الأحد 23 فبراير 2020 آخر تحديث: السبت 22 فبراير 2020
منزلة أهل الله (1-2) - علوان الجيلاني ‏
الساعة 13:21 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)



المنزلة غاصة بالناس ، بدأ المقيل ، وثمة سحابة سوداء كبيرة تسكب مثالبها على جبال ملحان ، ينظر جدي إلى السحابة بغصة ، يريد أن يمد يديه فيسحبها من علوها فوق المداير والخيس وشاهر لتسكب غيثها على زروعه التي تكاد تحترق جحراً(عطشاً) في العلوانية وزهب هندية والعريجية والشابيط والطبعية والشعبين والجروبة والبانية وقوق الوادي والحوية وغيرها من زاهيبه الكثيرة ،. بين لحظة وأخرى يقول لأخيه ( جدي علي): قم خايل
يقف جدي علي على باب المنزلة ، ويتأمل السحابة السوداء المترعة بالغيث ويقول : المطر على ملحان ، ثم يدخل وهو يخاطب جدي : امليلة سابرة لا في إبراك تملي الدنيا (إذا وضع الله البركة فيها سيسقط علينا مطر غزير).
الشيخ حامد المغربي ، يسارق النظر إلى جدي وأبي ، هويعرف مدى ما هما فيه وسائر الحاضرين من ضيق بسبب انقطاع المطر الذي لو تأخر بضع ليال أخرى فسوف يخرجون من الموسم بلا خير ستعتبر السنة خطأً
قال الشيخ حامد المغربي لجدي :أريد فتى نقي القلب طاهراً لم يرتكب أي معصية من قبل .
امتلأت المنزلة بالتفكير من أين يمكن أن نأتي بالمطلوب ؟ ومن هذا الذي يمكن أن نضمنه (نقي القلب طاهرا لم يرتكب أي معصية ).
فجأة فكر جدي في الفروي علي بلغيث الفتى الرقيق النحيل الذي استقدمه مع أسرته من دير عطاء كي يعلم عمي محمد ،
طلبه جدي فجاء ، وسأله الشيخ حامد: هل ارتكبت معصية قط
-ربي يعلم بحالي
-متأكد؟
-الحمدلله
استشعر الشيخ حامد صدقه فأمره بالوضوء ، توضأ الفتى وبعد أن توضأ استدناه الشيخ إليه ، ثم أخذ القلم وسطر على جبهته سطوراً وقال له :صل ركعتين باطمئنان فإن كنت كما تقول فلن تكملهما إلأ وقد بللك المطر
أخذ الفروي السجادة ومدها في ظل المنزلة وبدأ يصلي
كان. أبي وجدي ومعهم المقيلون من أقاربنا والضيوف والشيخ حامد قد خرجوا جميعهم من المنزلة إلى القبل يشاهدون ما يحدث ، السحابة الكبيرة السوداء تهبط من أعالي جبال ملحان إلى الحواز وتتقدم نحوهم بصورة مذهلة ، حين كان الفروي يكمل التشهد كان رأس المشب (أول المطر) ، يسقط عليه ، والرجال يصيحون سبحان الله ، سبحان الله .
**
كانت منزلتنا مهوى لكثير من أهل الله ، ممن سلبت عقولهم المحبة ، يرتاح جدي لوجودهم ، يعيشون حاضرين في الوجدان بسبب تجليات شخصياتهم ، أما على المستوى الواقعي المادي فهم يعيشون على هامش المنزلة ، متكآتهم دائماً في الركن القصي ، ومشاركاتهم في الشأن العام الذي تشهد المنزلة وقائعه قليلة أو تكاد تكون منعدمة ، يحيى مثلاً لا يتكلم مطلقاً ، لكن إن أعطيته بضعة أوراق وألقى عليها نظرة فإنه يحفظها غيباً (عن ظهر قلب) ، كان يحيى نحيفاً مقوس الجسد ، تبدو عليها سيماء المجاذيب وكنا نستغرب لبقائه على قيد الحياة فهو لا يكاد يأكل ، قد يتصرف تصرفاً أو يقول كلام صادماً ، تحسبه للوهلة الأولى غير منطقي ، فيه قلة ذوق ، أوعدم قدرة على التقدير ، لكنك حين تتفكر فيه ، فإن مغزاه يكون عميق جداً
مرة كان يجلس وحيداً في المنزلة حين دخل واحد من الوجهاء المشهورين
قال القادم بصوت عال : السلااااام عليكم
فرد يحيى بصوت خفيض مليء بالازدراء : وعليكم ما في أقدامكم.
