الأحد 16 مايو 2021 آخر تحديث: السبت 15 مايو 2021
القافية .. جلطة القصيد - عبدالرحمن الخضر
الساعة 13:45 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


النص كخامة لسان عربية .. ومترجما إلى لغات أخرى  : 
القافية هذه التي تغلق علينا بالمطلق وتقفل وبكل صرامة نحونا كل الأبواب، وكأننا نتلمس أخيرا عند خطوتنا الأخيرة الجدران لنبقى هناك، هذه المغاليق البائية أو اللامية أو الميمية كما نطلقها عادة على ونسمي بها القصيدة العربية الفصحى ( لامية امرئ القيس أو ميمية المتنبي ... إلخ ) .
لنبدأ من هنا، من النص قبل الترجمة، فهل ستأتي القصيدة بذلك الشكل التام الذي يضع المعنى من النص في تفاصيله على أفضل وأتم واوضح وأجلى صورة يبتغيها الشاعر أو الكاتب عموما من صناعته للنص؟
هل علينا أن نبحث عن تلك المفردة التي تنتهي بذات الحرف القيد الذي أغلق كل الابيات السلف لنغلق به البيت الحاضر بين أيدينا؟ نحن هنا إذن بصدد سلسلة من حلقات مكررة وكأننا بها لتكبيل عنترة بن شداد حتى لايتطاول على سيدته عبلة . هل نحن بصدد الفتح على الآفاق الشعورية في الصورة والمعنى وفي الاشتغال على إيقاع يتراقص في القصيدة قبل أن ترقص القصيدة عليه؟ أم أن القافية ستصدر حكمها المطلق هنا بذات الحرف القديم المتكرر؟ أكانت المفردة ظالمة أم منصفة للبيت هنا ولكل القصيدة هناك، حيث ولا استئناف بعد إصدار حكم القافية الغشوم .
 ماذا لو أن مفردة هنا لن تستقيم كقافية على نهج القصيدة لكنها من ستفتح لنا على فصل خصيب في حين القافية لاتقف بنا هنا إلا على الخريف . لاشك بأنا مرغمون على الخريف كقافية لامخرج لقصيدتنا منه .
هذا ما كانت عليه القصيدة الجاهلية في بيت الشعر المنغلق على نفسه، المكتفي لذاته، المكتمل والغير قابل للنمو إلى التالي، وما تلا ذلك في العصور الاسلامية اللاحقة من محاولة للتحرر والتصرف في تركيب القصيدة على قفلات وليست على قفلة واحدة، لكن القصيدة العمودية ستبقى حتى مع الشعراء المعاصرين على متوالية القفلات محصورة على ذاتها لاتتنفس حيث الشعر طيف من الالوان لاتحده حدود، وماهذه القصائد غير مراوحة على ذات النمط وكأن كل الورد أبيضا فحسب، وكل الطيور بجعاً فحسب، وكل الروائح طعام.  
التقفية سور القصيدة، قفص البيت، قيد الشطر، حيث  تنحجب الفضاءات عنده عن كل طيور القصيدة، قصيدة القافية لاتحلق إلا بصفقة من جناح أو صفقتين إن تمكنت وهنا مسافة جودتها . 
كيف بي أن أحلق هناك لألتقط الأغرد الألون الأعطر، حين كل الفضاءات إلى الكلم كل الكلم مفتوحة لي على آفاقها، أم أن ليس أمامي غير بجعة أو أبي قردان القافية  .
أن يكون اللام هو نهاياتي أنا القصيدة، هذا اللام هوذاته أسيرٌ على إيقاع وعدد أحرف الكلمة الأخيرة  فحسب وكانه في زنزانة انفرادية داخل معتقل الكلمة الأخيرة من البيت خلف أسوارالقصيدة .
