السبت 15 ديسمبر 2018 آخر تحديث: السبت 15 ديسمبر 2018
حوار مع الكاتبة اليمنية انتصار السري - حاورها من باريس حميد عقبي
الساعة 14:07 (الرأي برس - أدب وثقافة)

 

 

 

في ظل هذا الواقع اليمني المرعب وقسوة الحياة نجد أشباح الجوع والمرض والموت والدمار بكل شبرٍ من أرض اليمن، بلد الحكمة والإيمان، بلد الشعر والغناء، بلد الأهازيج والفن والأدب تغيرت الأحوال وأصبح أي منتج إبداعي تحاصره مئات العوائق وأصبح المبدع خائفا من أن يُفهم منتجه أو يُفسر بشكلٍ قد يقوده إلى محاكم التفتيش المنتشره بشمال وجنوب اليمن، فلكل ميلشيا وطرف من أطراف الصراع قانونه الخاص وسجونه الخاصة، القليل من كتابنا وكاتباتنا في الداخل لديهم الشجاعة على النشر أو الرد على حوار صحفي.
 

ضيفتنا القاصة اليمنية  انتصار السري لديها الشجاعة للحديث عن بعض هذا الواقع المؤلم وما يقاسيه الإبداع في زمن حرب فاحت كراهيتها لتخنق أي صوت حر، الألم والمعاناة هو الغذاء اليومي لشعبنا اليمني من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، رغم كل هذا هنالك شموعاً منيرة ودافئة تنشد أهازيج الحب والسلام.
 

انتصار السري، قاصة يمنية نشرت أربع مجموعات قصصية ("الرقص على سيمفونية الألـم" 2010، و"المحرقة" التي فازت بجائزة الشاعر عبدالعزيز المقالح للقصة القصيرة عام 2013، "لحرب واحدة" صدرت في 2016 وأخيراً مجموعتها  "صلاة في حضن الماء")، انتصار بنت بيئتها، تعايش ما يحدث وما يدور في محيطها وترصده لنا وهي شعر تتوجس من القادم كغيرها في ظل عدم وجود أي مساحة من الحرية لكنها لم تهرب وتتمنى عودة الوطن والأحلام المسروقة.
نترككم مع هذا الحوار ونتمنى أن أن يعود السلام والأمان ليمننا الحبيب وتعود حريته المنهوبة.

 

* ما الذي يغريك في الكتابة؟
الكتابة عالم من السحر أتنفس عبر سطورها.. ابثها شجوني وآهاتي .. هي من تنصت إلي دون ملل أو ضيق من طول حديثي وهمسي لها.. هي حياة اعيشها كل يوم فتسحبني إليها أكثر وأكثر.. وكلما قرأت أكثر كلما تزودت بمفردات تضيف إلى قاموسي المعرفي والثقافي والفكري الكثير.. أنها ماهرة وتجيد فن الاغراء بمهارة.

 

* مع الحروب التي تعصف بيمننا يزداد العنف ضد المرأة في المجتمع ..ما الذي يمكن رصده من ظواهر عنيفة وما الدعم الذي من الممكن تقديمه منك وغيرك من المثقفات ؟
مع الحرب وغياب القانون في دولة صار قانون الذئاب هو من يطبق على ناس وناس فقط.
آخر خبر وكان فاجعة لنا هو حادثة ذبح فتاة قتلت على يد شقيقها في قاعة الحكمة وأمام القاضي أي في منبر العدالة الضائعة.. وكل ذنبها أنها اردت أن تكون بيت لها.. وتعيش في ظل رجل .. كانت ضحية أب مستبد يرفض كل من تقدم لها مع أنها سبق وتزوجت من قبل وصار عمرها في منتصف الثلاثين.. ولذلك قدمت طلب إلى المحكمة لكي تنتقل عصمتها إلى القاضي فتتزوج.. وقبل أن ينطق القاضي يذبحها شقيقها الذي كان جالس خلفها في قاعة المحكمة بسكين كانت في حزام جنبيته.. ليرتكب جريمتان بحق شقيقته أولها منعها من الزواج.. وثانيها سلبها الحياة منها فهي في كلتا الجريمتان مقتولة.. وهذا كله في غياب القانون بل غياب الدولة.
الأديبة في هذه الحالة أقل ما تعمله هو التنديد والمطالبة بأنزال اشد العقوبات على ذلك القاتل.. لكن هل هناك من ينصت إلى قلمها.. بل الخوف أن تنجر هي إلى المحاكمة وتلفيق التهم أو تغييبها في سجون من لا يرحم.

