن فقط: الوحشة القاتلة، الفالقة واللاعنة لكل حرب تحت مسمى جهاد تاركاً وحشة الأسئلة:«على أيش قُتل ولدي؟على ماذا قتل زوجي، وأخي، و و و هناك؟ على أيش، ولمن، وكيف، وما بعده»، إلخ.. ستطحن قلوبهن الآلام وهن يشاهدن مسعري الحروب وأربابها، بعد انتهاء التجييش، خارجين من فللهم الفخمة ببطون منتفخة ليعتلوا سياراتهم الفارهة.. وما من مجيب لأسئلتهن سوى الفقر والجوع، والتشرد والعطش، والظلام والجهل، واللاأمان، وناسل الأسئلة المرة واللعنات التي ستظل تلاحق مسعّري الحروب، بالمفرق والجملة، ألف سنة آتية من سرمدية الحزن والفجيعة..

يا ترى كم من ستحتجن من مهدّئات ومسكّنات، ومنشّطات، وأنتن تتذكرن حكاية «سراج البيت» وكان، وكان، وكان،  كم من تعاويذ لـ «ترميم قلوبكن المكلومة » ستحتجْنها أيتها الأمهات والأرامل، وما أكثركن..؟!.. وأي إكسير سيرمّم الفؤاد المنكسر، والضلع الأعوج، والمستقبل بلا مستقبل؟، وأي أوصافٍ وكنايات وخيالات وحكايات ستُحكى لتخفف من معاناتكن وحرقة صدوركن؟ 

الفجيعة، والضمير المكلوم، عنوان الندم الآتي، بعد انقشاع حمى هذيانات قتال الدواعش ومحاربة المجوس.. نعم، عندما تنتهي جائحة حمى تلك الهذيانات، سيتجلى حائط مبكى، لدهور آتية ومتواليات أحزان لا متناهية..

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24