الجمعة 20 ابريل 2018 آخر تحديث: الخميس 19 ابريل 2018
السفر في زمن الحرب ذمار – الدوحة – ذمار - بشير زندال
الساعة 19:09 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


 

مقبل أنا على سفر إلى الدوحة في مؤتمر علمي. في الأيام العادية من عمر الشعوب، السفر أمر اعتيادي، ولكن في سنوات الحروب فإن السفر يكون مصحوباً بمشاعر مختلفة، متناقضة، توتر شديد، حزن على فراق أهلك، قلق شديد عليهم، قلق من الطريق. حين تسافر في أي مكان في العالم فإن فراقك لأسرتك وأحبابك هو أخر ما يشغلك، ولكن حين تسافر في فترة حرب فإن المجهول مرعب. مسافر لا أحمل إلا حقيبتي وجواز سفري الذي اصابته لعنة الحرب. جواز السفر في كل دولة هو دليل عز أو مهانة المواطن. هناك جواز سفر يسمح بدخول 130 دولة، وجواز اخر يسمح لك بدخول 70 دولة، وجواز اخر يسمح لك بدخول عدد لا بأس به من الدول. ولكن حين يكون جواز سفرك لا يسمح لك إلا بدخول دولة واحدة في العالم، وهي السودان. حينها تعرف أنك سجين في هذا الوطن. وأن الكرة الأرضية بأكملها ليست موطنك، فهي تلفظك من كل شبر فيها. حين يتحول جواز سفرك من بطاقة عز وكرامة لك إلى وصمة عار وهوان. حين ترفع جوازك أمام ضابط الجوازات تتبدل ابتسامته من ترحيب إلى ابتسامة جامدة، وكأنه لا يريدك أن تقف أمامه كثيرا. موظفي المطارات عادة ما يحملون مشاعر جافة جدا، لكثر تعاملهم مع المسافرين. والمسافرين على العكس من الموظفين تكون مشاعرهم متقدة جدا. منهم من يبكي لمغادرة وطنه ومنهم من يبكي شوقا إلى وطنه. لكن موظفي المطارات لكثرة تعاملهم مع أوجاع الناس أصبحوا لا مبالين بهذه الأحزان وهذه المشاعر، مثلهم مثل الطبيب الذي يتعامل مع وجع المريض بتبلد في المشاعر لكثرة ما تعود على مشاهدة الآم الآخرين. ستكون رحلتي طويلة، وستكون آلامي أطول. مسافر في زمن الحرب. من وطن جريح إلى بلد مرفه، من أسوأ مكان قد يحلم شخص بالتواجد فيه في الكوكب، إلى المكان الذي يحلم بالعمل فيه أكثر من نصف سكان الكوكب. من مكان خرج من دائرة الزمن وعاد إلى القرون الوسطى، إلى مكان انتقل من الحاضر إلى المستقبل، ليجعل مواطنيه أكثر مواطني العالم رفاهية. هي زيارة علمية فقط اسبوعين وسأعود. ولكن المشاعر معجونة بالقلق والتوتر. سأترك أولادي في وادٍ غير ذي زرع لمدة اسبوعين، في وادٍ غير ذي حب، في مناخ هو الابرد في الجزيرة العربية، إلى دولة هي الأكثر دفئاً في الجزيرة. اسبوعين، أشارككم هنا فيها خط سير رحلتي، رحلة ممتعة.

 

 