 

* صنعاء كانت مدينة التنوع الثقافي ..ليتك تصفين لنا المشهد الثقافي اليوم والصعوبات التي تواجه الفعل الإبداعي؟
صنعاء شهدت في فترة السبعينات والثمانينات نشاط وتنوع ثقافي كبير.. أيضا في نهاية التسعينات.. كان يدعمها نشاط اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.. وصدور عدد كبير من المجلات والصحف الثقافية مثل الحكمة والكلمة واليمن الجديد والثقافة الجديدة.. والجمهورية الثقافية.. وغيمان والإكليل هذا بالإضافة إلى الملحق الثقافي الذي كان يصدر مع الصحف الحكومية مثل الثورة والجمهورية و14أكتوبر والتي اهتمت بنشر إبداعات الكتّاب اليمنيين ومدهم بكل ما هو جديد.. أيضا كان يصل إلى صنعاء كل جديد من الإصدارات العربية من صحف ومجلات أدبية نقلت إليهم تجارب مبدعين عرب وعالميين.. بالإضافة إلى معرض الكتاب السنوي الذي كان يقام في صنعاء ويمد القراء بكل جديد من إصدارات دور النشر.
كذلك اقامة العديد من الأنشطة والفعاليات الأدبية من شعر وقصة ونقد ومسرح ومعارض فنون تشكيلية وانفتاحها على مبدعين عرب وعالميين من خلال المهرجانات التي كانت تقام في صنعاء مثل مهرجان القصة.. و المسرح والشعر العالمي والفنون التشكيلية.
كل هذا اوجد مبدعين أصقلت أقلامهم وكانت لهم بصماتهم أنهم جيل محظوظون بالفعل. 
عندما نتحدث عن صنعاء الآن في زمن الحرب والحصار وغياب الصحف والمجلات الثقافية اليمنية والعربية وغياب معرض صنعاء للكتاب.. وتقيد حريتهم الفكرية وحبس آرائهم في مخيلتهم دون سكبها على الورق، وصعوبة مشاركاتهم في مهرجانات خارج اليمن بسبب أغلاق مطار صنعاء، وتشديد السفر على اليمنيين وارتفاع أسعار التذاكر.. وكذلك تفكيرهم بلقمة العيش التي صارت صعبة في وطن منهوب خيارته، والمواطن هو من يدفع الثمن وكون الأديب هو واحد من ابناء الوطن.. فنجد أن هناك كتّاب يلجؤون إلى بيع كتبهم الغالية والعزيزة على أنفسهم هذا هو حال المبدع في اليمن اليوم.
وبالنسبة للنشاط الثقافي فهو قليل.. لكنه يعد مثل شمعة تنير ظلام ليلهم الذي لا نهاية له.. فنجد نادي القصة بصنعاء مستمر بنشاطه الأسبوعي.. وكذلك مؤسسة بيسمنت الثقافية ونادي القراءة في الحديدة ونشاطه المتميز، ومنتدى الحداثة والتنوير. 
اولئك هم من يرسمون نافذة أمل للمبدع اليمني وجميعها دون دعم حكومي .. وفي المقابل نجد ركود اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين، ووزارة الثقافة برغم ميزانيتها التي تنصب في أشياء بعيدة عن الثقافة ودعم المثقف اليمني الذي يصدر إبداعه خارج الوطن بمجهوده وعلى حسابه الشخصي،  وجميعنا نشعر بالخوف من جرنا إلى المحاكم وتلفيق التهم أو تغييبنا في سجون من لا يرحم.  

 

 

* الكثير من الشاعرات والقاصات العربيات اتجهن لمغامرات روائية...كيف تنظرين لهكذا تحولات؟ وهل لديك تفكير لمغامرة خارج القصة؟
عندما تقرأ أغلب نتاج تلك المغامرات تجدها ضعيفة.. أو أنها لم تكتمل كرواية لتكون اضافة للمشهد الثقافي اليمني أو العربي.. انتصار السري لديها مشروع رواية لكنه لم يحن الوقت إلى نسجه وخروجه إلى النور بعد.. فكتابة الرواية ليست مغامرة بل هي فن سردي يحتاج إلى نضج للفكرة والتمكن من حياكة ونسج عمل روائي يكون اضافة وبصمة للكاتب ويستحق أن يقال عنه عمل روائي بحق.. وليس لكي يكتب قبل اسم الكاتب روائي أو روايتة. 
 

