الثلاثاء 18 يونيو 2019 آخر تحديث: الثلاثاء 18 يونيو 2019
كتاب "ملامتية " جديد الأديب اليمني علوان الجيلاني
الساعة 18:51 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

ملامتية والهم الذي على القلب 
تحت هذا العنوان يبدا الشاعر والناقد علوان الجيلاني كتابه الجديد (ملامتية ) حيث يقول :
الهم الذي على القلب

المشتغلون بالثقافة والكتابة والإبداع في اليمن قد يكونون الأكثر معاناة بين أمثالهم في كل بلاد العالم.. حتى على مستوى الرموز الأدبية والثقافية الكبرى..
والذين نالوا وضعاً مستقراً نوعاً مّا لم ينالوه إلاّ وقد ذهب العمر ولم تعد لهم قدرة على الإنتفاع به..
لقد ذهبت إلى منزل الشاعر والأديب الكبير عبدالله البردوني صبيحة فوزه بجائزة العويس..سنة 1993م وجاء الأيب والإعلامي المعروف محمود الحاج ومعه طاقم من التلفزيون يحمل الكاميرات ويجهِّز للقاء معه بهذه المناسبة..وقبل إجراء الحوار قال محمود الحاج يداعب البردوني: نمسك

الخشب يا أستاذ عبد الله فقد صرت – ما شاء الله - برجوازياً..
تبسَّم البردوني وكشف عن ساقيه اللذين هالنا امتلاءهما بندوب داكنة تشرح تاريخاً طويلاً وقاسياً من الجروح والإصابات..ثم قال: هذه آثار مغامراتي التي كنت أقوم بها إلى المقاشم في ليالي الشباب كي أسكت جوع بطني بشيء من الفجل أو الكراث.. وكانت المقاشم محاطة بحواجز من الخشب والحجارة وأنا أعمي أصطدم بحاجز، وأتعثر بحجر أو أقع في حفرة..ولا أعود إلا وقد خضَّب الدم ساقي وقدمي.. الجائزة تجيء اليوم وقد ذهب الشباب وتقدم العمر واشتدت وطأت الضغط والسكر وانهد الحيل.. وصرت محروماً من المآكل والمشارب اللذيذة..أما اللذائذ الأخرى فلم تعد واردة...إن هذه الجائزة تبدو

بادرة مشكورة كونها تشعرنا بالتقدير والاحترام لما أنجزناه وتعبنا من أجله وأخلصنا له.. 
وسكت البردوني قليلاً قبل أن يطفر على شفتيه حس السخرية ليقول: لكن الجوائز في الغالب تجيء متأخرة..خاصة إذا كانت تحمل إلى جانب قيمتها المعنوية الكبيرة قيمة مادية كبيرة أيضاً كهذه الجائزة..لقد قال الأديب الإيرلندي الشهير برنارد شو حين علم عن فوزه بجائزة نوبل: لقد رموا لي القشة بعد أن وصلت إلى الشاطئ ولعل شو لم يكن يقصد أنه قد اشتهر شهرة واسعة وإن كان هذا صحيحاً..ولعله أيضاً لم يكن يقصد الاستغناء المادي مع أن ريع كتبه ومحاضراته في بلاد الغرب يوفرله هذا..ربما كان يقصد أنه قد وصل إلى مرحلة من العمر تنتهي فيها قدرة المرء على الاستمتاع بما يوفره المال من لذائذ العيش.. 

 

ولا مقارنة بين وضع عظيم يمني كالبردوني ووضع أديب آخر في بلاد العالم..وقد سئل كاتب أوروبي هو السويسري ماكس فريش: كيف حالك؟
فأجاب: أعمل ثلاثة أشهر في العام، وأسافر للسياحة بقية شهور العام..وأسكن هنا عند سفح الجبل على الشاطئ، على ارتفاع 180 متراً حيث يتوافر الأكسجين بشكل مناسب، ودرجة الحرارة معتدلة، وقوة الجاذبية تصلح لسني ووزني وتتيح لي الكتابة في وضع مميز ومريح..