1- ذمار سيئون

تجمعنا أمام مكتب السفريات في ذمار في الساعة السابعة مساء يوم 9 ديسمبر ، كان البرد هو سيد الموقف. فذمار هي أعلى عاصمة محافظة في الجزيرة العربية، وأكثرها برودة. ما أن نخرج من بوابة المكتب حتى تلسعنا سياط البرد. بالنسبة لي كنت متسلحا بملابس ثقيلة، ولكن للأسف كان هناك أحد المسافرين من عبس في تهامة، كان في طريقة إلى سيئون ونزل في ذمار كترانزيت حتى يسافر مع باص الأولى إلى وجهته. طبعا لأن عبس منطقة دافئة فلم يتحصن ضد البرد والنتيجة أنه كان يرتعش جداً في البرد. أعطيته (فانيلة) غليظة كانت معي في الحقيبة وشال. تحركنا من ذمار الساعة ال8 مساء بإتجاه سيئون في رحلة طويلة منهكة على متن باص كبير (الأولى). بعض الأصدقاء نصحني بأن أسافر من عدن، كون الطريق إليها 8 ساعات فقط مقارنة ب 18 ساعة إلى سيئون. ولكني فضلت سيئون لما نسمعه عن امتهان لكرامة اليمنيين من ابناء المناطق الشمالية في النقاط التي يسيطر عليها الحراك (في نفس يوم رحلتي عرفت أنه تم إرجاع 3 باصات من نقاط الضالع). سفر النهار يجعل من الحياة خارج النافذة تشغلك عن أحزان السفر، بيد أن سفر الليل يجعلك لا تشاهد من النافذة إلا شاشة سوداء، كالحزن الذي يسيطر على مسافر لا يريد ترك أولاده في مدينة يسكنها البرد والحرب، نافذة سوداء كالمستقبل الذي تجهله تماما. تظل قلقا في كل نقطة تفتيش في جانبي الحرب. تظل مرعوبا من مزاجية أحد مسلحي النقاط في الجانبين. لكن مر الأمر من دون مضايقات في النقاط لدى الجانبين. استغرقت الرحلة من ذمار إلى مأرب حوالي 10 ساعات، وهي طريق مزفلتة في اماكن وترابية في أماكن أخرى، وصلنا الفجر إلى مأرب حيث توقفنا هناك للصلاة والإفطار. انطلقنا بعدها في صحراء مأرب وحضرموت ووصلنا العبر الساعة العاشرة صباحا. الطريق من مارب إلى سيئون سيئة جدا. طريق مزفلتة ولكنها مليئة جداً بالحفر فكان السفر جحيم حقيقي خصوصا أننا سهرنا طوال الليل في الطريق من رداع إلى مارب. النقاط أيضا كثيرة وبنفس الإيقاع يتم تسليم كشف باسم المسافرين عند كل نقطة. وصلنا سيئون في الواحدة ظهرا.

 

2- سيئون

سيئون مدينة دافئة في الشتاء، طبعا أنا أتيت من ذمار الباردة. كان الجو في سيئون بالنسبة لي دافئ جدا. كان بانتظاري سائق تاكسي أتعامل معه، أوصلني إلى الفندق الذي حجز لي فيه مسبقاً ثم خرجنا، تغدينا وبعدها عدت للنوم في الفندق حتى الساعة الرابعة. حين صحوت خرجت وزرت قصر الكثيري وتجولت في مدينة سيئون الصغيرة. وسيلة التنقل هناك هي إما التاكسي أو الموتورات (الدراجات النارية). طبعا في مدينتي ذمار أو حتى في أغلب مدن الشمال في اليمن فإن أي دراجة نارية بالتأكيد هي وسيلة نقل أجرة معتمدة. فقط قم بالإشارة لسائق الموتور فيتوقف ثم تصعد معه فيوصلك وبحسب المسافة تسلم له أجرته. أما في سيئون فإن الأغلب يتواصل بالدراجات النارية ولا يعمل بها كوسيلة أجرة. طبعا خرجت من الفندق واشرت بيدي لسائق دراجة نارية فتوقف أخبرته أني أريد الذهاب إلى السوق قال لي أصعد وأوصلني وحينما أخرجت المال ابتسم وقال أهلا بك في سيئون. حاولت إعطاءه أجرته فأكد لي انه لا يعمل بالدراجة ولكنها شخصية. أكملت نزهتي في السوق وجوار قصر الكثيري وهناك تعشيت ثم عدت إلى الفندق ونمت باكراً لأن الرحلة كانت الثامنة وكان من الضروري أن أكون في السادسة في المطار. صحوت الخامسة واتصلت بالسائق الذي أكد لي بأنه سيكون في بعد نصف ساعة أمام الفندق. خرجنا الخامسة والنصف وتوجهنا إلى المطار. طبعا قبل أن أغادر تركت عند السائق كيس كبير به ملابسي الشتوية الكثيرة التي تسلحت بها في طريقي من ذمار ليلا إلى سيئون لأني بالتاكيد لن أحتاجها في الخرطوم أو الدوحة. دخلت المطار وكانت رحلتي مع طيران السعيدة. كنت أعرف مسبقا أن طائرات السعيدة صغيرة الحجم. ولكن حين بدأنا بالخروج تفاجأت بأننا سنسافر على متن طائرة بوينج كبيرة. كانت بدون أي شعار خاص لا بالسعيدة ولا بغيرها. عرفت لاحقا بأن السعيدة استأجرت طائرات من شركة صينية مع طاقم صيني.