 

* هل من أسماء وتجارب أدبية لها تأثيرات معينة على تجربتك؟
الاسماء كثيرة لكن وجدت نفسي اكثر في كتابات كفاكا وزكريا تامر ووجدي الأهدل وغيرهم الكثير..
 

 

* البعض يطرح أن الشاعرة أو القاصة أكثر حظا لتجد الدعم والجوائز وربما الشهرة سريعا خصوصا لو كانت جميلة واجتماعية.. ما ردك على هذا الطرح؟
ذلك عندما يكون النقد ليس عن إبداعها واعمالها الأدبية بل يكون لشكلها.. فالبعض ينظر من نافذة ضيقة.. فيجب مقياس النقد للعمل وليس للكاتب أو الكاتبة.. وهنا يكون ذلك النقد قد ظلمها ولم يقدم لها التوجيه والنصح وبعد فترة تتلاشى تلك الشهرة مثل البالون الفارغ. 

 

* ما هي الهموم والقضايا التي تحوم حولها قصصك؟
هي لا تنصب في شيء واحد.. تتناول عدد من القضايا.. وعندما تخرج إلى النور تكون ملك للقارئ وهو من يحكم عليها.

 

* ما مدى متابعتك للمشهد الأدبي النسوي العربي؟
بحكم تواجدي في موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك الذي صار المنفذ الوحيد للتواصل مع مبدعي ومبدعات عرب فأنا اقرأ كل جديد لهم.. ومن خلاله نتابع أخبارهم وجديدهم، قد أقول أني في تواصل ومتابعة جيدة.

 

* لمن تكتب انتصار؟
تكتب لـ انتصار للإنسانية للوطن.
 

* حدثينا عن انتصار المرأة؟ 
هي واحدة من بنات هذا الوطن الجريح وما يحدث له ينعكس عليها.. فهي تتألم من ألمه.. وتفرح لفرحه.. أنها الإنسانة قبل أن تكون أديبة. 


* ما جديدك؟
كتاب أقوم بإعداده وبإذن الله يرى النور قريبا.

 

* اختفت بعض الأسماء القصصية اليمنية أو قل انتاجها...ما الأسباب برأيك؟ من هي الأسماء التي ما تزال حاضرة؟
قد يكون ذلك الاختفاء مؤقتا بسبب هموم الحياة في الوطن مع الحرب.. وتحمل مسئولية جديدة لبعض الكاتبات وخاصة من تزوجت.. وهناك اسماء كثيرة لمبدعين ومبدعات حاضرة وأعمالهم الأدبية ترى النور رغم الحرب.. اعذرني لن اقدر اسرد تلك الاسماء خوفا من أن انسى اسم فأعاتب على ذلك. 

 

* مع الحرب وصعوبة السفر قلت المشاركات اليمنية في المشاركات الخارجية...كيف يمكن تعويض هذا النقص؟
يمكن تعويض ذلك من خلال تواصلهم مع كل جديد من إصدارات المبدعين العرب حتى وأن كانت إلكترونية، وكذلك بنشر إبداعاتهم ووصلوها إلى المتلقي العربي واليمني داخل وخارج اليمن، وهذا ما يحدث حاليا مع بداية الحرب، فنجد أن عدد كبير من الأدباء اليمنيين يسعون إلى طباعة كتبهم ونشرها خارج اليمن.

 

* كشفت الحرب حقيقة بعض الكتاب الذين انحازوا لأطراف الصراع وأصبحت كتابات البعض مديح وتطبيل أو تنمية الكراهية.. ما الرسالة التي توجهينها لهؤلاء؟
اولئك أشخاص نشفق عليهم.. وأقول أن ما يخطونه يزول بزوال المؤثر عليه ولمن كتبت له.. فعمره قصير ولا نسميه إبداع بل أن هو مثل الهباء المنثور.

 

* كلمة أو رسالة إلى نساء العالم من امرأة يمنية؟
أقول أن اليمن ليست بلدا تنتج الحروب والقتال.. بل هي زاخرة وولادة بالمبدعين والمبدعات في جميع الفنون والمجالات التي كان للمرأة اليمنية بصمتها فيها.. أتمنى أن تقروا لتلك المبدعات اليمنيات ومناصرتهن في ارسال أصواتهن وتوصيل قضاياهن إلى العالم.