صعق الرجل ، لكنه ما لبث أن ابتسم متقبلاً بعد أن فهم الرسالة ، فهو كان يمر بحال من العنجهية والغرور ذلك اليوم ، وكان يجب أن يجد يحيى ليعلمه التواضع والصبر والمحبة
كان يحىي يغيب ويجيء ، ليس لحضوره وقت محدد متى ما شاء جاء ، جدي وأبي اعتادا على التعامل معه ومع أمثاله على مقتضى حالهم لا يسألونهم أين غبتم ؟ ولا ماذا تريدون من مجيئكم ، يقيم الواحد منهم في المنزلة أياماً أو أسابيع أو شهوراً ، لا أحد يسأله
كانت تتناثر حول يحيى عشرات الحكايات من ذلك النوع الذي يحيط بالمجاذيب الصالحين ، كأن يكون مقيماً بيننا ويأتي شخص ما من مكة يحلف أنه رآه هناك يطوف ، لكن أجمل حكاية شغفت طفولتي بيحىى هي تلك التي أعقبت موته ، ثمة رجل كان يهاجم يحيى دائماً ، ينفي صلاحه ويسخر منه ، يوم موت يحيى رأى ذلك الرجل في منامه الجنة ورأى فيها طيراً أخضر لا مثيل لجماله بين كل الطيور ، فسأل ما هذا الطائر الجميل المختلف عن كل الطيور فقيل له هذا يحيى .
***
الربيدي كان وجهاً آخر ألفته منزلتنا كل خميس ، كان رجلاً نحيفاً أبيض اللون لا يجيد ضبط ملابسه عليه صدره عار دائما بشعر أسود كثيف ، يدخل المنزلة وهو يدعو بصوت مرتفع : يارب عافي بي عدالله وقبّل قبوله بجاه ولتي تاك ( يارب عافي أبي عبدالله وزده قبولاً بجاه والدتي تلك).، دائما يأتي بعد العصر أثناء المقيل يقدم له الغداء ، ويعطيه جدي قاتاً وبعض المال ، يمكث ساعات ثم يختفي . وجدي لا يٍسأله أبداً عن حاله ولا كيف هو
***
وحده الشيخ حامد المغربي الذي قلب حياة جدي وأبي رأساً على عقب ، ، كان حامد حبشياً أخضر اللون طويلا نحيفاً ووسيماً ،لا أحد يعرف متى قدم من بلاد الحبشة ، يتنقل بين مدن تهامة وأديرتها وقراها ، يحل عند الوجهاء والمشائخ والتجار والعلماء ، وجبته في اليوم بضع لقيمات من الأرز ، لم تكن قرى تهامة وأديرتها عند نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات قد جعلت الأرز شيئاً أساسياً على موائدها ، كان الشيخ حامد حين يرى كيف يقدم الأكل في منزلة جدي خاصة أكلة التريف وطريقة تناولها يفيض في التعجب حتى يكاد يجن وهو يصيح : كيف تأكلون كل هذا ؟
، لكن أحداً لا يباريه في تناول القات فهو يعتبره قوت الصالحين ، وهو لا يدعه إلا في أوقات الصلوات ، بعد منتصف الليل حين ينام الناس تماماً ، يكون له مكان خاص ، يملأ المجمر ناراً ويضع عليه قطع العودة ويبدأ تواصلاته الماورائية ،وقتها لا يجب أن يأتي أحد إلى المكان ، أو يرتفع صوت فيه ،
وهو يبقى كذلك حتى صلاة الفجر ، فذروة اشتغالاته هي وقت السحر وهو أفضل أوقات تنزلات الفيض الإلهي
وقت السحر هو أيضاً وقت المضاحي ، حيث يجب أن يقدم للثيران علفها من العجور أو القوش والحلوج ، كي تأكل وتشبع قبل أن تذهب وقت الغبش للحرث ، ثمة عريش يجاور المنزلة وينفصل عنها ينام فيه الشقاة الفراغلة الثلاثة ومحمد موسى وحسين والفقيه ، حمامة التي تنام في جانب البيت قريباً من جدتي هي المكلفة بالذهاب سحر كل ليلة إلى عريش الشقاة ، تقترب من العريش وتنادي بأسماء الشقاة يستيقظون ويذهبون لتقديم العجور للثيران . ذات ليلة ثقل نوم حمامة فأيقظتها جدتي حين قامت لم تميز أنها بدل من الذهاب إلى عريش الشقاة ، ذهبت إلى حيث يختلي الشيخ حامد المغربي ويقارب تنزلاته.
حين شعر بها حامد صرخ بها ارجعي ، ارجعي ، كانت المسكينة تمشي نائمة ولما لم تسمع كلامه أخذ حجراً ورماها ، في تلك اللحظة كان أبي يبعدها عن المكان وعن مرمى حجر الشيخ حامد الذي لو أصابها لكان ربما قتلها ، ، أبي بمجرد أن سمع صوت الشيخ حامد يصرخ ارجعي حتى شعر أن هناك خطباً فقفز عن سريره يجري ووصل في الوقت الممناسب .
في اليوم الثاني كان الشيخ حامد يقول لأبي : لولا لطف الله لكانت حمامة أختفت خلف جبال واق الواق .

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24