 

3- سيئون الخرطوم

صعدنا على متن طائرة السعيدة. وهي لا تختلف في بشاعتها عن طائرة اليمنية. الكراسي متسخة، بعضها مكسور، بعض المسافرين كتبوا ذكرياتهم جوار كرسي الطائرة. المهم كأنك صعدت حافلة في شوارع صنعاء. كان الطيار الصيني يخرج من مقصورته والكرفته ليست منمقة، والقميص غير مكوي. شعرت بأنه كان سائق شاحنة في الصين. أقلعت الطائرة وكانت وجهتها فوق الأراضي السعودية ثم البحر الأحمر، دخلنا بعدها إلى أجواء السودان. استغرقت الرحلة حوالي 3 ساعات ونصف. وصلنا إلى الخرطوم وهبطت الطائرة. قبل أن ننزل من الطائرة أتانا صوت مضيف الطائرة بأن نلزم أماكننا وبأن مطار السودان يقوم عادة برش الطائرة بمبيد حشري أو بمعقم قبل نزول المسافرين. ما هي إلا دقائق حتى دخلت موظفة سودانية وعلى وجهها الكمامة وقامت برش مبيد حشري في أعلى الطائرة من الداخل، في مكان حقائب السفر الذي نضعها فوق رؤوسنا. كانت تمشي بخطوات بطيئة وهي ترش المعقم بغزارة على يمينها وهي قادمة من أول الطائرة إلى مؤخرتها ثم عادت من حيث أتت ورشت الجهة الأخرى كاملة. طبعا ونحن جالسون في الطائرة، فكانت رائحة المعقم نفاذة. تضايق أغلب المسافرين وشعرنا بالمهانة فقال المضيف في آسف بأن السودان منذ أن انتشر الكوليرا في اليمن يقومون بهذا الإجراء. نزلنا من الطائرة ووصلنا إلى المبنى الذي يفترض أن نقوم بالدخول فيه للتأشير بدخول السودان. فوجئت بأنهم قاموا برصّ المسافرين في صفين. صف للنساء وصف للرجال. وقاموا بتقديم جرعة مكونة من 3 حبوب دواء مختلفة مع كأس ماء. شعرت بالمهانة مرة أخرى، كأننا حيوانات مريضة ووجب تعقيمنا. ولكن هذا ما أوصلنا إليه السياسيون في بلدنا. وصلتُ إلى الممرضة أخذت الأدوية وحاولت مراوغتها بأن لا أشرب الدواء، ولكنها كانت مصرة على أن يشرب كل مسافر الثلاث الحبات أمامها. شربتها مرغما وتوجهنا بعدها لختم الجواز. أصابني غثيان شديد بعدها بربع ساعة وكنت وأنا انتظر الحقائب أراقب في وجوه الناس نفس الغثيان ونفس الحزن.

 

4- الخرطوم.

استقبلني في بوابة الصديق العزيز هشام اليمني، كان يشغل منصب مدير مكتب نائب رئيس الجامعة للشئون الأكاديمية، وكانت اخلاقه عالية جدا في التعامل، وهو الآن يحضر الدكتوراه على نفقته. تواصلت معه قبلها وأخبرته بموعد وصولي، أخذنا باص صغير ( 7 راكب، يسمونه أمجاد، وهو وسيلة نقل تعمل مثل التاكسي) من المطار إلى العمارة التي يسكن بها هشام مع يمنيين كثر. عرفت منه أن هذه العمارة تمثل سكن طلابي على حساب فاعل خير يمني. يدفع الطالب حوالي 20 دولار (ارتفعت من هذا الشهر إلى 50) ويحصل بالمقابل على السكن وعلى 3 وجبات. مشروع عظيم جدا ليته يُنفذ في الدول التي بها طلاب يمنيين كثر مثل مصر والمغرب وماليزيا وتركيا. رغم أن الفصل كان شتاء وبردا شديدا في اليمن إلا أن الجو كان حاراً. أخبرني أصدقائي أن الجو في السودان في الصيف خانق جدا ولا يطاق. ارتحت من السفر حتى الساعة الخامسة ثم خرجت مع الصديق محمد مقبل عامر (موفد من جامعة ذمار للدكتوراه في الأدب). توجهنا إلى منطقة (توتي) بجوار برج القذافي. الخرطوم مدينة بسيطة والبنية التحتية متواضعة مقارنة بالدول العربية الأخرى. والمواصلات فيها تتنوع من الحافلات العادية ولكنها متهرئة جداً في الغالب، لم أجد حافلة جديدة خلال ملاحظاتي في الوقت الذي قضيته في الخرطوم. وهناك تقليد لدى السودانيين في إيقاف الحافلة، وهي إما الفرقعة بالأصابع أو القول بصوت منخفص جدا (كسكسكس) ويتوقف السائق مباشرة. عدنا إلى السكن ونمت، صحوت في اليوم الثاني خرجت أنا وهشام إلى طيران القطرية لتأكيد الحجز إلى الدوحة وعدت إلى السكن جهزت حقيبتي وذهبت إلى المطار وانطلقت الرحلة الساعة الثالثة عصرا

