الاثنين 23 سبتمبر 2019 آخر تحديث: الاثنين 23 سبتمبر 2019
حوار:
القاص الجنوبي المبدع علي السباعي - حاوره أحمد فريد الأسدي
الساعة 13:50 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)
 
 
تكمنُ اللذةُ في حوارات المبدعين لحظة تقف عند نوافذِ عطائهم وإبداعهم، وذلك يشغلك كثيراً وأنت تبحر في صياغةِ مفاتيحِ الحوارِ ذاته، فأية لذةٍ تصادفك وأنت تحاور مبدعاً متألقاً كالقاص ( علي السباعي ) الذي رسم لمساراتِهِ الإبداعية خطوط المعنى والنقاء والعطاء الذي شغل وسيشغل النقاد هنا وهناك. . . ؟! والمرة هذه حواري مع أديب وقاص بارع وسارد ماهر من هنا، من جنوب العراق حيث ألقُ الحضارةِ وزهوُ الماضي وسموُّ التاريخ وأوجاع الإنسان المهمش . . المنسي . . المحارب، من وحيِّ مدينةٍ يُقالُ لها ساردة شاعرةٌ إلاّ وهي " الناصرية " انطلق القاص السومري ( علي السباعي ) ليترجمَ آهاته وأوجاعه الكتابية، فقد نسج من آثار تلك الآهات أنين المنسيين والمهمشين والصابرين على ما آلت إِليه أوجاعهم وفقرهم وحرمانهم وموتهم المجاني، ففي نسيجه الكتابي وأفقه السردي أستطاع هذا القاص المبدع ان ينحت أوجاعه في الرؤى والخيال والواقع والأسطورة والمرارة، وها هو مازال يفاجئنا بأثرٍ مهم من عطائه الإنساني في نوافذ كتاباته القصصية المتنوعة التي اعتمدت الرؤية الواضحة والمعاناة الحقيقية لآلام وأوجاع الآخرين التي ضيعتهم الحروب والخرابات والحصارات ليضعهم في قارعة التاريخ والمأساة والحقيقة، كان لنا معه هذا الحوار:
 
 
أكنت في مجموعتك القصصية ( زليخات يوسف ) تستقرىء  الأسفاف اللغوي وتتحصن ضده أم أن فيض المفردة لديك لا تحتمله اللغة وتغلب عليك صور وأشارات بكلمات متميزة في ادراك مبكر للهوة الأسلوبية ؟
لقد تحصنت ضد الأسفاف اللغوي وذلك لأني أعتبره تميزيقاً لمسار السرد القصصي الاذي أورده في المتن القصصي والذي يكون هيكل القصة ، كما أني لم اخرج على صياق اللغة ، فالنثر لا يحتمل ذلك ، ربما يحدث في الشعر ، أما في القصة فلغتها لغة التحديد والوصف وتمثيل الحدث بشكل واضح ، أما صوري القصصية وأشاراتي فأنها وردت لتقوية أواصر السرد والأتيان بما يعكس الحدث ويقوية من الناحية الأسلوبية .
أعتمدت في ( زليخات يوسف ) التكثيف والأمعان في الحدث وأحياناً التغريب اللفضي ، وتارةً أخرى تستغرق في الوصف ، أتتوجه بخاطبك لقاريء تخصه ؟ 
كل قصة تحتاج إلى تكثيف لغوي وأمعان في الحذف وذلك لأعطاء القاريء مجالاً في تخيل المحذوف من بنية السرد ، وأحياناً ألجأ إلى التغريب اللفضي لجعل الحدث القصصي غريباً ويبقى هذا الحدث ماثلاً في ذاكرة القاريء ، وأني لا أتوجه بخطابي القصصي إلى قاريء معين بل اتوجه إلى قاريء عام يستقرىء ما وراء السطور ويفهم الرموز التي أبثها في المتن القصصي .
خصوصيتك كمؤلف وشمولية الكاتب ، كيف تقرأ ذلك الآن في خارطة إنساننا العراقي المربكة ؟
أن خصوصية منتج النص تكمن في المواضيع الإنسانية التي يرتاد آفاقها . . وتبرز من خلال تأكيده على خصوصية بيئته الإجتماعية ، وتنبثق شموليته من البعد الإنساني الكامن لذلك الواقع الإنساني .أن وضع إنساننا العراقي الحالي مربك للغاية ، والأحاطة بهذا الوضع أدبياً من الصعوبة الشديدة بمكان ، لذلك فإن القص يحاذي ذلك الوضع في البداية ثم لا يلبث ان يخترقه يظهر أحشاءه الداخلية للمتلقي .
بساطة الغنسان العراقي ، سحريته ، سخريته ، عجزه ، أجدك قد حاورته بعفوفية في كتاباتك ، هل لهذه مغزى شخصي لديك ؟
في كل قصة من قصصي ، ستجد أني تناولت بسطاء الناس من مجتمعنا العراقي المظلوم ، وأضفت عليهم  ضرورات الفن القصصي ،  لهؤلاء العراقيين البسطاء سحر لا يقاوم ، آه ، وجدتهم يعيشون حالات مأساوية تدعوني للتعاطف معهم ، لقد حاورتهم بعفوفية عراقية خالصة كي أجعلهم ماثلين في ذاكرة كل العراقيين القراء ، ولهذه مغزى شخصي يكمن في الصفات الإنسانية الصادقة التي تملكها هذه .