 

إن اليمني كاتباً ومبدعا وفناناً ومثقفاً بشكل عام يمارس نشاطه في واقع أكثر بكثير من أن نصفه بالصعب تهميشاً وإبعاداً قسرياً عن الأضواء والتكريم والحفاوة.. حيث المؤسسة الرسمية هشة ومتقطعة الحضور وتفتقر إلى الخطط والاستراتيجيات المنظمة لعملها..وحيث المؤسسات الأهلية مرتهنة لمزاجية القائمين عليها.. ناهيك عن كون المؤسسات الرسمية والأهلية جميعها تمتثل في عملها غالباً لأمراض السياسة والتحيزات الحزبية والمناطقية وينعكس عليها ما تعاني منه مؤسسات الدولة الرئيسة من فساد وفوضى وتعوّد على الارتجال والاستسهال..
وذلك كله يضاف إلى الفقر وعدم استقرار البلاد والشعور بعدم الراحة وقلة الثقة في الحاضر والخوف من المستقبل وعليه..

 

واليمني المشتغل بالثقافة والابداع يكاد يكون الوحيد الذي ما يزال يحصل على الكتاب بصعوبة في عالم اليوم.. وهو يكتب للصحف والمجلات اليمنية بلا أمل في الحصول على حقوق لما أنتجه.. وإذا حصل على شيء فإن مكافأة كتابته لعشر مقالات لا تكفي مصروف يوم واحد له ولأسرته.. 
والكاتب اليمني إذا أنجز كتاباً يعجز في الغالب عن طباعته.. وإذا استطاع طباعته لا يستطيع الاستفادة مادياً منه.. فإذا وزعه للمكتبات وأكشاك بيع الكتب ضاع حقه فلا أحد يستطيع الحصول منهم على شيء، وإذا باعه للوزارات وغيرها من مؤسسات الدولة عرَّض نفسه لهوان التردد على تلك المؤسسات من أجل أن يحصل على قيمة ماباع، وقضى على نسخ كتابه بالسجن في مخازن وبدرومات لا يقرؤها فيها أحد.) 

 

حين ندلف إلى الكتاب سنجدنا أما أربعين شخصية انتقاها الكتب من المشهد الثافي اليمني ، للتوالى قصص حياتها وإبداعاتها نجاحاً وإخفاقاُ ومتاعب لا حد لها وحروبأ مع الواقع المر ، وللكاتب تجارب سابقة فقد الف كتابه (أصوات متجاورة) عن شعراء التسعينيات في اليمن ، وألف (قمر في الظل ) عن التجارب الثقافية لجيل الرواد في اليمن ، وألف كتاب مفاتيح الادراج عن الساردين ، وهذا الى جانب الشخصيات الشعبية التي خصص لها مؤلفات أخرى .ط
 

أما معنى عنوان الكتاب فيقول المؤلف في مقدمته (حين اخترت ال (ملامتية) اسماً لكتابي لم يكن يهمني من هذا الاسم (المصطلح) تلك التفاصيل الواسعة التي ترد عنهم في كتب التصوف وكتب الطبقات أوكتب التعاريف والمعاجم والموسوعات.. فما يهمني هنا جزئية الأنس بالخمول والسلامة من آفة الجاه..وهي جزئية ليس المقصود في اشتغالي هذا معناها الظاهر.. إنما المقصود معكوس معناها..المقصود وجهها الآخر.. وهو في حالة من تتموضعهم هذه التناولات..عيش طويل في الهامش.. ونضال غير عادي..وإبداع وأدب وفكر وآراء نيرة وجهود كبيرة تبذل بعيداً عن الأضواء والتقدير الواجب والشهرة المستحقة وما يترتب عليها من حقوق ومكاسب مادية ومعنوية..)
صدر كتاب ملامتية عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر بالقاهة ويقع في 452صفحة من القطع الكبير.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24