 

5- الخرطوم – الدوحة

ليست أول مرة أستقل فيها طيران القطرية، أعرف مسبقا بالرفاهية الموجودة فيها، ولكن حين تكون رحلتك السابقة على طيران السعيدة في طائرة مستأجرة من شركة صينية، يقودها طيار (شكله ما يطمنش) فطيران القطرية سيصبح الجنة التي وعدنا الله بها. من واحدة من أسوأ شركات الطيران إلى واحدة من أكثرها رفاهية في العالم.من طائرة لا توجد بها قنوات تلفزيون ولا حتى راديو، إلى طائرة يوجد فيها أمام كل راكب شاشة لمس بها ألاف الأفلام من كل الثقافات. حين أقلعت الطائرة لم تتوجه نحو الدوحة مباشرة فوق الأراضي السعودية نتيجة الحصار بل توجهت نحو أثيوبيا ومن النافذة شاهدت بلاد وجبال وانهار وبحيرات اثيوبيا. وهي بلاد مفروشة بالبساط الأخضر المفروش على جبالها وهضابها. بعد أثيوبيا الصومال ثم البحر العربي فعُمان ثم مضيق هرمز ثم الخليج حتى وصلت إلى الدوحة. استغرقت الرحلة 5 ساعات ونصف. وصلنا مطار الدوحة، وأول مفاجأة هي وجود قطار داخل المطار، لأنه كبير بما فيه الكفاية لجعل القطار هو وسيلة التنقل الأسرع. ختمت الجواز وخرجت إلى صالة المغادرة وهناك وجدت شخص سوري يحمل لافتة عليها اسمي. اتجهت نحوه، رحب بي واخبرني بأن هناك دكتور سوداني قادم في نفس الرحلة. انتظرناه دقائق حتى خرج ثم أخذنا إلى سيارة فخمة وأخذنا إلى فندق ريتز كارلتون الذي سنسكن فيه والذي سيقام فيه المؤتمر. وهو فندق بني في منطقة اللؤلؤة الشهيرة في الدوحة. مجموعة جزر اصطناعية على شكل لؤلؤة. وحين وصلت الفندق أعطيت الجواز لموظف الاستقبال أعطاني مفتاح غرفتي ثم قال لي بأن هناك من ينتظرني في بهو الفندق. لم يكمل حديثه حتى جاءني صوت من الخلف، دكتور بشير!! التفت فوجدته صديقي الدكتور يعقوب الشمري، رئيس قسم اللغة الفرنسية في جامعة الكويت، اعرفه من أشهر طويلة ولكن صداقتنا من التويتر، وكانت أول مرة ألتقيه فيها. أخذني بالأحضان ثم أعطيت حقائبي لموظف الفندق لأخذها إلى الغرفة وجلست مع الدكتور يعقوب في البهو. كان يتابع رحلتي التي انطلقت يوم السبت من ذمار حتى وصولي إلى الفندق يوم الثلاثاء الساعة 11:50 مساء. جلسنا تقريبا ساعتين تحدثنا فيها عن السفر وعن هموم أوطاننا. يحمل الشارع الكويتي الكثير من الحب للشارع اليمني، رغم ما اقترفه صالح في 90 بوقوفه مع صدام في غزوه للكويت. يشعر الكويتيون بالألم لما يصيب اليمن جراء الحرب. افترقنا وذهبت للنوم.

 