سأجدك في كل قصصك تستعير من السينما قدرتها على تحريك الحداث في مكانين متباعدين وتكثيفها للزمن ، أكنت تستجيب للسينما كمدلول رؤيوي أم أنها ( أي السينما ) قوضت الذاكرة وسعيت مثلما تسعى هي لإخفاء النص الضمني ؟
تحديداً في مجموعتي ( زليخات يوسف ) و ( ماتيسر من صلاة الحرب ) أستعرت من السينما هذا الشكل القصصي ، لتداخل الفنون وأقتباس اسليب بعضها للبعض الآخر ، وذلك عند الضرورة القصصية ولم أكن أول من أستخدم هذا الأسلوب ، فقد أستخدمه جان بول سارتر في روايته ( الحزن العميق ) وهي الجزء الثالث من روايته ( دروب الحرية ) إذ وصف حدثين في مكانين مختلفين حدثاً في وقت واحد ، وأطلق سارتر على هذا الأسلوب ( المواقتة ) .
في مجموعتك القصصية البكر ( إيقاعات الزمن الراقص ) أجد أن الرؤية تأسرك في تشابكاتها الشكلية والمعنوية دون أن تغمط الرؤية كلية منجزك السردي ، هل هذا التكثيف هو قراءة متمعنة لما يسمى ما بعد السرد وما بعد القص ؟ 
الرؤيا في الفن القصصي هي كشف أولي للواقع المعاش ، يستشرفه الكاتب . . يحدق متمعناً في تشابكه المعقد وذلك في عمومياته ، وبعد أن تختمر الؤيا في ذهني يصبح الواقع الذي عشته شاشة واسعة مبثوثة فيها تضاريسه وغاباته وآفاقه الواسعة ، أتمعن فيه بمودة واخلاص وأختار مشاهد منه قد تأخذ طريقها إلى متوني الحكائية ، والتكثيف هو قراءة متمعنه للسرد ، وحذف الزائد وغير الضروري من هيكل النص كي أسلط أضوائي على ما تبرز الحالة الإنسانية التي اتناولها في النص القصصي ، أو الروائي .
في كل نصوصك العشر في ( زليخات يوسف ) ماعدا قصتك ( مريم   " البلقاء " ) فيها قراءات متعدد للنص هل حبل نجاة لرأي متخفي مثل علي السباعي ؟
عزيزي ، أن نصوصي القصصية حمالت أوجه وقابلة لتأويلات عديدة حسب وعي القاريء الثقافي ، وقراءاتي المتعددة لنصي القصصي تنتشله من هوة الغموض التي قد يقع فيها القاريء أثناء القراءة .
هناك تحول لغوي مستمر ، وتهشيم مقصود لحدود اللغة الأعتيادية فيه  ( زليخات يوسف ) ومحاولات واضحة لأخراج اللغة عن وتيرتها الواقعية ومهمتا كأداة إتصال إجتماعي ؟ ولماذا أكتفيت بهذه الأشارات والتلميحات ؟
نعم ! أن التحول اللغوي الذي تقصده هو لضرورة قصصية ، إذ أني نحت أسلوباً قصصياً يعتمد على الأساطير والحكايات الشعبية واللقطة السينمائية وكذلك هارموني اللون والإيقاع الصوتي ، وليست الغاية من هذا الأسلوب هو قطع الأتصال الإجتماعي بقدر ما هو تعميق للحدث القصصي بأسلوب يستفيد في سائر الفنون . أن لجوئي لهذا الأسلوب في الترميز هو دريئة لي وحماية لنفسي من بطش السلطة الغاشمة وعلى رأسها الدكتاتور صدام حسين ، فكان علي أن أوجد أسلوباً رمزياً يقيني من أذى السلطة إذ أن السرد الواقعي المباشر قد يفضحني ويوقعني في مأزق س يصعب الخروج منه .
ضمن نسيج خطابك السردي في ( زليخات يوسف ) أستخدمت الحكاية الشعبية وسخرتها لما ورائية الشخوص وتداخل الأزمنة كما تعاملت مع شخصية " البهلول " في قصتك " مومياء البهلول " على سبيل المثال ، علي السباعي هل لديك فهم خاص للتعامل مع الحكاية الشعبية داخل متنك القصصي ؟ 
نعم ، أستخدمت الحكاية الشعبية وسخرتها كي أعكس الشخوص القصصية من خلالها ، ولم يكن ذلك ترف مني بل ضرورة قصصية وتمايز بالأسلوب الذي سعيت إلى نحته منذ بداياتي الأدبية ، وقد أستخدمت شخصية البهلول ، لأستقرارها في الذاكرة الشعبية وتمثيله للذكاء والفطنة في التصرف وكان يمثل في قصتي " مومياء البهلول " صوت العقل في عالم الفوضى والجنون والظلم . . ونداء لإستعادة العدالة والإنسانية إلى عالم بلا أخلاق وبلا تقاليد .
 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24