 

نماذج للكاتبة 

الممر

تمهلتْ خطواتي، تعثرتُ بذيل فستاني، ساقيَّ تخوران، تعجزانْ عن التقدم على لسان ذلك الممر الذي لا ينتهي، مئات العيون تحملق فيَّ، منها من تحدق بفرحٍ، وأخرى بحسد، بعضهن يلعنَّ حظهن، وأخريات يحلمن بالوقوف مكاني. 
من على الممر أنثر ابتسامتي، عيناي تطوفان وتجولان دون أن تريا أحداً، مع أهازيج الزفة تراقصتْ دمعاتي، ومع كل زغرودة كابدتُ غصة.
بجوار الكوشة تجمعتْ عذراوات عائلتي، يلوحن بأيديهن، يحطن بي، يرقصن حولي. 
يآ الله كلها ساعات وينتهى الفرح، وتتحول نظراتهن إلى شفقةٍ، وتشفٍ، لن تشفع عذرية قلبي، لا قيمة لتلك الشهادة المختومة. 
فكما أن الشمس لن تتوقف عن شروقها، والأرض لن تكفَّ عن دورانها، فلن يكونَ هناك ملاية بيضاء ملطخة بـ...

 

حالة 
دلفت بلهفة إلى محل بيع ألعاب الأطفال، وشرعت في اختيار العديد من اللعب.. كانت رغبتها شديدة في أن تشتري اللعب كلها.. عند دفع الحساب، تذكَّرت أنها عاقر!..

 

مسبــحة
بداخل الحافلة.. لمحتها عيناه، لحيته تتدلى، مخضَّبة بالحناء، نظراته تسيل باتجاه كعبها، يده تلعب مستغفرة بحبات المسبحة، بغتة سقطت المسبحة، تدحرجت نحو قدميها، أسرعت يده تلتقطها، كفه تفتش عن المسبحة، تمسك بساقهــا، تصعد إلى أعلى وأعلى، و...، و...

 

وليمة
قبعت الدجاجة بداخل الطبق تختلس النظر نحو عاشقين في زاوية المطعم  الخالي إلا منهما، حبات الأرز تتراقص على أنغام حركة الملاعق تشاركهما سعادتهما.
 يرتدي قميصاً أبيض وبنطالا أسود، يداه تحتضن أناملها بحنانٍ كعصفورة يخشى أن تطير، يهتم بحلق دقنه كعريس ليلة زفافه، يبتسم لها من حين إلى الآخر،  أزرار قميصه تظهر شعر صدره .
 فستانها بلون السماء، يزيد من لمعان عينيها اللوزيتين شعرها الأسود ينسدل على ظهرها من وقت إلى آخر أصابع يديها الصغيرتين ترفع خصلة شعر يسقطها الهواء فتحجب شعاع عينيها. 
الدجاجة تلعن حظها الذي آلت إليه فما هي الآن سوى  مشوية على فحم، تنظر بحقد نحوهما تتذكر ديكها وبيضها التي نزعت من بين أحضانها.
يقطع قطعة من ورك الدجاجة يمد بها إلى فم محبوبته، تبتسم له، تفتح فمها، ليشرق بأسنان للؤلؤية، تخفق عيناها .. تنظر إلى قعر الطبق وبخجلٍ تمضغها. 
القمر يسترق نظراته عبر النافذة المطلة على باحة المطعم،  يرقبهما من عليائه، يغبط سعادتهما، تأكله الغيرة لأنه خلق وحيداً، يراقب البشر بحسرة، يمدهم بنوره.
ينهض من مقعده يجلس بجوارها أنامله تداعب وجنتيها، يضمها إلى صدره، تبتعد عنه،  فيزيد جنونه، يحتضنها، يلثم وجنتيها .. يرتشف شهد فمها، يضع رأسه فوق صدرها، أذنه تسمع نبضها المضطرب.
المقاعد يصطك خشبها لحظة خشوع العاشقين تبتهل إلى خالقها تتذكر الشجرة المورقة التي كانت.
جدران المطعم تغمض عينيها، قطط تتجمع ويعلو صوت موائها تلتهم بقايا عظام دجاجة متفحمة.

منقولة من الصدى نت...

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24