6- المؤتمر في الدوحة

صحوت في السابعة من صباح يوم الأربعاء 13 ديسمبر، تجهزت واتصلت بالدكتور يعقوب والتقينا في بهو الفندق، ثم ذهبنا للمطعم أفطرنا واتجهنا إلى قاعة المؤتمر في نفس الفندق. بدأ المؤتمر في الساعة التاسعة بكلمة من رئيس منتدى العلاقات العربية والدولية الدكتور محمد الاحمري. ثم بدأت جلسات المؤتمر. كانت الجلسات متنوعة وغنية جداً بالأسماء الكبيرة المشاركة فيه. كان اليوم الأول مرهق جدا.. فقد بدأ من الساعة التاسعة صباحاً واستمر حتى الساعة الثامنة مساء تتخلله استراحة غداء واستراحات قصيرة أخرى. أكملنا جلسات اليوم الأول وكنت مرهق للغاية وأخبرت الدكتور يعقوب بأني سأذهب لغرفتي لأرتاح فقال بأن ابن أخته سيأتي للفندق لأخذنا لنتجول في الدوحة. جاء شابان مهذبان للغاية هما أقارب الدكتور يعقوب وخرجنا لنقوم بنزهة في بعض أحياء الدوحة، ذهبنا إلى أحد أحياء جزيرة اللؤلؤة وهناك جلسنا في مقهى وطلبوا (القهوة العربية). كانت أول مرة اشرب فيها القهوة العربية وحدثوني عن طقوسها وأهميتها في الخليج بأكمله. استمر تنزهنا إلى الساعة ال12 مساء. عدنا إلى الفندق. توجهنا إلى غرفنا. كان يوما مرهقا فما أن رميت نفسي في السرير حتى نمت. صحوت اليوم الثاني الخميس في السابعة. ونفس البرنامج السابق الإفطار في المطعم ثم التوجه إلى قاعة المؤتمر وبدأت جلسات المؤتمر واستمرت اليوم إلى الرابعة مساء، طبعا مع استراحات للغداء وللبوفيه بين الجلسات. طلبوا منا أن نكون في قاعة احتفال جائزة الشيخ حمد للترجمة الساعة الخامسة. والقاعة طبعا في نفس الفندق. حضرنا في القاعة وصادف أن جلس بجانبي الدكتور روجر الن وهو أستاذ الترجمة والأدب العربي في جامعة بنسلفاينا، كما أنه هو من ترجم أعمال نجيب محفوظ إلى العربية وكان عضو في لجنة جائزة نوبل التي منحت نجيب محفوظ الجائزة. كان الدكتور روجر قد أتى إلى المغرب وقدم لنا بعض المحاضرات في الترجمة حينما كنت أحضر الماستر في الترجمة في المغرب. ذكرته بالمغرب وكانت ذاكرته قوية تذكر المجموعة التي قام بإلقاء المحاضرات عليها في جامعة الحسن الثاني بالمحمدية. جواره كان يجلس الدكتور هارتموت فاندريتش وهو أهم مترجم من العربية إلى الألمانية، قام بترجمة أكثر من 50 كتاب من العربية إلى الألمانية. حضر الشيخ جاسم بن حمد (أخ الشيخ تميم أمير قطر والممثل الشخصي له) إلى قاعة الاحتفال وبدأت مراسم توزيع جائزة الشيخ حمد على الفائزين بها. الجائزة هي أعلى جائزة ترجمة في العالم، حيث تصل مجموع جوائزها إلى 2 مليون دولار. كما أن فروعها متنوعة، من العربية إلى اللغات الأخرى ومن اللغات الاخرى إلى العربية. انتهت مراسم الاحتفال في الساعة ال8 تقريبا. بعد الاحتفال اقترح الدكتور يعقوب بأن نخرج مع أقرباءه في نزهه فأخبرته بأن أحد الأصدقاء اليمنيين المقيمين في الدوحة سيأتي إلى الفندق وسنخرج معا في نزهة. انتظرنا في البهو أنا والدكتور يعقوب حتى أتى أحمد شاني، أحد شباب مدينة ذمار المقيمين قطر منذ 2010، عرفته على الدكتور يعقوب، تناولنا العشاء في الفندق ثم خرجت أنا وأحمد شاني إلى (كتارا) وهي قرية ثقافية بها المسارح والمعارض والمتاحف والمطاعم وهي من أهم الأماكن السياحية في الدوحة. ذهبنا إلى مطعم (سكر باشا) وهو أحد أهم وأرقى المطاعم في قطر بأكملها، حجز لنا طاولة وطلب لنا شيشة. فوجئت بشاب أنيق قدم ليسلم علينا وهو صديق مقرب جدا لأحمد، عرفني عليه، هذا عبد الرحمن القاسم مدير المطعم. المطعم الفخم جدا، مديره شاب يمني، ناجح جدا في عمله، مطعمه من أهم المطاعم في قطر، ومن أشهرها، بعد يومين من لقاءنا زرنا المطعم وعرفنا أن الشيخ تميم في المطعم في أحد أجنحته. بعدها أيضا بأيام عرفنا أن نادي باريس سان جرمان في المطعم وطبعا نيمار كان حاضرا. المهم أن المطعم هذا بقيادة هذا الشاب اليمني من أنجح المطاعم في الخليج. مقابلة شاب كعبد الرحمن تجعلك تشعر بالفخر بالشباب اليمني مثله. استمرت الجلسة حتى الساعة ال12 مساء عدت إلى الفندق، ونمت. صحوت اليوم الثالث في الفندق، كان الجمعة، جهزت حقيبتي ونزلت إلى المطعم، فطرت أنا والدكتور يعقوب وجلسنا نُنَقل حديثنا في مواضيع شتى، ثم صعدت لتجهيز حقيبتي ونزلت وكان الدكتور يعقوب قد غادر لأن السيارة المتجهة للمطار أتت فجأة ولم يكن هناك وقت للوداع. الدكتور يعقوب كان أجمل ما حصل لي في المؤتمر، صديق رائع ورغم أن صداقتنا تمتد لأشهر في التويتر، ولم ألقته وجها لوجه مسبقا، إلا أني شعرت بأنه صديق قديم، كانت المواضيع لا تنتهي بيننا، كلها مواضيع مشتركة، همومنا كانت واحدة، ضحكنا كثيراً في كل الأوقات في الثلاثة الأيام. مثقف ثقافة عالية العديد من المجالات، فما أن ينفتح موضوع إلا وجدته غزير المعلومات جميل الطرح. عرفني إلى أصدقائه من كلية الآداب في جامعة الكويت، كما عرفني على الدكتورة ضياء بورسلي وهي دكتورة مثقفة بثقافة عالية ومتابعة جد للتظاهرات العلمية، وفي نقاشاتنا أثناء أحاديثنا كان يظهر عليها أنها واسعة الإطلاع. سجل لي الدكتور يعقوب بعد أن وصل إلى الكويت رسالة صوتية بها الكثير من الحزن لأنه غادر دون وداع. ورغم أني أيضا حزنت لعدم وداعه، إلا أنه ربما كان أفضل لأن الوداع عموما موجع. نزلت إلى البهو بحقائبي وبعد دقائق وصل أحمد شاني واصطحبني إلى الفندق الذي حجز لي هو فيه.