أشعر بضيق وبانقباض رئتيّ 
الشاعر منطلقٌ . طائرٌ . محلِّقٌ . مطلٌّ . كاشفٌ . مركِّبٌ . ناسِجٌ . صائِغٌ . صانعٌ . مصوِّرٌ . راسِمٌ . عازِفٌ . ملتقِطٌ . لاقِطٌ . ثاقِفٌ محيطٌ . خالِقٌ . مُرْهَفٌ مرهِفٌ . حسّاسٌ . متدفِّقٌ .... كيف به أن ينحصر خلف لام أو ميم بكل جميعه وجمعه هذا، هذاهُ القادر على جمع جنِّ الشعر وإنسه وتفريقها مرة أخرى .
الشاعر فيضان .
ماذا عندئذ؟ أن تتجلى للشاعر مفردة أخيرة تخلقت من روح القصيد وتحلق بالقصيد وتفتح له على عوالم لاعهد لأحد بها قبل تحربته هذه ... وكأننها جناحيه لكنها لاتنتهي بحرف القافية؟ هل يعود ليضع قدميه أرضا فوق رمضاء صحراء القافية  ويترك طائره الحر الخرافي يطير . 
هل سيعيد ترتيب أحرف المفردة كما هو وقع الأصابع على لحن الوتر؟ هل سيعيد الفشل الغنائي لأبي فرح الاصفهاني؟ هذه صناعة أخرى .ذاك وتر وهذا حرف، هل سيذهب ليشتغل على صناعة أخرى غير الشعر؟ ماذ لو أنها لاتشمل حرف القافية؟ هل سيكسرها؟ هل سيتخلى أخيرا عن الفرصة لغزو فضاء القصيد ليذهب ويسوق الجمل على حافرة القافية؟ هل سيحاصر روح القصيد ليصنع لنا نصا مصابا بضيق التنفس؟
وإن كانت القافية ستوفر للقصيدة الايقاع على حساب الشعرية فكيف بها عند ترجمة النص إلى لغة أخرى؟ كل شيء يتضح الآن فورا. فلن تكسب القصيدة هنا ماكابرت عليه هناك، فالترجمة المخلصة ستأتينا بقصيدة غير مقفاة لاشتغال مضمونها وشكلها هنا على لسان مختلف. وستموت حيوات القصيدة تلك التي انبنت هناك على إيقاع القافية ولن ترقص مرة أخرى وإلى الأبد، وإن تطاول المترجم ليقفيها على لسانها الجديد فستكون القصيدة كمن يرقص البرع على إيقاع الروك أندرول .. حين تكتب شعرا فعليك أن تكتبه بكل اللغات ليحوز على هويته كشعر .
 أن تبقى على طبلك المحلي فلست غير ذلك الإنسان الذي لما يتعلم الكلم بعد ولازال يقلد الطبيعة ليتفاهم مع أخيه الإنسان، لكن القصيدة هنا في عالم من منظومة ثقافية إنسانية معقدة تشتغل على ثقافة من ملايين السنين من الإنسان الشعوري العميق، هل من أحد من الشعراء العرب غير أدونيس وبنيس من حازا على جائزة عالمية حين تحررا مع الكثير أخيرا من قيد القافية وأطلقا القصيد إلى عنان السماء . حتى لو ترجمنا قصيدة لقباني والاخطل الصغير هذا الشاعران غزيرا الوجد إلى لسان أخرى فلن نتمكن من السماع إليها كما هي على وتر فريد الاطرش وحنجرة فيروز، ستكون قد تفككت وخرجت من بيتها العربي إلى العالم في حين لاتملك أن تتحدث بغير لغتها العتيقة. وسنصير كمترجمين، لكن الشاعر هو من يجب أن يكون مترجما منذ أن يخط حرف قلمه الأول من القصيدة. الشعر هو مالك اللغة أينما ذهب وأينما كُتِبَ أو قُرِئَ، فالشعر منذ المولد مخلوق عالمي ستجهضه القافية .
وحدها القصيدة الشعر هي من تشتغل على كل اللسانيات وتركب كل اللغات وتعزف كل الموسيقى .
2 مايو 2018

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24