 

7- الدوحة

وصلنا الفندق وضعنا الحقائب وذهبنا لصلاة الجمعة ثم ذهبنا إلى مطعم، تناولنا الغداء. وبعدها بدأنا جولة. زرنا أماكن كثيرة في الأيام اللاحقة. سوق واقف، كتارا، العديد من المولات الضخمة جدا، ذهبنا إلى السينما، اللؤلؤة، الدفنة، مدينة الكويرة. كل يوم كنا نذهب إلى مطعم من ثقافة مختلفة لتجربة اطباق من كل ثقافة. مطعم تركي، افغاني، مصري، سوري، مغربي، وطبعا ترددنا على مطاعم يمنية هناك. كان أحمد شبه متفرغ لي مع سيارته يذهب الصباح إلى عمله وفي الثالثة يأتي لنخرج ولا نعود إلا في العاشرة أو الحادية عشرة مساء. أحمد شاب ناجح جدا في عمله، فخلال سنتين فقط أصبح مديرا لأحد فروع محلات عبد الصمد القرشي للعطور في الدوحة. ورغم صغر سنه إلا أن علاقاته واسعة وتعامله مع موظفيه أو زملاءه في شركة القرشي راق جدا وأسلوبه أخاذ في كسب قلوب الناس. ولكن رغم كل هذا إلا أن روح النكتة الذمارية لم تفارقه، فهو قد نشأ في حارات ذمار التي تتشبع بجمال الطرفة وسرعة البديهة في الرد. عرفني على العديد من أصدقائه الرائعين السوريين والمصريين وكلهم يعزونه جداً ويقدرونه، وطبعا عرفني على يمنيين هناك في شركة القرشي مثل محمد صالح، صاحب الروح النقية، والمصداقية في التعامل، والذي أكد لي الأصدقاء السوريين بأنه (أي محمد صالح) شخصية يخجل منها ويقدرها كل موظفي شركة القرشي من كل الجنسيات. صادف وجودي في الدوحة أيام العيد الوطني. لذلك كانت السيارات كلها تحمل صور للشيخ تميم وتحته العبارة الشهيرة (أبشروا بالعز)، وهي جملة قالها الشيخ تميم للشعب القطري بعد أيام من بدء حصار قطر من قبل دول الجوار. وبعدها جاء العز للشعب فعلا فلم يشعروا بأن هناك حصاراً جويا وبريا مفروض على دولة قطر. يحب الشعب القطري الشيخ تميم حب صادق، وهو أمير بسيط يزور المولات من وقت لآخر، يذهب إلى المطاعم والاستراحات في الدوحة (كما ذهب إلى استراحة سكر باشا التي يديرها عبد الرحمن اليمني). لذلك حينما يعلقون صوره في السيارات أو يشترون غلافات للتلفونات منحوتة عليها صوره فهو أمر نابع عن حب حقيقي لأميرهم. ليس فقط مواطنو قطر هم من يحبون الأمير، بل والمقيمين، لأن الأمير في كل خطاباته يتوجه بخطابه إلى (المواطنين والمقيمين). وهم يعيشون حياة كريمة متساوية مع المواطن القطري في الحقوق والواجبات، والمستشفيات مفتوحة وشبة مجانية للجميع. يوم الاحتفال 18 ديسمبر كان الاثنين وكان احتفالا رائعا جدا. تنوعت فيه العروض الجوية بمختلف الطائرات والقفز المظلي وأيضا العروض العسكرية بمختلف الأسلحة، حضرته مع أحمد كما حضره مئات الآلاف في كورنيش الدوحة. المناخ في الدوحة في فصل الشتاء هو الأفضل طوال العام، أكد لي احمد والأصدقاء بأن المناخ لا يطاق في الصيف لشدة الحرارة وأيضا لشدة الرطوبة. لذلك تعود سكان قطر على الوجود إما في المولات أو في سياراتهم. المولات تعتبر هي المكان الأنسب للعائلة القطرية. مكان واحد يستطيع الأب أن يجلس في مقهى فيه، والأولاد يستطيعون دخول حديقة الألعاب الصغيرة الملحقة بكل مول، والأم تتسوق بأريحية. وبعد أن ينتهوا يذهبون إلى مطعم في المول. قضيت في الدوحة حوالي أسبوعين، 3 ايام في المؤتمر والبقية في الدوحة. انتهت الأيام وأتى أحمد ليقلني إلى المطار، سأشتاق في الدوحة لأحمد، هذا الشاب الذي مهما تحدثت عنه فإني لن أوفيه حقه، فقد أكرمني جدا طوال فترة إقامتي، ويصعب عليّ مستقبلا أن أرد جميله، وسأراه إن شاء الله قريبا في اليمن حينما يعود بعد أشهر. وصلت المطار ودعني أحمد وحملني الكثير من الهدايا والكثير من الحب والمشاعر. دخلت صالة المغادرة، ووصلت إلى الموظفة الفلبينية لشركة القطرية فأخبرتني بضرورة وجود فيزة للسودان، أكدت عليها بأن اليمنيين لا يحتاجون إلى فيزة (قبلها بأيام عرفت من مواقع التواصل أن السودان فرضت تأشيرة على اليمنيين العائدين من دول أخرى إلى السودان، ولم تفرض على اليمنيين المتوجهين من اليمن إلى السودان، ولذلك ذهبت قبل مغادرتي الدوحة إلى السفارة السودانية هناك للاستفسار عن الفيزة فقال لي موظف القنصلية بأنه لا يوجد فيزة لليمنيين) أخبرت الموظفة بذلك، جاء مديرها الأسيوي إليّ وأكد لي بأنه يتوجب عليا الحصول على فيزة، بدأ النقاش يصعد بيننا وأنا مصر أنه لا يوجد فيزة وبأني ذهبت إلى السفارة قبل يومين وأكدوا لي بأني لا أحتاج لفيزة. طلب مني المدير الانتظار، جاء بعد دقائق وقال بأنه مصرح لي السفر. أعطتني التذكرة ودخلت أشرت الجواز، وانتظرت للرحلة وسافرنا من الساعة التاسعة صباحا.

 

8- الخرطوم مرة أخرى

وصلت الخرطوم الساعة الثانية والنصف ظهرا، الفارق بين استقبالنا ونحن قادمين من اليمن بالمبيد الحشري وبالأدوية، والآن ونحن قادمين من الدوحة بالابتسامات والترحيب والتقدير هو الفارق بين أن تكون من دولة لها احترامها وبين أن تكون من دولة أصابتها لعنة السياسيين، بين أن يصبح جواز سفرك بطاقة كرامة لك، وبين أن يكون جواز سفرك لعنة تصيبك وبصقة على وجهك. خرجت من المطار وأخذت باص صغير (أمجاد) تكلفته حوالي 100 جنية سوداني، ما يعادل 2000 ريال يمني، وتوجهت إلى عمارة اليمنيين، استقبلني العزيز هشام أسفل العمارة، وبقيت في العمارة ولم أخرج منها لأني كنت مرهق من السفر، ولأن رحلتي في الغد الساعة السابعة صباحا، وسأكون مضطر لأن أكون في المطار في الخامسة وطبعا اصحوا قبلها بساعة في الرابعة. فآثرت الراحة والاستعداد لرحلة الغد. طبعا اشترى لي هشام التذكرة على متن السعيدة حينما كنت في الدوحة وحين وصلت أعطيته قيمتها وشكرته، يشاطر هشام الغرفة الصديق جمال الظلماني، وهو يحضر الدكتوراه على حسابه مثل هشام ومثل الكثير من الشباب اليمني الذين رغم الحرب إلا أن طموحهم قادهم إلى الدراسات العليا خارج اليمن، التقيت في السكن بالأصدقاء محمد مقبل عامر وعلي الحسني وقضينا وقتا طويلا. كان لدي ما يؤرقني وهو كيفية الذهاب إلى المطار الرابعة فجرا. أخبرني محمد مقبل بأن لديه رقم تلفون سائق باص أمجاد يقوم بتوصيل الطلاب إلى المطار متى ما اتصلوا به. اتصل به وجاء بعد نصف ساعة إلى أسفل العمارة، كلمناه عن الموعد بأنه الرابعة فجرا، فأخبرني بأن أتصل به في الثالثة والنصف لإيقاظه، واتفقنا على السعر. قضيت بقية الوقت مع الأصدقاء ونمت في وقت مبكر. صحوت في الثالثة والنصف واتصل هشام بالسائق، وجاء في موعده، وتحركنا المطار. تحركت الرحلة في السابعة وكان المسافرين فيها قليلون جدا. تقريبا ثلثي الطائرة كانت خالية. وصلنا سيئون الساعة الحادية عشرة والنصف.

 

9- سيئون مرة أخرى

في سيئون كان بانتظاري صديقي سائق التاكسي شعيب، أخذني إلى المطار وهناك ارتحت ونمت حتى الرابعة وخرجت بعدها للتجول في سيئون جوار السوق وقصر الكثيري. ذهبت أيضاً إلى مكتب (الأولى) لأحجز رحلة على متن رحلتهم. سألت عن الرحلة أكدوا لي أنها في السادسة صباحا. دفعت قيمتها. تعشيت في السوق وعدت بعد المغرب وتوجهت للنوم مباشرة، فالرحلات السابقة من الدوحة للخرطوم، ومن الخرطوم لسيئون كانت في وقت مبكر وجسمي منهك جدا من السهر والصحو في وقت مبكر جدا. نمت، وتفاجأت الساعة التاسعة والنصف بشخص يطرق الغرفة، كنت في نوم عميق، صحوت لأعرف أنه أخطا في الغرفة وان موظف الاستقبال تحت أعطاه رقم غرفتي بالخطأ. انصرف. ولكني لم أعد قادرا على النوم. كان جسمي مرهق ولكن (عاصي والديه) طير لي النوم. بالكاد نمت الساعة الثانية صباحاً، وصحوت في الخامسة، واتصلت بالسائق، كلها نصف ساعة وهو أمام الفندق. خرجت من الفندق وتوجهنا لمكتب الأولى، وحين وصلت أخبرني الموظف ببرود بأن الرحلة هي الساعة السابعة وليست السادسة. بعد شد وجذب خرجت من المكتب وذهبت أنا والسائق فطرنا وقضينا حوالي ساعة، وحين وصلت مكتب الأولى أخبرني الموظف بأنه حصل خطأ وبأن الرحلة ستتحرك الساعة الثامنة والنصف. (تصايحنا شويه) وأخبرته أني مرهق من سفر طويل وبأني لن استطيع الاستمرار أكثر وضروري أنام. اقترح عليّ بأن يأخذني إلى الباص ويفتحه لي كي أنام. كان هو الحل الأفضل، اخذني بسيارته إلى موقف الباص وفتح لي الباب وصعدت وتوجهت إلى المقعد الأخير ونمت. صحوت مع تشغيل الباص لأشاهد الساعة واجدها التاسعة. ظننت بأننا سنتحرك مباشرة، ولكني عرفت بأنه يتوجه إلى المطار، هناك رحلة قادمة من القاهرة وسيبحث عن مسافرين ليسافروا على متن الرحلة. لم يكن في الباص سواي أنا واحد الأشخاص والسائقان. وصلنا إلى باب المطار وهناك كان موظف المطار يستقبل المسافرين ويصيح (صنعاء يا طيب، صنعاء يا طيب). المهم أن شركة الأولى تحولت من شركة نقل محترمة إلى (باص الدائري). جاء مسافران آخران، تحرك الباص الساعة العاشرة والنصف تقريبا، كنت مرهقا، كان الباص خالياً. اربعة مسافرين فقط عليه.

 

10- سيئون ذمار

حاولت النوم فوق الباص ولكن الطريق المكسرة من سيئون إلى العبر جلت النوم مستحيل.بالإضافة إلى النقاط الأمنية التي كانوا يفتشون الباص ويسألوننا عن وجهتنا ومن أين أتينا. وصلنا إلى العبر الساعة الواحدة ظهراً. توقف الباص جوار مطعم، نزلنا كانت الأسعار غالية جدا، والأكل سيء. تغدينا، ثم تحرك الباص الساعة الثانية والنصف ظهرا. وصلنا إلى مفرق مأرب الساعة الخامسة مساء، وهناك أنظم العديد من المسافرين إلينا. واصلنا السفر. وصلنا ذمار في فجر الثلاثاء. دخلت غرفتي ونمت ولم أصح إلا في العصر.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24